
لم أفكر طويلاً إذا ما كان الحديث عن هذا الموضوع، سيثير تساؤل من حولي، فقد كان الموضوع اكبر من طاقتي، وأكبر حتى من استيعابي الخاص، فعدلت جلستي على المقعد الخشبي الأخضر الذي يجلس قبالة البحر، خبأت فيّ رائحة القهوة نفسها، عدت إلى صف التاريخ في الجامعة، كان علي أن انتهي من هذه المادة الدراسية كي أتخرّج، سقطت سهواً دون وعي مني، وفي الصف تساءلت هل سيذكر التاريخ أن أمريكا تعيش هذه الأيام دون وجود ذلك الصبي الصغير الأسود، الذي غيّر مجرى تاريخ الموسيقى الغربية. أنسى في الصف كل الأشياء التي حولي، أغرق في مقعدي وفي وجوه الفتيات المنتبهات في شكل هستيري لمظاهرهن وأجسامهن، والشبان الذين يبدون لي أطفالاً. أنا أيضاً طفلة أغمض عيني لأتذكر اسمي، لكنّ اسم عزيزي هو من يحتل خارطة رأسي، وأشعر بالرضا يطوقني، وتتحول كآبتي إلى نوعاً من الخوف، كآبة الإنسان الذي يصعب عليه أن يقرر.
اتخذت معظم القرارات المهمة في حياتي بعد تفكير عميق، وكنت دوماً متأكدة من اختياراتي، إلا أنني كلما أدركت أنني كبرت، أصبحت أكثر تردداً في اتخاذ القرارات البسيطة والسهلة. عزيز تحمل ترددي، وهروبي من الاحتفالات والمناسبات والسهرات وزحمة الوجوه التي نعرفها أو لا نعرفها. بالرغم من أني أحياناً أحب أن أحيط نفسي بأشخاص كثيرون، وأحب رغم شفافيتي التي تصفني بها أختي الكبرى ( نيرة ) أن أكون مركز اهتمام الآخرين، لكن من أحب يجيد فعل الاختيار، ولا يندم أو يتحسر أو يحاول في الوقت المتأخر أن يغيرني. تنازل لي عن مظاهر في حياته لم أجد نفسي فيها، واهتممت بكتبي وهوسي بالتاريخ والأشخاص الذين يموتون بالعلن، ويجعلوني أتألم كما لو أنهم جزءاً حقيقياً من حياتي، والأهم أنه تحمّل تقلبات مزاجي التي أعلن عنها بقوة لم أخلعها عني يوماً.
قررت أن أسافر إلى باريس برفقة ابنة عمي ( صافي )، لكني غيرت رأي قبل أن السفر بأيام قليلة، وكنت قد فكرت بكتابة رواية جديدة، بدت كل تفاصيلها واضحة في رأسي، لن تكون الرواية عن أمريكا أو عن موت مايكل جاكسون أو ما سيأتون بعده ليموتوا. تتصل بي صافي لتخبرني أنني امرأة مزاجية جداً، وأن علي أن لا أفكر بالتاريخ طويلاً، وأن أنهض بحبي إلى عزيز إلى القمة، دون أن أخشى السقوط، لكني كنت للتو قد خرجت من غرفة أختي التي تحدثت عني طويلاً قبل أن تصمت، كنت دوماً الطفلة في حكاياتها، كانت تصف شعري الأسود الناعم الذي رسمته في كراسات المدرسة ولم تقصه وفاء لنذر أوجبته على نفسها، بعد أن أنجبت صبياً بعد ثلاث بنات، من ابن عمي وسيم الذي تهيأ لها أنه غدر بها حينما غادر الوطن إلى نيويورك، لامته على قسوته رغم صغر سنوات عمرها، واتهمت ( وسيم) بقلة الوفاء وطلبت منه أن يؤجل سفره، لكنها كانت تؤمن تماماً بأنها سترتاح حينما يسافر بعيداً، ففضاء المكان سيتسع فقط لأحلامها دون وجود وسيم لأول مرة.
غادر وسيم وبكيت أختي، حتى شلت معظم أعضاءها، وطار بها والّدي إلى مختلف بقاع العالم كي ينجو بأبنتهم المراهقة التي تعلمت الحب بالسر، وفضحها المرض أنها تعاني من فقدان الذاكرة ولم تعد تقوى على تحريك أطراف أصابع يديها، أمي القوية استسلمت للصمت، للبكاء حيناً، وللبحث عن دواء حيناً آخر، بعد عودتها من سفر العلاج، كنت أعانقها وأسرح شعرها الأشقر، كانت ( ريانة) فناءً آخر من القوة والحب، كانت تحتضن صور وسيم الذي بعثها لها، وهو يجلس في شقته الفاخرة، في الطابق الخمسين، كانت تعرف أين تقع العمارة، وكانت تخشى عليه من كل ما حوله، حتى من الطابق الخمسين، كانت صورة تعبر عن شاب متحرر، يذوق الحب كما التوت البري، صوره التي احتفظت خلسة بواحدة منهم، كانت أصابعه تلتقط السيجار، ويضع السلسال حول رقبته، صرخت من الهلع، كان السلسال به أول حرف من اسمها، اكتشفت أن وسيم لا يزال يحمل في قلبه كل المشاعر لابنة عمه، انحدرت إليها الدموع وسالت من عينيها، أضحك الآن حين أذكر إصرار ريانّة على أن تمضي حياتها من دون وسيم، ولتمضي حياة أمريكا دون أغنية الصبي الأسود والذي ما عاد أسوداً.

























03 يوليو, 2009 01:00 م