كان يعرف أنه سيقف أمامها أعزلَ بعد لحظات، وهي تحدّق في عينيه مباشرة، عاقدة يديها، وزامّة شفتيها، بما يُذكِّر بلوحة مودلياني (الصغيرة بالثوب الأزرق).

Little Girl in Blue
1918
قبل أيام أخذها للطبيب، ولم يكن يريد سوى شيء واحد: أن يثبتَ لهم أنها ترى أكثر من الجميع، تلك التي يقولون عنها بأنها غير قادرة على رؤية شيء أبعدَ من أرنبة أنفها.
سألها الطبيب: لما أنتِ هنا؟
ردًّت: لا أعرف!!
. . . "
إبراهيم نصر الله
من رواية "شرفة الهذيان"
أتذكر وسط ارتباكي " ليوناردو دافنشي" , ذلك الرسام العجيب الذي كان قادرا على أن يرسم بيده اليمنى و يده اليسرى بالإتقان نفسه. بأي يد تراه رسم " الجوكندا " ليمنحها الخلود و الشهرة؟ و بأي يد يجب أن أرسمك أنا.
ماذا لو كنت المرأة التي لا ترسم إلا باليد اليسرى , تلك التي لم تعد يدي؟
خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب . و أجلس لأتفرج عليك ِ, عساني أكتشف أخيرًا سرك. فربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لفهمك.
أحلام مستغانمي
ذاكرة الجسد.
- أنت محظوظ بهذا المنظر , جميل أن تطل شرفتك على نهر السين , ما اسم هذا الجسر؟
قلت:
إنه جسر ميرابو. اكتشفت أخيرًا أن " أبولينير" قد خلّد هذا الجسر في عدة قصائد, عثرت على بعضها منذ أيام في ديوان له. يبدو أنه كان ملعًا به. إن الشعراء مثل الرسامين لهم عادة لا تقاوم في تخليد كل مكان سكنوه أو عبروه بحب. بعضهم خلّد ضيعة مجهولة, و آخر مقهى كتب فيه يومًا, و ثالث مدينة عبرها مصادفة, و إذا به يقع في حبها إلى الأبد.
سألتني:
و هل رسمت أنت هذا الجسر؟
أجبتك متنهدًا :
- لا .. لأننا لا نرسم بالضرورة ما نرى , و إنما ما رأيناه يومًا و نخاف ألا نراه بعد ذلك أبدًا . و هكذا قضي " دولاكروا" عمره في رسم مدن مغربية لم يسكنها سوى أيام , و قضي " اطلان " عمره في رسم مدينة واحدة ... هي قسنطينة.
ذاكرة الجسد

اللوحة لـ دولاكروا.
هو الرسم .
أنه شئ جامد , حركة متقطعة , صورة غير وفية لأصل ,
علم لا احد يهتم به , الا الرسامون طبعا
الذين يعتبرون أنفسهم كائنات عالية تيرة العقول فيما هم لم يتطوروا كما فعل سائر البشر .
** من رواية أحدى عشرة دقيقة
باولو كويلو
"غريب كم يبدو المكان كمصيدة، أحياناً. لسبب غامض، وجدت نفسي أقضي جلّ وقتي في "سياتل" متردِّداً بين أمكنة ثلاثة: "سينماتك الوهم العظيم"، و "حانة القمر الأزرق"، و مقهى "المخرج الأخير".
جذبتني أسماء هذه الأمكنة، جذبني أكثر اسم "القمر الأزرق". اللون تحديداً جذبني.
قيل: الأزرق مضاد للهياج الجنسي - كنت ثوراً جنسياً - ، وقيل: مهدئ للأعصاب - كنت على حافة الجنون، والعصبية إرثي، أبي مشهور بعصبيته.
قلت: اللون جذبني. تعتقد الطائفة الصوفية "النقشبندية" أنّ في الإنسان عدّة أنفس، ولكل نفس هالة أو ضوء خاص بها. الأزرق لون "النفس الأمّارة بالسوء" (نفسي كانت تأمرني ليس فقط بالسوء، بل حتى بالجريمة، وكنت أخشى من أن تنقضم شخصيتي وتقوم إحدى الشخصيتين بإقتراف جريمة لا تعرف عنها الشخصية الأخرى)، أما الالأحمر، فلون النفس "الملهمة"، والأبيض لون النفس "المطمئنة"، والأخضر لون النفس "الراضية"، والأسود لون "المّرضية" (أرضاها الله)، أمّا الأصفر، فلون النفس "اللوّامة".
. . .
Marc Chagall's
The Blue Violinist
1947
عندي، الأزرق لون الغربة، والغيب، وسماء الطفولة. وربما أن لنواياي السيئة لوناً أزرق .. مرّة تعلّمت العزف على البيانو، و"ألفت" لحناً ساحراً قصيراً، وعزفته لمدّة طويلة جداً، يوماً بعد يوم. ولم أنتبه لسيّر حبي له حتى قرأت كتاباً لموسيقار أسود، يزعم فيه أن لكل "نوتة" موسيقية لوناً خاصّاً بها، ولكل مقطوعة موسيقية لوناً خاصاً بها، فإحدى سوناتات "موزارت" تثير في السامع اللون الأاخضر أو الأزرق أو .. بحثت عن لون "النوتة" التي سحرتني، وذهلت عندما وجدت أنّ لونها أزرق. وانتبهت إلى كوني أحبّ بشكل خاص أغاني "البلوز"، التي تتضمن نوتة تُدعى "النوتة الزرقاء" .. البلوز!
. . .
وعند السود في الولايات المتحدة، الأزرق لون المعاناة، "لماذا أنا حزين و أزرق؟" (أغنية جاز للويس آرمسترونغ، على ما أعتقد)."
حسين البرغوثي
من رواية الضوء الأزرق
- سوف أجلس وأرسم. ما رأيك؟
- في أي شيء؟
- في أن أرسم؟ آه. ما رأيك في أن أرسم الحصان؟ هه. فكرة. أليس كذلك؟
قلت: لا أعرف حقاً ما الذي يمكنني أن اقترحه عليك لترسميه.
- وسأرسم شخصاً مثلك. يشبهك تماماً فوق الحصان.
-يشبهني؟
- آه. وتجلس أنت لتكتب روايتك."
" . . .
- سابدأ الرسم بعد أن انتهي من الطعام. هل أعجبتك الملوخية؟
- آه. سترسمين الحصان؟
- آه. ألا يروق لك هذا الموضوع؟ إنني أرى في ذلك مكسباً من عدة وجوه. الحصان هنا فلا أحتاج إلى موديل. وسيجعلني ذلك دائماً بجوار الحصان فلا أنسى الطفل. وعندما يأتي الطفل سيجد لعبته مرسومة بعدة ألوان زاهية، وسيجد اللعبة نفسها. ثم إنه سيجد أباه فوق الحصان. وهذا أهم من كل ذلك. ثم علاوة على ذلك كله، فإن هذا سيمنحك وقتاً أكون خلاله مشغولة عنك بحيث يمكنك أن تنهي قصتك."

Cintia Canelhas
A Wooden Horse
"كانت الخطوط الأولى قد بدأت تتضح، غير أن اللون الأحمر كان منساباً حتى نهاية اللوحة. حتى بدا، لو أنها اكملته على هذا النحو، سيكون حصاناً دامياً تماماً.
كانت تضع لمسات خفيفة حول العنق:
- سأحاول أن أكون أمينة كما يجب. سأحاول أن أرسمه كما أرى. دون مبالغات. ما رأيك في هذه الرقبة؟
كان إصبعها يشير إلى الرسغ، وشعرها الأسود الفاحم يفوح برائحته المعتادة:
"لماذا لا تريد .. ؟"

Marianne Clancy
Wooden Horse
2004
" . . .
جاءت وعانقت كتفي:
- هل ترى أن الدم. أعني بقع اللون الأحمر أكثر مما يجب؟
إستندت عليّ وهي ترفع جسدها على أطراف قدميها.
- إن المسألة تتوقف على الرؤيا.
- إلى أي شيء تنظر من هنا، ماذا تقول؟
- الرؤيا.
- أية رؤيا؟
- تلك الطريقة التي ترين بها الأمور، فأنت تعرفين الأشياء جيداً، ثم تبدأ الرؤيا في التكون.
- لكنني لا أعرف كثيراً من الأشياء، إن بعضاً من البقع المتجاورة بعد أن أصبحت بقعاً منفصلة لا يمكن أن تعود لتصبح بقعة واحدة كبيرة.
- من قال ذلك؟
- كل أرخبيل رأيته على الخريطة. إنك إذا أردت بقعة واحدة كبيرة، إصنعها من البداية واحدة كبيرة، لكن بعد ذلك، لا يصلح. بعد أن أصبح كل على حاله."

Ellen Briggs
Wooden Horse
"مددت أصابعي النحيلة ولامست الخصلات الداكنة فتراجعت هي قليلاً ثم وقفت، مشت في ثوبها الرقيق العاري حتى نهاية الردهة، واستندت بكتفيها إلى الحائط وظهرها في إتجاهي:
- لو أنني كنت أستطيع أن أمنع ذلك لمنعته، وأنت تعرف. لقد حاولت كثيراً جداً. لقد حاولت وأنت الذي كان يريد.
مشيت نحوها ووضعت يدي على كتفها النحيل فاستدارت ورأيت عينيها وكانت الدائرتان الداكنتان قد إتسعتا حولهما، واقتربت مني حتى شعرت بجسدها الدافئ. وكانت رائحة الدم تفوح من جرحها، وهي تضع يدها على نحرها وبدأت تقاوم الألم.
- هل أنتِ متعبة؟ هل أنتِ .. ؟
- أنا لا شيء. فقط. لو أنني أستطيع أن أجلس بنفس الروح لأكمل الرسم.
- حاولي. إستعيني بالمقعد الواطئ.
جلست ووجها إلى اللوحة. وضعت الريشة في يدها كما وضعت الألوان على مائدة صغيرة بجوارها، وصنعت لها كوباً من الشاي ووضعته بجوارها.
وتراجعت وجلستُ بعيداً في نهاية الصالة الفسيحة وأنا أقلب صفحات الجريدة.
رفعت يدها الرقيقة وهي ترتعش، ولامست الورقة البيضاء ثم سقطت يدها إلى جانبها، وظلت منحنية للأمام، وشعرها الفاحم يغطي رقبتها الطويلة البيضاء.
نحيت الصحيفة جانباً وانتظرت.
رأيتها تمشي بقدميها العاريتين إلى الناحية الأخرى ببطء شديد، حركت المائدة المستديرة قليلاً، ومدت ذراعيها وفتحت النافذة الكبيرة وأطلت قليلاً ثم تراجعت ومشت عبر الممر المعتم إلى الداخل. واشتعل الضوء. فمشيت أنا بدوري إلى النافذة واقتنصت إطلالة صغيرة ووقفت هناك وقتاً. ثم سمعت صوتاً فتراجعت.
كانت قد نحت الأشياء جانباً وحركت الحصان الخشبي إلى منتصف المكان، وأمسكت بالفارس المحطم ووضعته بجانب الحصان، ثم مزقت اللوحة نثرت أوراقها على الفارس والحصان، وصبت قليلاً من الغاز، وأشعلت عود ثقاب رمته على الأشياء. كنت واقفاً في نهاية المكان ممسكاً بإفريز النافذة ولم أستطع أن أقول شيئاً.
إرتفعت ألسنة اللهب إلى أعلى، فوضعت يدي في جيبي وأخرجت المفكرة الصغيرة، بينما أخذت هي تنحني ببطئ لتجلس على ركبتهيا خلف النار المشتعلة التي كانت تلتهم الفارس والحصان والخوذة وقطع الأوراق الصغيرة الممزقة، ورفعت وجهها الجميل الهادئ المتعب من خلف اللهب وقد انعكست عليه النار فسقطت المفكرة الصغيرة بين قدمي."
عبده جبير
من قصة "فارس على حصان من الخشب"


































10 نوفمبر, 2006 04:08 م