
لم أكبر حتى الآن يوماً أو عاماً واحداً، لازلت سارة في عمر الخامسة عشر، امتلكت سيارة جديدة، ولفتت العالم بأسره، وأصبحت أميرة صغيرة تمتلك الآلف من الحقائب والأحذية، وتتناول غداءها في مطعم يقع وسط المحيط، مثلت أدواراً بسيطة في أفلاماً روائية قصيرة لزملائي في الجامعة، والتقطت لي صوراً وأنا أركض.. أتنفس.. أبحث في ظل الروايات المترجمة عن رجل يقودني إلى جنون العالم، صوراً بعدسة مصور فرنسي طويل، تخرج منه رائحة النبيذ والجبن العتيق، وظهرت على غلاف لمجلة فرنسية باللون الأبيض والأسود، دون مكياج بالشكل المطلق، وبفستان تحول إلى حديقة من شدة تزاحم الورود فيه، في الصورة كنت وردة كبيرة، بهجة لا يمكنك أن تخفي ملامحها، سمعت طلقت الفلاش وكان علي أن أنظر بإتجاه آخر، هناك إلى البعيد، حيث لم أكن أعلم أن البعيد يخبئ لي حياة لا تشبه إلا عزيزي فقط!
أنظر لبطاقتي الشخصية التي امتلكتها منذ عامين، صورة قاتمة ميتة، لا تشبه صورة الفرنسي الطويل ذو الرائحة الغريبة، أذكر جيداً صراخ الموظفة الحكومية عليّ كي أزيل الروج الأحمر وأن أكتفي بالكحل فقط، لم تكتفي بالصراخ وإنما هددتني بأن تضع اسمي واسم كل من تسول لها نفسها أن تلتحف بالمكياج، أثناء تصوير البطاقة الشخصية، تلعن السماء والأرض لأننا فتيات ونحب أن نظل على الدوام في عمر الخامسة عشر، نسرق زينة أمهاتنا ونلون وجوهنا الصغيرة، نريد أن نكبر وحينما نكبر كثيراً نشتاق لزواريب الهواء القديمة، لأن نصدق أننا لم نكبر وأن الأمكنة التي اختزلناها طويلاً في ذاكرتنا لا تبارح مشاهدها خليط مواعداتنا البعيدة، لم تفهم تلك الموظفة الفرق بين وظيفتها وبين أن تصور الحياة لامرأة تريد أن تعيش حياتها حتى لو كانت في صورة، مجرد صورة تحتفظ بها في محفظتها الشخصية!
عمري خمسة عشر عاماً فقط..
وكل يوم اكتشف أشياءً كثيرة، ليس لأن عزيزي يثبت لي يوماً بعد يوم بأني أبدو على الدوام أصغر من كتفه الجميل، وأن مغامراتنا لا تعذبنا ولكنها ترضينا، وأنني استحق كل العذابات التي ألحقتها به، وأنا مازلت صغيرة على تحمل شقاء صحبته في بعض الأحيان، وأن عناقاتنا البهية تأخذ الكثير من تفكيره وتعجزه على أن يعيد بقية أيامه دون أن أحظى بنصيب الأسد منها. يوم الأربعاء اتفقنا على أن نلتقي في الثامنة مساءً، في الحديقة التي تبعد شارعين وخمس إشارات عن مقر عملي، سنلتقي وننطلق في رحلة واحدة لكي نكتشف الفرق بين قاماتنا، رغم قصري الجميل لكني لا اصدق أني قصيرة، إلا حينما تلتقط لي صوراً تظهر مدى قصر قامتي أمام من يشاركني الصورة، لا أصدق أن هذه صورتي إلا حينما تظهر ضحكتي كما يجب، وحينما يظهر الخاتم الزمردي الذي لم أنزعه من أصبعي، منذ أن التقيت بعزيز في ذلك النهار الذي يبلغ عمره عامين، كنت أتخيل على الدوام أنني سأكبر كل يوم سنتيمتر واحد، طلبت مني "لولو" ابنة الجيران أن اكف عن سرد أحلامي، وقالت لي وهي تعيش لحظة واحدة في حياتها، دائماً اللحظات عند "لولو" ثمينة ولا يمكن لها أن تعاد، مشهد واحد لا يمكن أن يتكرر، لا تفاحة الأمس تشبه اللون البنفسجي، ولا صيف مدينة كان يشبه فوضى بيروت المقدسة: (نحن أجمل بقصر قاماتنا، لأننا لن نكبر أبدا) هذا ما تقوله لولو وأنا أصدقها حتى وهي تخترع لي قصص عن "باسم" الذي رأيناها مصادفة في مقهى "الشوكلاتة" برفقة شقيقته "نوف"، لم تكف لولو عن تذكر باسم، أو عن أمنيتها بأن يكون هو رجل الشوكلا في حياتها، كنت أعرف أن باسم لن يعود أبداً، فكل الأحداث في حياة لولو تعاش لمرة واحدة فقط.
بدوت متحمسة لرؤية عزيز في الحديقة المسائية، وكأني سأذهب إلى رحلة سياحية، ألم أقل لكم أني لم أغادر حتى الآن عمر الخامسة عشر، لم يستطع أن يقتلعني عزيزي من حياتي، لم يصدق هويتي الحكومية التي تشئ بقسوة الحياة الصارمة التي نعيشها، لم يصدق كل الأشياء التي تحيطه، لكنه يصدق كل الأشياء التي تخرج من فمي، الثقة التي تأتي من صوتي، المرض الذي يجتاحني بشكل مفاجئ، ضحكاتي الصغيرة التي رسمتها على يده، سرقتي لمفاتيح غرفته، دونت في يومياته أحداثاً ومواعيداً وهمية لكي يتذكرني، خلطت حليب الصباح بكوب الهيل والزعفران وشربه دفعه واحدة، ليشعر بأنه ولأول مرة يعيش أياماً مختلفة، أنه يترك كل الأشياء التي حوله، وياتي إليّ، لا يغير دفتر مواعيده رغم كل الأوهام التي رصدتها لهُ، كان يعرف تماماً أنني لازلت أعدو في عمر الخامسة عشر، وهو يريدني أن أكون هكذا على الدوام، فرنسية جميلة لا تكبر أبداً ..




























26 اغسطس, 2009 04:21 ص