
صورة من حوض السمك في فندق أتلانتس بعدستي الشخصية
حينما وصلت إلى فندق أتلاتنتس النخيل، كانت الساعة بتوقيت مدينة دبي قد تجاوزت الحادية عشر والنصف، روعة المكان أنستني الساعات الطويلة التي قضيتها ما بين عمل صباحي، وامتحان المنتصف الذي بدأ في الخامسة مساءً، وفي خلال ساعة واحدة كنت قد أنجزت الامتحان، أسابق الريح من أجل الوصول إلى سيارتي الرابضة في ساحة انتظار السيارات في الجامعة.
خلال نصف ساعة كنت في المطار، وكنت محظوظة للغاية إذ كان مقعدي في درجة رجال الأعمال، مما سهل الأمر علي بشكل جيد، فما أن دخلت إلى بهو المطار، حتى وجدت الآنسة في انتظاري، وفي خلال دقائق كنت في السوق الحرة، أتجول من أجل شراء عطر جديد ومكياج، فالتسوق في السوق الحرة لهُ نكهة خاصة ومتميزة وتسعد وأنت تلتقط الأشياء الجميلة والملونة، وتشعر بأن كل العلب الزجاجية والبلاستيكية وحتى ألعاب الأطفال لها رائحة السفر وصابون الطائرات النفاذ.
كان عزيزي قلق علي من الشعور بالوحدة أثناء تنقلاتي من الجامعة وحتى البحرين، وبدا قلقه واضحاً في كل مرة يسألني عن أوراق السفر، عن الامتحان، عن الحقيبة الكبيرة التي حملتها معي، كنت أحاول أن لا أتوقف طويلاً عند خوفه الذي لم يكن يفر من صوته، تابعت إنهاء انكفاء الوقت معي، ترميم كل ما لم يتبدد، تابعت تطلعاتي إلى المؤتمر، وتذكرت طويلاً سكون عزيزي الدمث، الحاوي للحض والتحريض الجميل، وقررت أن أتابع لون بشرته السمراء، أفول اللون إثر التعرض لمزيد من المشاعر والحب، لكافة ما سيأتي لاحقاً، حتى أني شعرت بأني أطوف به متقصية أماكن القلب الخفية. احتفظت بهديته التي أهداني إياها قبيل السفر، علقت سلسلة جان بول غوتيه على صدري، وشعرت بكثير من الزهو، الذي تيقنت من كهنه، وإن لزمني بدرجة ما.
وصلت مطار دبي مشغولة بشكل الفندق، متوهمة الأشكال المستطيلة والمستديرة التي سأراها، وسأتحقق عدد من المرات من تصوير عدستي لها، وسأنشغل طويلاً في تذكر الألوان التي سأحفظها عن ظهر قلب، لم أشعر بأني بحاجة إلى أحد، كنت مشغولة بالتعب الذي لم أتبين ملامحه، لكني أشبه بأن اقتفيت أثره ورحلت معه، فأنا لم أتوقف حتى لكي أتنفس، غمرني التعب فكدت أتحول عن جوهري، ومسني فكدت أشف عن أدق مكنوني الداخلي، وبدأت في قراءة جرائد الصباح التي لم يحسن لي الوقت لقراءتها، فحاولت أن أقرأها باللونج الذي أمضيت به ساعة برفقة سيدة يابانية، تتحدث اللغة الإنجليزية، وتبتسم لي كلما غادرت اللونج لتأتي بصحن آخر من الكعك المحلى أو الشاي الأحمر.
شعرت بالطمأنينة، وأنا أرى جموع المسافرين مختلفي الأجناس والأشكال، التي شاركتني الجلوس في اللونج الخاص بدرجتي الأولى ورجال الأعمال، بدوت متدثرة بفراغ منمنم، مزخرف، تحيط بي صورة قديمة أثرية، لأمرأة تلبس العباءة السوداء، ويظهر حاجبيها بسواد يلفت الأنتباه، متزامناً مع رداءها القديم، الصورة تأخذ مساحة هائلة من مشاعري في تلك اللحظة، ثمة ما يظللني، كل ما يمتد فوقي، إدراك كثيف، مركز، أشبه بجريان المآء من عنق أمي، الصورة وعقد عزيزي الذي يدثرني صوته بصباحات الأيام التي ستأتي، والمكان الذي أود سريعاً أن أقيم معه علاقة مقدسة، يآلهي .. لم أشعر بالتعب سوى في تلك اللحظة التي نهضت بها من عبوري الحافل.
في اللونج سريعاً ما ستكتشف من هم الذين يشاركونك محطتك، تختلف إتجاهاتهم ولكننا نتشابه على الأقرب، نحن جميعاً مشغولون للدرجة التي نحمل بها أمتعتنا وبرفقتنا متاعنا من العمل المضني الذي لم نستطع أن ننجزه في مكاتبنا، طالعت سريعاً لأقرأ الوجوه والملامح، الكلمات التي تندفع بسرعة كبيرة، الوجوه المتعبة تلك التي لا تعرف أصباغ المكياج، وترتدي أجمل الملابس وأبسطها، الكتب التي تعلقنا من أرواحنا، الصور التي لا يمكنها أن تغادر حتى أصواتنا المنهكة بصبر أيوب، وكأننا أمضينا سنوات نتمهل في مطالعتها، نفرّق الحروف لننفرد بكل منها على مهل، ننطقها حرفاً، حرفاً، نسمع الخواء المحدق بها، فكل حرف تزداد معرفتنا وتتجلى كل الغوامض.
حينما وصلت الفندق، كنت أريد أن أجد ذاتي، وحيدة إلا من حقائبي وذاك الذي يحدق بي، يبادلني النظرات، يمشي بقربي أياماً وساعاتٍ يطالعني من إطار لا يحوي شيئاً لكنني أعرف أنها روح عزيزي الذي أعشق. واجهني رجل الاستقبال المصري، الذي كان يرتدي ملابس أشبه بعلاء الدين، حاولت أن أعّجل الوقت، اندفعت بكتابة رسائل نصية إلى عزيزي، أخبره عن الجنة التي سأعيش بها لأيام. تأثرت أن رجل الاستقبال لم يحسن مساعدتي في الوصول إلى أسانسير غرفتي، الفندق كبير وضخم والساعة في يدي تشير إلى أنها الحادية عشر والنصف، متعبة، الظمأ يكاد يقتلني، أريد أن أفرش جسدي في البحر في الماء في حوض السمك الشهير، أريد أن أغادر روحي لثواني لساعات لدقائق، لكنه يعلك الكلمات أمامي ويشير بسرعة إلى الطريق، يمين.. يسار.. على طووول.. الباب التاني لأ.. الباب اللي ح يجي وراه.. ومشيت خوفاً علي من السقوط، أريد أن أتدبر حالي، أريد أن أكتشف المكان، تهت في أسياب الفندق الكبير، تطلعت إلى السقف الكبير، ذلك السقف الذي لا يمكن لك أن تقرر متى ستكون نهايته، أماكن شتى حللت بها، عبرت معظمها، لم أمكث بها إلا الوقت اليسير اللازم لعبورها، أقمت في بعضها مدداً انقضت عني، فارقت أخرى بلا أي أمل في العودة، لكنها أبقت في روحي،بقي منها جزء من طريق أو فضاء، مدخل مؤد، جزء من لوحة كبيرة، لون طلي بها حوض المسبح الضخم، لافتة لمحطة قطار، بقايا ظل، أعمدة برق، لا يعلق منها شيء، لكني هنا في الفندق وأنا ضائعة أصغي طويلاً لعمري، أتوحد معها، ثمة أماكن تبلغها وتشعر بأن قدميك وطأتها منذ قبل، وتتساءل هل أنا في الجنة، وقد فارقت الحياة منذ خمسين عاماً إلا ثلث!
البقية في المقالة الثانية.... :)
20 يونيو, 2009 09:33 م