
تخرج الأصوات من رأسي، من قلبي، من كومة الأوراق التي أحملها في حقيبتي، يخرج صوت جدتي الذي فقدته منذ أربعة عشر عاماً، نحيب جدي حينما غادرت الحياة، صوت الصغير "مساعد" وهو يلتقط الأغنيات من موبايل والدته، ويتأتأ الكلمات لتخرج أغنية أخرى لطفل لم يبلغ سوى عامه الأول والنصف.
الأصوات الجميلة تخرج من حياتنا، من قلوبنا التي تبحث دوماً عن الحب، من البطاقات التي تأتي إلينا، لتبارك لنا بالعيد، وبالعودة من السفر، وبشراء سيارة جديدة، أو تبارك لنا لأعياد ميلادنا، ترسم لنا أشياء لم نكن نملك القدرة على البوح بها، خاصة تلك التي تخرج عن التقليد، لتقول لك، "عيد ميلاد سعيد وكم أتمنى أن تطول كم سانتيمتر حتى لا تفكر بارتداء الكعوب العالية"، أو يكتب لك زميلك في الدراسة " كل عام وأنت وحقيبتك "البرادةُ" بألف خير"، كان بعض الطلبة يطلقون على حقيبتي السوبرماركت أو البرّادة باللهجة البحرينية، لأنها واسعة بعض الشيء، ربما لأنهم لا يتقنون ملاحقة الموضة، وربما لأنهم لم يجدو بي شيئاً يعيبني، فلم يجدوا سوى حقيبتي، وكم ضحكت لهذا التعليق، وابتهجت لأجله!
لكني لازلت حتى الآن أبحث عن تلك الأشياء التي لا تشبه أحد، غير تقليدية حتى في جنونها، وربما لهذا جربت أكثر من مرة أن أغير ضحكتي، أن استبدلها بأكثر من ضحكة، تصبح خارجة من القلب والروح، تنفض جسدي وتبعثر تلك الأرواح لتخرج عن نطاقها اللامعقول، جربت ضحكة ابنة أختي فلم أفلح فقد كانت صغيرة وطائشة، وحاولت أن أضحك كما تضحك أمي، فوجدتها تضحك مثل الورود في حديقة والدها، خجولة جداً وجميلة أكثر من اللازم، وحينما تضحك تخبئها بكفيها الورديتين، وجربت أن أضحك كما يضحك عزيز، فغرقت في البكاء، فالأشياء الجميلة تجعلني حقيبة من سفر البكاء، كما يقول خالد الطوبلي بطل رواية" ذاكرة الجسد"، أن الأشياء الجميلة تلك التي تجعلنا عاجزين عن البحث عن مفردات تلائمها، فتدفعنا دون وعي حقيقي منا إلى البكاء، وهذا الشاب الأسمر الوسيم، ما أن تمر صورته عبر ذاكرتي، حتى تطفر كل الدموع مني، فأنا أشتاق إليه في كل وقت، وأحن إلى وجوده معي في تفاصيل ملحمة حياتي.
حينما أعددت حقيبتي للسفر إلى دبي، من أجل المشاركة في منتدى الإعلام العربي هناك، لاحت لي حياتي، وجدتني أريد أن أضع الأصوات كلها في الحقيبة، بدل القمصان والأحذية والفساتين القصيرة الملونة، أنني لا أحتاج إلى أناقتي، لكني أحتاج لهذه الحياة التي أعيشها أن تكون معي، فاجأني عزيز بهدية جميلة للغاية، لم أطلبها منهُ، لم أتذكر أن في أي من لقاءاتي، طلبت منه هدية بعينها، فقد كنت أشعره على الدوام، أني بحاجة إلى وجوده في حياتي أكثر من أي شيئاً آخر، وأن عليّ أن أغدق روحي بنخيل فضاءه الأزرق، وأعبأ لغتي بماء مفرداته، وأطوق وطنه وأرضه وشوقي لهُ بجنوني حبيُ الكبير. أهداني إكسسواراً عطرياً لا مثيل له، من جان بول غوتييه، أشبه بميدالية دينية، جاءت على شكل جوهرة حقيقية، تضم في قلبها رائحة العطر الشهيرة، عطر غوتييه هو في الأساس عطراً حساساً، يقودني في مرات كثيرة إلى فكرة الإنطلاق للسباحة في الهواء، وجاءتني الهدية، وطوقت بها عنقي بعد أن حضنتها سبعة الآف مرة، وقبلتها خمس وعشرون ألف.. ألف مرة. في الحقيقة أنا لا أعبأ بالوجود، لكني أعبأ بالأشخاص الذين يهبون لهذا الوجود المعني اللازم له!
وحينما قمت بإعداد الحقيبة لوحدي، كنت أبحث عن أصوات جديدة تغمرني، لم أشبع منها، مجنونة أنا بالأشياء الجديدة التي أعد نفسي لها، مجنونة بالأسماء التي أحاول أن أتخيل ملامحهم وأصواتهم، تماماً مثل جيراني في صالة السينما، تأتي الأصوات والهمهمات، فتشغل روحي، وأبدأ في الارتباك ما بين الصورة التي تملأ شاشة السينما، وبين الأصوات التي تلوح لي بهويتها، فأتصور أن كل من حولي يملكون سحراً خاصاً، لا يرتدون البواريك الكثيفة، أو يضعون رموشا اصطناعية، وإنما يحسنون تقدير الجمال، بمسحة من الحب، وبدفقه من الفتنة، لكني الآن، أريد لكل التفاصيل التي في حياتي، أن يصبح لهُ صوتاً فأحمله معي، صوت تلفزيون والدي، دراجة الشاب الهندي الذي يغسل منذ أول شروق الشمس سيارات الحي الذي أقطنه، حلوى "غزل البنات" عند مفرق دوار الجامعة، صوت توفيق الدقن في فيلم قديم، وهو يدافع عن اللصوص باللعب في مسدس يأتي الصوت متأخراً عن طلقة الرصاص، السجادة الحمراء التي وضعت في أول طريق الصالون في البيت، صورة أمي القديمة التي غيرت حياتي، فقد بدت صغيرة بعمر الأربعة عشر ربيعاً، ولم أكن أتخيل كيف تكون ملامحها دون دموعها المالحة، التي أعتدت عليها طيلة حياتي، وهي تبكي فراق أمها، أو فراق أبنائها إما بسبب زواجهم أو بسبب سفرهم إلى الدراسة، أقلام التلوين التي احتفظ بهم منذ أن كنت أدرس في لندن بعمر صورة أمي القديمة، ضجيج أطفال العائلة الذين يفاجئوننا بالزيارة يوم الجمعة، ويهرعون يبحثون عن العلكة الملونة، وأصابع الآيس كريم.

















حتى أتمتع بكل حرف كتب




















22 مايو, 2009 02:12 ص