
ظللت أردف الليل بين أصابع يدي، أتلذذ بمحاولة فهم المطربة الصغيرة، وأتخيل لون بشرتها، وتنورتها القصيرة، وشعرها الأشقر الذي يغطي كامل ظهرها، وهي تردد " قلبي دايم معاكم.. دايماً في هواكم.. ما تغير علي .. رغم طول المسافات.. أترقب لقاءكم.. أو أنتظار هواكم .. أصبّر القلب.. لو هي بضع ساعات.." ، تسكرني وهي تدلل المفردات عبر كلماتها، ينبض قلبي أكثر من اللازم. وحتى تأتي نورا، لتبعدني عن تلك الأوهام التي تغزوني، دللت رأسي بغزوة أخرى، هوت إلى عيني صورة الممثلة الفرنسية أودري تاتو، وهي تمثل دورها التاريخي في فيلم " كوكو آفان شانيل"، لا يغادرني مشهد أودري بفستانها الأصفر والأزرق، تلتقط الصور وهي تحتفل بكونها الأهم، دورها التاريخي، لأن تكون ذات يوم سيدة الصناعة الأولى للموضة.
قررنا أنا ونورا أن نذهب إلى السينما سوية ما أن يعرض الفيلم، أتخذنا قرارات كثيرة، حتى لم نعد نذكرها بعضها، هل نأكل البيتزا قبل الفيلم أم بعد مشاهدته؟ هل نذهب وحدنا، أم ندعو آخرين معنا؟ قررنا أن نحتفل في كل شيء نقوم به، وأن نغير عاداتنا في الأكل، لا أحب الأكل التايلندي، ولم أجرب مذاقه، لكننا قررنا تجربته، وبتنا على وشك التأكيد، لأن نمارس الضحك في كل دقيقة، وأن نشعر بأن الحياة حولنا تتحرك. لكن نورا هذه المرة تركتني طويلاً لكي تحضر القهوة، ربما قررت أن تعلن عن خططنا للعاملين في المقهى، أو لرواده الكثيرون، لكني لا أشعر بالوحدة، فأنا أصيخ السمع لكل الأصوات التي تأتي من قلبي، وعزيز لا يمكنه أن يغادرني، حتى وأنا أقرر أن أكون هذا اليوم، بعيدة عن سماءه الزرقاء جداً، وأنا أفترش الرصيف لوحدي، في انتظار أن تأتي، حيث كان الطقس يشبه كل قلوب الأمهات، اللاتي لم يحظين بحياة مثالية أو رائعة، ولكنهن يشكرن الله طويلاً لأنه أعطاهن الحياة فقط ليس إلا..!!
تتبدل الأغنيات في الشريط القديم، وتأتي مرة أخرى تلك اللعينة حينما كانت تتعلم الغناء، أدرك أن الشريط ذو قيمة لأنه لا يملكه أفراد كثيرون، ولأن الشقراء تركت الفن سريعاً بعد أن هاجرت إلى فرنسا، وليس لأن الجميع كان يأمل أن تكون كياناً عظيماً في المستقبل، ولكن لأن هذه الشقراء البعيدة والتي أصبحت الآن في منتصف الأربعين، كانت تغني لأنها تتعذب في بعثرة الغناء في طقسها المراكشي، لأنها تعشق أن تررد الكلمات وتأتي بلكنتها المشرقية، وهي تعصر قلبي وقلبها وتقول " تصدق وإلا أحلف لك.. عجزت بلساني أوصف لك"، وأنا لا أزال أحاول أن أكون شيئاً آخر في هذا المساء الوحيد.
تأتي نورا لي، تضحك ملئ فمها، سعدت لأنها بدأت تتعلم الحب، تمشط القمر، تكتب الشعر، تعصر الأغاني وترقص على كلماتها، لأنها تشتم رائحة المدن البعيدة والقريبة، ولأننا بدأنا نطبق دروسنا جيداً، خطتنا القادمة بزيارة كافالونيا الجزيرة اليونانية، تقرأ لي شيئاً عن شواطئ كافالونيا، تقص علي ماذا يمكن لنا أن نقوم به، في شاطئ ميرتوس، أو كالو أوروس، تمد يدها بكوب القهوة، لكي نواصل طريقنا في المشي، تقص لي أيامها، وتحاول أن لا تأتي بسيرة عزيزي، حتى لا أعاود النظر إلى شاشة هاتفي النقال، وأمطره بالقبل، لأنه يحوي لي خزينة من حياة عزيزي، تقول: ضحكت اليوم وأنا أقرب الحذاء لقدمي والدي، ضحكت وأنا أكتب لأخي في أستراليا رسالة إلكترونية أخبره فيه أن أمي بخير، رغم أنني لا أتوقع أنها كذلك، ضحكت وأنا أراجع مواد المحاسبة دون شعور غائم بالملل، ضحكت حتى وأنا أحلم باليوم الذي لا يعاني فيه والدي من مرض السكر، الذي جعله لا يستطيع المشي، بكيت البارحة جداً، بينما كنت أقف خلفه مباشرة، كان يتلمس طريقة، وكاد أن يسقط، رغم أن مصابيح البيت كلها كانت مضاءة، شهقت من الألم ودفعت رأسي داخل قميصي وبكيت بشدة، كرهت مرض السكري، وكرهته أكثر لأنه يعذب والدي، لكني اليوم أضحك لأن علي أن أضحك، ولأن علي أن أشكر الله كونه أعطاني والداً رائعاً، لا يمكن للجدران أن تسمع صوته، من فرط رقته وأدبه!
لماذا تريد نورا أن تبكيني، ونحن قررنا أن نعيد صيغة حياتنا، وأن نرتب أيامنا، ومشاهدات السينما، والمشي كل مساء بعد الساعة السابعة، وتناول القهوة، وكتابة النكت التي تحيينا وتمطر الضحكات في قلوبنا، خوفاً منها أن تغادرنا..


















- ولي سؤال عن اسم كتابك المطبوع..لي رغبة باقتناءه 








06 مايو, 2009 04:24 م