
بين الحين والآخر يعلو الصراخ في البيت بين أمي وأبي، الأمر يبدو طبيعياً للغاية، ولكنني لم أعد أحتمل هذا، لم أعد أحتمل أي عراك حتى لو كان بين قطط البيت الثلاث، تخنقني كل العبرات الثائرة، وأنطوي على نفسي، أحاول أن أجد مفرا من تلك الوشوشات التي تملئ غرف البيت، حتى تأتي إلى غرفتي تطرق الباب، فأرفض أن أفتح الباب لها!
منذ ثلاثة أسابيع وحتى اللحظة التي أجلس بها الآن على الصوفا الذهبية، تطرق رأسي أفكاراً موشحة بالكعك والكريمه، لكنها لم تعد تؤرقني لسبب في غاية البساطة، أنني بدأت أجيد صنع الكعك وتزيينه. لم يزل الخلاف العائلي بيني وبين أختي التي تصغرني، وتساءلت أي مجتمع هذا الذي يقتل حتى الأفكار الصغيرة، إذ أنني وجدت أن أختي لا تفكر بطريقة عملية، وإنما تفكر بطريقة غبية للغاية، وبطريقة يمكن أن تزرع ألف قنبلة أمامها وخلفها وبين خاصرة حروفها الملونة، التي تخرج مع صوت نحيبها.
أنها تبكي بكاءً صادرا من قلبها وروحها، لأجل موضوع حولته بسبب الفراغ الكبير الذي تعيشه، إلى قضية أزلية، نحن في مجتمع لا نمتلك فيه أي قضية، لذا قررت الصغيرة أن تجعل من دراستي قضيتها، فوجدت أن هناك مشكلة كبيرة في تنسيق استخدام سائق البيت، الذي عاد واحداً بعد أن كان أثنين، حوّلت مسألة عدم التنظيم إلى ثورة، وحاولت الانقلاب أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت تفشل، لسبب لم تتنبه لهُ، أن القضية لم تكن بحاجة إلى انقلاب، وإنما بحاجة إلى عقل فقط لا غير، ليس أكثر من ذلك!
ومنذ أيام كانت الأفكار تتأرجح في نهاراتي، في طريقي إلى العمل، وفي خروجي منه متجهه إلى الجامعة التي أكمل بها سنتي الأخيرة، صوت أبي وقلق أمي اللامبرر، نحيب أختي، رائحة عرق عامل النظافة الذي لا يتقن عمله، ولعي بكل ما يمت بصلة إلى عزيزي، السيارة الجديدة التي أخاف عليها من أي خدش، المسلسل الذي يجعلني أفكر بنهاية حقيقية لكل بطلاته، هوسي الدائم بالجمال، وبفساتين الأعراس البيضاء، تصرف زميلة الدراسة حورية الخارج عن المألوف، مما دفعني لأن ألغيها دفعه واحده من حياتي، أخي الذي يظن أن بيت العائلة عبارة عن مطبخ فقط ليس إلا، زين التي انتفخ بطنها، وخشيت أن تخبرني، لربما أكلت ما في بطنها، رغم أني أسبقها نجاحاً في كل مجالات الحياة، وحتى علاقتي مع نفسي، الحصالة الوردية التي يمتلئ بطنها بالريالات من كل صباح، صوت لطيفة التونسية وهي تغرد مساءً في سيارتي أثناء عودتي من الجامعة، كل تلك الأشياء التي أمر بها، تشغل رأسي، وتأخذ مساحة لا بأس بها من ترتيب حياتي القادمة. لأجد في النهاية حل لكل الأشياء التي تحتويني، أن كل ما يحدث لي أو للآخرين من حولي، أننا لا نفهم حقوقنا في الحياة جيداً، إننا نعرف جيداً ما علينا أن نقوم به، ما علينا أن نفعله، لكننا لا نعرف ما هي حقوقنا من المجتمع، حقوقنا مع أصدقاءنا، أخوتنا، رئيسنا في العمل، حقوقنا في أنظمة العمل، من الجرائد التي تصلخ حتى صحتنا النفسية والعاطفية، حقوقنا من هؤلاء الذين نشترك معهم في علاقات إنسانية وعاطفية، ونخشى أن نصارحهم بمخاوفنا، أو برغبتنا في إنهاءها كما نشتهي، لأننا نعرف إن بمجرد بوحنا لهم، لربما سيتحول الأمر إلى نتاج مختلف لا يرضينا، رغم أن من حقوقنا الحق في إعلان أهدافنا ورغباتنا حتى وإن كانت لا ترضيهم، فهي حق!
والدي يغضب من أمي في اليوم مرتين على الأقل، وأمي تصالحه مرة، والمرة الأخرى تقول صمتاً دون أن يخرج صوتها، " يشرب من البحر"، لو عرفت أمي أن من حقها أن تطالب بزيادة المصروف، وأن تختار لون الستائر، وأن من حقه أن يكون البيت هادئا ونظيفا، لنجحا في عدم تحولي في مرات كثيرة إلى مجرد قطة تختبئ خلف الصوفا الذهبية وتلعق دموعها المنسابة. ولو عرفت أختي أن من حقوقها أن تعلن عن غضبها، لكن ليس من حقها أن تقرر ماذا نفعل، أو ما لذي يفعله من حولها، لحولت حياتها إلى جنة بدلاً من الهروب من فراغ إلى آخر، والبكاء على أتفه الأسباب.
أما حورية، فتصارع معي من أجل إثبات حقيقة غريبة للغاية، أنها تخبرني أن لدي نظرية غاية في القبح، أنها لا تظن أن الصديق عليه أن يستمع إلى صديقة، إذ أن الصداقة من وجهة نظرها من غير الضروري أن تكون مكلفة ( تقول ذلك: لأنني حينما أغضب من الأشياء المتراكمة، ألجأ في الحديث معها، حورية ليست الوحيدة الملجأ، ولكنها من ضمن جوقة من الصديقات) ولهذا السبب لم تتوارى على تمزيق العلاقة ولثالث مرة، لأجد نفسي أدفعها، لأني عرفتُ حقوقي، أنها ليست مكتوبة ولكنها مرئية. وحينما تنفست الهواء من دون ( زين) أدركت أن من حقي أن أحفظ لسارة كيانها وعنفوانها الشخصي، ومن حق نفسي أن أصونها إذا ما كان هناك من يظن أنه قادر على التنكيل لها، بسبب فارق النجاح الذي صادفني، ولم يأتي النجاح لي عبر البريد السريع، وإنما جاء لأني تعبت طويلاً وقاومت وسهرت وبكيت ودرست وتعلمت، وقبل كل ذاك وذاك، كان قلبي مزرعة ينبت بداخلها كل أشجار المحبة لكل الراغبين في النجاح، ولذا وهبني الله عزيز وجاء معه النجاح الباهر الذي لم أتوقعه!
منذ أيام وأنا أدرس حقوقي، وأحفظها عن ظهر قلب، وأنا أطلب من الجميع، أن يعرفوا حقوقهم، لأننا نعرف جيداً واجباتنا، ولسنا بحاجة إلى تدعيمها، سأكتب كل يوم حقوقي على أختي، على رئيسي في العمل، على ابنة عمي ميسلون التي غشيتني من الضحك، لأنها تحديداً لم تعرف ما حقوق الآخرين في حياتها، ولكنها تعرف جيدا حقوقها!
الحياة .. ليست مجرد ساحة للمعركة، أو ساحة للتنكيل بالذات، ولكنها ساحة للمتعة ولتقدير الآخرين، وتقديرنا لهم!































21 ابريل, 2009 10:15 م