
سألني قبل أن يغادر المكان الذي طلبت منه أن نلتقي، أن كنت سأكون بخير من دون وجوده، أعترف أنني شهقت، ابتلعت دموعي التي يبدو أنه تعودّ عليها، واندفعت بقوة إلى حضنه، وأرخيت رأسي على صدره. هل شاهدت ذلك في فيلم قبل عامين، وتمنيت أن أكون فيه البطلة، ربما.. وربما كل ما حدث كان دون وعي مني. وجدتني أضغط على يده، وأتحول إلى قطة صغيرة تندفع دون هوادة إلى حضنه الكبير. أعرف أنني جذابة حين أكون معه، نقطع تذاكر السينما، ونتبادل العراك في اختيار المقاعد، حتى تتململ البائعة من وجودنا، وتضغط على زرالمقاعد، وهي تلعننا في سرها، وربما تحسدنا على تلك الطاقة الهائلة، من المشاعر التي لا نزال نحملها لبعضنا. يخبرني على الدوام بأنني جذابة، أحياناً ونحن نتسلق المصعد الكهربائي، وأحياناً أمام أشرطة الدي في دي، وأحياناً أخرى وأنا أطلب منه أن يشتري لي ما سكارا، كثيره هي الأوقات التي أجبره على أن يخبرني أنني جذابة، عن الشامة التي تقع فوق شفتي، عن أنفي الذي ما فتئ يخبرني وهو يضحك، أنني أجريت عملية تجميل به، شعري الذي لم يعد طويلاً كما كان، عنقي الذي تكتب فوقه القصائد، يحب أن أجرب الأزياء الضيقة، وأن أتخلص من بناطيل الجينز، وأن أضع الأوشحة الملونة، والجوارب الرقيقة.
يبتسم بطيبة، ويخبرني أنه سيمنحني الفرصة، كي أقرأ نص حياتي دون وجوده، لقد اكتشف هو أيضاً إنني كاليقين معه على الدوام، ويريد أن يتذكر كيف كان شتاء حياته، قبل أن يعرفني منذ عام ونصف العام. وكيف كان يختار عطوره الباردة، لم يكن يحب العطور النفاذة، فقد وجد أن أكثر ما يلائمه، هي تلك العطور الأخاذة الندية، لم يكن يعرف قبل عام ونصف العام، أنه ستكون في حياته امرأة لا تشبه إلا قلبه!
معه أشعر باني أتسلى بأيام لا تعذبني، لكنها تحتل كل حياتي، لم أغادر المكان بعد مغادرته، تحمست لبقية يومي وللشعور بالمتعة، وعدتُ نفسي أن أعود لأقرأ نص حياتي قبل أن يحتلها كلها، دون أن يترك ثغرة واحدة لهواء غيره، حتى لوالدي لم يترك لهُ مساحة، لم أعد أشعر بأن أحداً قادراً على أن يطرق حياتي.. سواه، لم أعد اشعر بأن أحداً يمكن له، أن يتحمل لحظات جنوني الصاخبة، مزاجيتي، خيباتي التي لا أفهمهما، حزني الذي لم يعد له وجوداً، كالماء في كوب من البنفسج، لا أستطيع أن أغمض عيني دون أن يأتي عزيزي قبل الآخرين، حتى أنني أعاود البكاء طويلاً، فقد كانت ثمة أشياء كثيرة تأتي قبله، حياتي الباذخة، المقهى الصغير الذي احلم بامتلاكه، السيارة التي رسمها أبن الجيران وعلقتها على جدران غرفتي، واحلم أن تتحول يوماً إلى حقيقة، ربطات الشعر التي تلفها بضجر ابنة أختي، النحيب الذي يأتي أحياناً من غرفة الخادمات، أصابع قدمي أمي حينما تتورم بسبب السّكري، رائحة الكستناء التي تشغل قلب "زين" على رصيف شارع دمشقي، وبقربهم موقد يعمل على الغاز أو الحطب، "كب كيك" الذي يشبهني، فأعطيه كل الأسماء التي كنت أحب أن تكون لي، حتى أنني أجد أن حياتي عبارة عن " كب كيك" موزعاً على طاولة العرض الزجاجية، وصوت نانسي سيناترا يزرع المكان شجراً من التفاح، "bang bang my baby shot me down "، كيف لهُ أن يسبق أحلامي، كيف يمكن لهُ أن يريق الماء، ويفتت الخبز، ويضع الورد الأبيض على طاولة المقهى، ويصير هو كل هذا الهواء الذي يأتي معه، أحلم طويلاً أن يعرف كيف يقود دراجة نارية، أن يجلسني خلفه، أن يدخل الهواء جلدي وروحي، أصبح أخف، أتخيل أنني أصرخ، لكنني في الحقيقة صامتة جداً، استسلم لمزيج من المتعة والخوف، أغمض عيني وأطير فوق دراجته النارية، التي لا يملكها ولا يعرف كيف يقودها، تحاصر يداي خصره، أقترب منه أشده إلي، أحمي نفسي به، أنتقم من نفسي ومن رغبتي في المغامرة التي لا تموت!
أخبره عبر الهاتف كل شيء، كل ما أعيشه، أطلعه على تفاصيل لقاءاتي في العمل، ومواعيدي في الجامعة، وأفكاري التي لا أخجل من إعلانها، شجاري اليومي مع أختي التي لم تعد تفهم الحياة، سوى أنها ركض مستمر، لا يعرف التوقف، حقيبة وهاتف نقال، وأصبع روج "وردي" لا يريد أن يكبر ويصبح "أحمر". يحب طريقة سردي التفاصيل، وثرثرتي أيضاً، أظنه يحب ثرثرتي، لكنه سيطلب مني أن أتعرف أكثر على نفسي، سيدفعه فضوله إلى أن يشتري لي كتباً كثيرة باللغة الإنجليزية، يطلب مني ان أعرف ما لذي أحتاجه لحياتي في الغد، لكني لا أفكر بالغد، لا أعرف ما لذي سيكون عليه، لكنني متأكدة أن أختي لن تتوقف مطلقاً عن الخروج، والتريض بلا وعي على الكورنيش ذو المساحة الضيقة، وأصبع الروج الذي آمل أن يتغير!!
شيء فيه يمنحني الشعور دوماً بأني " كب كيك"، وبأنني حينما أنظر على المرآة، أجده دائماً بجانبي أكثر تشويقاً وشفافية للحياة التي نعيشها!



































07 ابريل, 2009 10:00 م