
أي فضاء ذاك الذي أريد أن أغادر إليه، دون أن يكون ملوثاً، ودون أن تطرقه قدمي أختي التي لم تعد تحب أحداً، لأنها لا تملك القدرة لأن تحب، لأنها لا تملك دفء المشاعر، لأنها لا ترفق أذنيها وتضعهما تجاه أي قلب، ليأتي الصوت.. بم بم بم، لازلت حتى الآن أعيش، لماذا كل الأشياء التي نتقاسمها، لا تأتينا وحدنا، وإنما تأتي عبر أجساد وأسماء وهويات مختلفة، لماذا الأشياء لا تكون منصوصه لنا وحدنا، تكتب بأسماءنا، لا يمكن لأي من كان أن يتقاسمها معنا، لم تعد الأشياء ملكاً لنا، كل شيء حولنا، قابله للقسمة، للضرب، للألم، للضغينة، حتى أوهامنا، هناك من يشاركنا بها.
واليوم.. آتي متأخرة عن نفسي طويلاً، أعني أنها لا تأتي معي كما ينبغي، أنها تتأخر في المجئ، في الظهور في إثبات الذات، إنها تبعث أحياناً المستحيل لي، حتى هي.. تلوح لي، بأنها لن تكون لي وحدي، وهناك من يتقاسمها معي.
مشاعر غريبة أحتوتني، نحن نتشارك لذة الاكتئاب في الوطن، تتحدث مع الهواء فيخبرك أنه حار حتى في فصل الشتاء، لأنه يعاني طقوساً غريبة، سائق البيت، يعيش أزمة عائلية، ومكتئب من كل شيء، ويحرق صدره بالدخان، ابنة عمي "صافي"، تعاني من تشابه الأيام، والصداع الذي يتكرر معها، والطبيب، يجس نبضها، ويقرص خدها، ليقول لها: ألم تملي بعد من الدلع، لقد كبرتِ..!!
كل شيء يعدو بسرعة أمامي، وأنا الآحق الجميع، أطارد الأحذية الصلبة، وهي تدوس حتى على ظلالها، شيء ما، يقتلني، لا أطيق هذه الأجواء، لأنها بكل بساطة لا يمكن أن تتناسب معي، لا يمكن أن أتحدث مع زميلتي، اسألها عن غيابها، فتمطر في العذاب، وتشرب دموعها، وتحلس كل ما ينزل من أنفها، لتتحدث عن معاناة بليدة وغبية، ولا يمكن أن اصدق أننا حتى الآن، لا زلنا نعاني من عدم النضج العاطفي وحتى العقلي. هل هو "دلع" الطبيب الذي ما أنفك يتشاءم من الذين لا يعرفون كيف لهم أن يعيشوا هنا، في لفحة الشمس ورائحة النخيل التي زرعت في قلوبنا، بعد أن خلعت من الأرض، لتعيش في أرض أخرى!!
إن ما يورقني حقاً، إنني أتقاسم حياتي التي أعشقها وأعبدها، مع مجموعة هائلة تعيش حالة من الأكتئاب المتلازمة معها، ولا تريد أن تغادرها، وربما أسوأ ما يمكن أن يمر عليّ في حياتي، أن تصل هذه الحالة لي، وأنا لا أريدها، ولا أريد أن تسيطر علي، فلو سيطرت فلن أعد أنا كما أريدها، وكما ينبغى لي أن أعيشها. لكن..شيء ما، بدأت في قراءته بتمعن كبير خلال الأيام الماضية، ليس هو ملل ابنة عمي، ولا أوجاع القلوب المحترقة، ولا الأيام التي تتشابه، ولا غدر من حولنا، إنما وجدت نفسي فجأة، أختنق..لم أعد أشعر بالحرية التي كنت أتنفسها من قبل، الم يلاحظ أحدكم أنني وضعت خدمة الموافقة على التعليقات، وكنت أشعر بالملل، وأنا اقرأ التعليقات وأوافق على ما يصلح منها للنشر، إن من يسئ إليّ بالتعليق ليس رجلاً من خارج الفضاء، وإنما هم من ذات الوطن، يعانون من إكتئاب شديد، فيفجروا غضبهم في كتابة تعليقات رديئة، تشبه النبيذ المغشوش، كان محمد شكري يقول: أرجوك غشني في كل شيء، إلا في قارورة نبيذ، أعطني أياها قابلة للشرب، نافذة الصلاحية، حتى لا أموت مخنوقاً..مسموماً، أفضل أن أموت وأنا استمتع بالشرب، لا أن أموت مغشوشاً".
ولأني أعشق الحرية، وأكره القيود وتكبيل الذات، فكنت أشعر بأن حتى مساحة الحرية التي أملكها في مدونتي، قد انتهكت بسبب هؤلاء، وكنت أصيخ السمع لتعليقات من حولي، يسمونها "ضريبة الشهرة"، وأنا لا أطيق الشهرة، ولا استعذبها، وإنما أبحث عن وطن لا يعيش فيه مكتئبون، يقسون على أنفسهم، ويمارسون جلد الذات على الآخرين.
وأدركت لماذا الجميع في وطني يشعرون بالملل والكآبة، لأننا لا نملك حق الحرية، لأننا نخاف أن تطاردنا الخطيئة، ونشتم أمام الناس، ونهان أمام أنفسنا قبل الآخرين، أمس قرأت الخبر الذي تصدر جريدة عكاظ "هيئة الأمر بالمعروف تشد فتاة من شعرها.."، وقع قلبي في قدمي، وتساءلت أي هواء استنشقه ويمر عبر هؤلاء، أي حياة أتقاسمها وهؤلاء يشاركونني بها، وبعد الخبر، احسست أنني أكاد أن اسقط في هوة الأكتئاب، لأننا لا يمكن أن نعيش طيلة حياتنا القصيرة، في ظل مشحون بالخوف من الظلم أو الإهانة، ولا يمكن أن تظل التعليقات للمدونة حبيسة داخل أدراجها، حتى آتي أنا لأحررها، بسبب أناس لا يملكون الحق لما أكتبه، ولا يملكون الحق في قدحي أنا شخصياً، فما أكتبه عني أو عن عزيزي، هو في النهاية مشاركة علنية لمشاعري!
أرجوكم كفوا عن جلدنا، لأنكم مجلودين في حياتكم، نريد أن نعيش في وطن يقرأ الهواء، وينتعش لأجل كأس من النبيذ غير مغشوش!







































29 مارس, 2009 03:12 م