
عرفت أن (لي لي) تتوجع ليس من الحب، ولكن من هؤلاء الذين يحاولون أن يعيشوا داخل صورتها كفنانة وبعد ذلك، لا يعودون يريدون أكثر من ذلك!
في المطعم الذي يقدم الأطعمة الأرمينية، ظللت أنتظر حتى يحين دوري، انطلقت أختي الصغيرة في زوايا المكان الدافئ، تبحث عن معنى حقيقي للصور المعلقة على جدران المقهى الشهير، والذي يقع قريباً من الفندق الذي أسكنه، خيل ليّ أني رأيت الفنانة (لي لي)، برفقة رجل طويل ويربط شعره من الخلف، أمعنت النظر إليها، وودت لو كانت هي، حتى أرتمي في حضنها، وأشرب من رائحتها، وابحث في عينيها عن قصة جديدة، لا يسحب أحداً منها قبلاته الشهية. التفت إليّ السيدة باستغراب، ولمن تكن هي، وخجلت من نفسي، وعدت أتطلع إلى مدير المطعم النحيل، الذي بدا حاداً في مزاجه، حتى أنني قررت في لحظة أن اترك المكان سريعاً، لكن أصوات الهمهمات الطرية التي ملئت المطعم، والأضواء الصفراء والزرقاء، جعلتني أخمن الكثير من القصص التي أزهرت في هذا المكان، لذا قررت أن أنتظر دوري، فهذه هي المرة الأولى التي أجرب فيها مذاقاً لأطباق من المطبخ الأرمني، وخلتها فرصة كي أتباهى أمام ( عزيز )، وأقص عليه تجربتي في تناول الطعام في هذا المطعم الشهير!
بعد فترة انتظار طويلة، جاء الجرسون وطلب منا الجلوس على طاولة صغيرة، لا أعرف كيف استطعت أن أتحمل كل هذا الوقت، لكي أحصل في الأخير على هذه الطاولة، نظرت خلفي، ابحث عن أي لوحة تشيء لي بأي مذاق لحياتي القادمة، إلى شيء يعيد لي سيرتي مع عزيز، وكنت أشعر بحنين جارف إليه خاصة بعد أن استيقظت صباح اليوم، وقد اعتدت على أن اسمع صوته وهو يوقظني عبر الهاتف، في أول أبجدية النهار، تطلعت إلى قائمة الطعام، وقد وضعت الأطعمة وصورها، وضحكت طويلاً، لأنني كنت أريد أن أحفظ كل الأشياء الصغيرة والكبيرة، وقمت حتى بتصوير الكرسي الذي جلست عليه، وقائمة الطعام الضخمة، لكي أريها لعزيز حالما أعود إلى السعودية!
وحتى يصل الطعام، بدأت أختي في الثرثرة، ففي أحاديثها قصص كثيرة جميلة ومسلية ومثيرة، حتى أنني لم أصدق إن من تجلس معي، هي أختي التي تصغرني بأعوام، و رغم سنوات عمرها، فهي تملك كل هذا البريق الهائل للحياة، وكل هذه المخيلة المذهلة، أخبرتها عن الفنانة (لي لي)، وكيف أنني توهمت أنها تلك الآنسة المذهلة، ذات البشرة بلون القشدة، وبدأت أقص لأختي مسيرة جراح (لي لي)، كانت الصغيرة تلعب بالشوكة، وبعد ذلك عوجت فمها وقالت لي: لسن فقط النساء من هن يتألمن، إنما الرجال ايضاً يعرفن مذاق العذابات المالحة، وقصت لي قصة خال صديقتها، الذي خطبت لهُ فتاة من أقرباء العائلة، وكان يعمل (عبدالرحمن) مدرساً، رغم أن أسرته صاحبة ثروة، لكنه أحب مهنة التدريس، لكنه فوجئ أن خطيبته تحتقر مهنته، رغم ذلك لم يستسلم ولم يشعر أن وظيفته ستكون عائقاً في إكمال مسيرة زواجه، أمضى معها أشهر بسيطة، وذات يوم أشارت له وهما في الطريق، إلى بيت كبير وضخم، وقالت هذا البيت هو بيت صديقتي، وقد تلون وجهها واضطربت، ولم يتوقف عند ذلك، حتى أنه لم يتساءل لماذا تغيرت ملامح مشاعل؟ ولماذا صمتت طيلة الوقت، حتى أنه حينما أعادها إلى البيت، لم تجيب على اتصالاته.
أحب عبدالرحمن الشعر لأجلها، فقط كانت شفافة وتعشق الشعر وتستلذ به، حاول أن يعجبها، أن يستحوذ عليها، أن يضيف قطرة طل على قدح حياتها، وظن أنه نجح، حتى أحبها بعمق، أحبها بجنون رجل، يتعلم أبجدية الحب من جديد، وفي يوم اتصلت له لتقول له، أنها حاولت أن تستمر معه، لكنها لم تفلح، وأنها لا تزال تحب الرجل الذي رفضت عائلته السماح له بالزواج منه، وأنها تطلب منه أن يسامحها فلم يكن الأمر بيدها، لم تستطع أن تحبه!
أنكسر قلب عبدالرحمن، أنكسر بنفسج الضباب وتلاشى، ماتت الشمس، والجسور، والنساء، وتذكر أن البيت الذي أشارت إليه لم يكن بيت صديقتها، وإنما كان بيت من أحبت، لم أتأثر هنا، لم يحن الوقت بعد لكي أموت، وأضطجع على ألمي، وإنما حينما أكملت الصغيرة قائلة: لقد أنكسر قلب عبدالرحمن، لم يصدق أنه أصبح طائرًا في قفص الألم، حتى أنه ولفترة طويلة، لم يكن يستطع أن ينام، إلا بين حضني والده وأمه!
وهنا فقط أجهشت في البكاء المرير، حتى انتحبت، ووضعت رأسي بين كتفي، ولم أتوقف عن البكاء، وكأن هناك من سرق مني خزائن الموج التي أحملها دوماً معي، حتى بعد قدوم الجراسين إلينا خائفين، من أن يكون قد حدث أمر ما، لكن أختي والتي أصيبت بالذهول مما حدث ، أخبرتهما وهي تنتفض خوفاً وجزعاً.. إنني بخير، ولم أتوقف عن البكاء، رغم إصرار الصغيرة أن تكمل لي القصة. أرجوكِ سارة أسمعي القصة، أسمعيها حتى النهاية، وكلما تخيلت جسد عبدالرحمن الشاب الطيب، والذي أحب الشعر لأجل خطيبته، الذي كان قلبها مكسوراً في حب رجل آخر، يحشر جسده من شدة ألمه بين والداه، أبكي حتى كتابتي لهذه السطور!
أسمعيني يا سارة.. لقد تغلب على ألمه خلال عام، وتزوج وأنجب صبيين، وحقق نجاحاً مذهلاً في استثمار نقوده في التجارة، لكنه لم يترك التدريس، رغم أن مشاعل كانت تعيب عمله، لكن هذا الجرح قد دفعه إلى الأمام.
لم أكن استطيع أن أسمع صوت أختي، كنت أريد عزيز، أبحث عنه، كي يصنع لي من فضاء المكان أغنية، وسبيل كي أطمئن فيه ..
































10 مارس, 2009 12:48 م