
وحينما أحببته .. لم أتصور كيف كانت حياتي من دونه.. كنت أردد طويلاً أنه رجل عنيد، بل أنه عنيد للغاية، ومزاجي أيضاً، وأحياناً يتحول إلى رجل ضجر، ويفرض أشياء كثيرة عليّ. لكني رغم كل ذلك لم أراه يوماً يتناول الشوربة، وأنا أحب الشوربة، وأحب تلك اللحظة التي أجلس فيها على كرسي المقهى، وأنفخ الملعقة وهي تمتلئ بمرق الدجاج، والمطر يسقط صريعاً خلف الشباك الزجاجي ذو الإطار الخشبي، تماماً كما حدث لي في مدينة " كان "، كنت أتناول قطع البيتزا باللحم والجبن، وكان المطر يعلن وجوده واسمه وقبيلته، اخترنا نحن الصديقات الثلاث، أن نتناول عشاءنا في مطعم قريب من الفندق الذي نزلنا به، لم نحمل معنا مظلاتنا كي تقينا من مشاكسة المطر لنا، دخلنا مسرعات إلى المطعم، وكان الفرّان، يصنع البيتزا أمامنا، وشعرنا بالدفء ما أن خطت أقدامنا المكان، نسيت اسم المطعم، لكنه بجانب فندن المارتنيز الذي سكنا به.
احتوانا الدفء كما لم ندفأ في حياتنا، تشاركنا نحن الصديقات الحديث عن السفر، وعن المدينة، وعن قصصنا القديمة، وضحكنا طويلاً وتمنينا لو أننا شباب وتهورنا وتناولنا كأساً أو كأسينا من النبيذ كما هم من حولنا، لكن ضحكاتنا التي ملئت قلوبنا كانت هي النبيذ، الذي لا نخشى أن نجلد أو نصلب، لأننا تناولن بضع قطرات منه!
بدا لنا لقاءنا الحميمي في المطعم، الذي لم نختاره إلا لأنه الأقرب إلى الفندق، وكان هو الأدفأ إلينا، بعثت لعزيز برسالة قصيرة، قلت لهُ فيها، إنني هنا أجدك معي، تسكن الجاكيت الأسود القصير الذي ارتديه، مع قميص الكاروهات الأحمر والأزرق، بعث يقول لي ..أنني لم أغادر رأسه، وتساءلت لو كان عزيز معي الآن، وطلبت له شوربة ليتناولها معي، والمطر ينهمر في الشارع، يبحث عنا دون أن يبللنا، هل سأسعد أكثر مما أحتاج، فأنا لم أراه يوماً يتناول الشوربة، وأنا أحب كثيراً أن أراه يجلس بهدوء لم يعتاد عليه، وأن يتحدث في كل شيء لا يضايقني، حتى لا أوقفه عن الحديث، ويترك شعره منسدلاً دون أن يخفيه بطاقيته السوداء القطنية!
كان المطعم مثل قلب جدتي، ومثل أصابع كفي أمي، حينما تدخل إليه، لا تفكر في مغادرته، ولكنّ عليك أن تغادره، حتى وإن بدا لك الجرسون سيئاً ولعينا، ولا يهتم بالتدقيق في كتابة طلباتك البسيطة، لو سمحت أكتب لي بيتزا بقلب عزيز، ورائحة بصيرته ورذاذ مشاعره، وآتي بها لي فأنا أكاد أن أهلك من الجوع، هكذا قلت له، لكن الجرسون اللعين لا يريد أن يفهم ما أريد أن أقوله له.
حين قررنا أن نخرج نحن الصديقات الثلاث من المطعم، كان المطر يندفع في الحب لهذه المدينة الساحلية رائعة الجمال، أوقفنا صاحب المطعم وقال لنا: كيف لكم أن تغادرن المكان دون مظلة، أجبنا ونحن نركض بعيداً عنه، أننا نسكنا هنا يا مسيو، وانطلقنا دون توقف ضاحكين، وقد شبكنا أصابع أكفنا حول رؤوسنا، لكي نمنع المطر من أن يقتلنا من الحب، يآآلهي هززت رأسي، فسقط كل شيء من شعري، ماعدا رائحة جنة عزيز، ظلت تلازمني حتى الآن!
لا أتصور أن أحب شاباً عنيداً.. ويذكر عيوبي دائماً دون خجل أو مواربة، لكني الآن لا أتصور كيف يمكن لأي رجل أن يحتل حياتي وقلبي، وحتى عيوبي بدأت أعشقها لأنها تذكرني أن لولا هذه العيوب، لما ظللت معه حتى الآن، فلولا هذه العيوب التي تملئ حياتي، لما تمكن هذه الشاب الأسمر، من أن يسيطر على كل سنتيمتر من حياتي.
يوم الخميس .. احتفى بي هذا الأسمر الجميل، وأجلسني على المقعد الأخضر، وطلب مني أن أمد ساقي إليه، وأن أغمض عيني بحذر، فعلت كل ذلك، وتمنيت أن تطول تلك الدقائق وهو يدفع أصابع قدمي، ويلعب بها ضاحكاً، ومرات يدغدغها كما أشتهي، وأبلع ضحكاتي، وأخرسها بكفي، وأعود فأضع رأسي كالقتيلة دون وعي، يتساقط شعري حول خشب الكرسي، ولكني لا أرفع يدي عن عيني، أريد ليديه أن تداعبا قدمي، وأن يقرر إذا ما كانا يصلحان للسباق معه في الحياة أم لا؟
ألبسني الحذاء الذهبي الذي أحببت، صنعه كريستيان لوبوتان، وأخبرته أنني أعشق الأحذية والصنادل وأني إذا مت، فأنا أتمنى أن أغادر الحياة، وأنا أرتدي حذاءًا فاخراً، دون أن أنزعه، وكنت ذات نهار، أبعثر ساعاتي وأيامي في أحد المدن، وأشرت له إلى الفاترينة التي تعرض أحذية لوبوتان، أعرفها لأنه يضيف دائماً الأحمر إلى بطانتها، وهاهو عزيز يلبسني حياتي الجديدة، رغم أنني أعذبه بجنوني، وهو يعذبني بعقله، وهاهو يمارس معي غواية الرجل، فيسقطني إلى قلبه دون أن أفكر ولو للحظة إلى أن أغادره مهما كلفني عناده الكثير.
أخبره أنني أود أن أصبح ممثلة، فيضحك عليّ طويلاً، وأحياناً ينسى نفسه، فيضحك وكأنه برفقة أحد أصدقائه، ذلك الضحك الذي تجده في صالات السينما، حينما يعرض فيلماً لجيم كاري أو أحمد حلمي ومحمد سعد، ضحك يخرج من كل مكان، فتهتز أجسادهم دفعة واحدة، وتخرج الدموع وكأنك للتو ألقيت عليهم قنبلة مسيلة للدموع، ورغم كل ضحكاته، أخذني مساء هذا الخميس إلى سينما الدانة، وأنا أرتدي الحذاء الذهبي الجديد، وحضرنا فيلماً لويل سميث يدعى "seven pound" وضحك لبكائي في بعض المشاهد، وتناول معي الناتشوس، دللني كما يدلل العشاق حبيباتهم، دللني كما لم أدلل قط في حياتي، شعرت وأنا أسير بحذر في ردهة السينما، إن هذا الرجل الأسمر، يتمنى لو يحملني على ذراعيه، بدا لي وسيماً أكثر مما اعتدت عليه، وأخذني إلى مطعم " Upstairs Downstairs" وهناك حيث كانت الطاولات مكتظة بالنساء والرجال، تخلت المطربة الأربعينية عن خجلها، وذابت وهي تغني للحضور أغاني الجاز الشهيرة، وهي تعبث بشعرها البني وتلوح به، بقميصها الأخضر وبنطالها الأسود، وكان عزيز معي، أعني كنت أنا معه، استمع لقلبه، ولحياته، ولطعم الشوق في عينيه، أنه عنيد، وأنا لم أكن أتخيل أن أعشق رجل عنيد، لكنه نجح أن يجعلني أحب كثيراً فكرة وجوده في حياتي!











مو حنا اللي لازم مسكرة وماركة بعد!





















14 فبراير, 2009 09:39 م