
تبدو أستراليا دائماً بعيدة، لأنها تؤلف فقرتين لقصيدة حب، ولأن شوارعها مسكونة بالصيف والقشدة وصغار الكنغر، وتتحدث بلغة العناق تلك التي لا تفهمها إلا حوريات البحر، إنها تقع في طرف ثوب جدتي، هكذا يقصصن علي بنات عمي اللاتي سافرن إليها ذات صيف، أما قصة طرف ثوب جدتي، فهي حكايا نتبادلها بيننا نحن بنات العم، حينما نريد أن نعّبر عن مدى بعد الأشياء الجميلة عنا، وعزيز لن يكون مطلقاً في طرف ثوب جدتي، وإنما سيكون حبيباً لي حتى ينام القمر، وتكف الأغنيات عن البحث في دواوين الشعر القديم، أما ناصر فأختار أن يعيش في آخر الدنيا، في آخر الحلم، وربما في أوله، ولكننا نوقن أنه في آخره، لأننا نريده أن يبقى، وأن لا يغادر خيمتنا.. وقلوبنا.. وأكوام أشجار أمنياتنا!
منذ أكثر من أسبوع وأنا أترقب مروره، كقوافل البدو التي تعشق العشب والمآء، لكني لم أجد له أثراً، وشيئاً ما حرك مشاعري، أنه أبن قبيلتي، أنه من يجادلني حينما أشعر بوحشة البيت، ووحشة قراءة الجرائد، ووحشة انكسار الضوء في أعماقي، وهاهو يقرر أن يغادرنا دون حتى أن يخبرنا بذلك، يختزل العذاب له وحده، وربما ينتظر منا أن نرى علم أستراليا، يرفرف في تعليقه فننكفئ في السؤال ونلح عليه، حتى يبادرنا بالحقيقة!
لم أرغب إلاّ مرة واحدة في السفر إلى أستراليا، ونسيت متى ؟ ولماذا ؟ ولكني أتذكر أني قررت مرة الرحيل إليها، لأنها ستكون في آخر الدنيا، وكنت أريد أن أختبئ من العالم ومن عائلتي ومن الخوف الذي بدأ يطرق قلبي دون أن أعرف أسبابه. وحينما جئن لي بنات عمي يقصصهن عن مدى سحر سدني، روعني ذلك الجمال، وخشيت أن سافرت إليها لا أتأقلم مع سحرها، سأبكي طيلة نهاري، أما ليلي فسأخلقه لأمر آخر، جمال المدينة البحرية لا يتفجر إلا في النهار، هكذا أقول لعزيز وأنا أحدثه عن سحر مدينة "كان"، صباح يوم السبت الساعة الثانية ظهراً بتوقيت فرنسا.. تررررن تررررن.. يأتي صوته شاهقاً من قلبي ومن أصابع كفي وفمي.. يمطر بي هذا العزيز ويستولي على ذخيرتي وأسلحتي وشقائي المبكر.. وجنوني الذي يطوقني دون أن يطوقه..وأشتهي كل كلمة تخرج من فمه المرسوم كما لم يرسم الله غيره، آآآآآآآآلو.. أيها الفاتن الساحر الشاهق.. أنا في مدينة لم تخلق إلا في صباح السبت.. ولم توجد في جنوب العالم.. إلا لكي أغزوها بقدمي الطريتين.. لتصبح مثل كعكة الست سميرة بلذتها ورائحة القرفة وهي تفوح منها..أنها مثلك يا عزيز.. مدهشة .. لعينة.. لا يمكن لك أن تتخلى عنها بسهولة..!
وسدني أو أي مدينة سيلجأ إليها ناصر، ستكون بذات طعم مدينة "كان"، ليس لأن ناصر سيغزوها، ولكن لأنها ستكون محظوظة بهذا البكاء الليلي الذي سيأتيها، من رجل كبر أكثر من عمره الصغير، وحمل أكثر من قلب، لقد قرأت قبل يومين في جرائد متفرقة، أن هناك عدداً من الناس، يشكون أن هناك من يسرق قلوبهم دون أن يشعروا بذلك، استيقظوا فجأة، ولم يجدوا قلوبهم في مكانها، أعلى الصدر يساراً، فذهبوا إلى مخفر الشرطة وحرروا بلاغات متنوعة وبأحداث وأيام مختلفة، يطالبون فيه سرعة البحث عن سارق القلوب، وضع الضابط المناوب يديه على رأسه، يحاول أن يجد حلاً لبكاء هؤلاء الناس الذين أحتموا به، ولم يجد سوى أن يسجل بلاغاتهم واعترافاتهم، وهو يتساءل كيف أصبحت لديه قضية، توازي كل القضايا التي عمل بها طيلة الخمسة عشر عاماً التي قضاها في سلك الشرطة!!
والآن يسافر ناصر، وريم توشوشني بقلق الأخت المحبة لأخيها، والخائفة على مستقبله والواثقة من خطوات قدميه، وأعلنت لي سراً لم يكتشفه الضابط بعد، أن لناصر أكثر من قلب. هلعت من حديثها، سحبت كل الهواء في الغرفة، شهقت وزفرت، وتصببت عرقاً وخوفاً، أيكون ناصر هو سارق القلوب؟!
محظوظة هي أستراليا، لأننا جميعنا في القبيلة، سنراها أقرب من شاشة اللاب توب التي نكتب عليها أسرارنا، وندون بها أحلامنا العاطفية المتأججة، محظوظة أستراليا لأنها منذ أن يسكنها ناصر، ستكون محطتنا الإرهابية، سنغزوها دون خوف، ودون أن نتعرض لتفتيش أو المساءلة، وسنعمر بها ألف خيمة لألف قبيلة.
قريباً .. ستكون أستراليا هي ملاذنا، ولن يعرف الضابط بأمر ناصر، جميعنا سنكتم الأمر، أنه سارق جميل وبهي، فكيف لنا أن نضع القيود حول معصمه!
















ما توقعت ان مدونتي راح تخلي مزاجي عالي زي كذا 






06 فبراير, 2009 03:34 م