
يأتي علي لزيارتنا في البيت، يجلس مع أمي ويقص عليها مشاهد غريبة، ويتطلع في البحث عن أحذيتي، يحضر لي هدايا غريبة ما أن تصل إلى يدي حتى أنفجر في الضحك، أصبح لدي أعداداً هائلة من الأحذية الصغيرة جداً والمصنعة يدوياً، لا أعرف لماذا يدفع كل هذه المبالغ الطائلة، لأجل تلك الأحذية الصينية والإيطالية والمكسيكية التي يصنعها رجال حرفيون بمهارة وإتقان، يهبني إياها ويتطلع إلى أيامي المقبلة بصبر لا أشغل رأسي به!
يشرب علي القهوة في الغرفة الخارجية التي أقامها أخي الصغير حينما عاد من لندن قبل خمسة أشهر، وأشرف على اختيار الألوان والأثاث وجودة الزجاج، كما أشرف على صناعة البهجة بحيادية ملفتة. أخبرت أخي ذات لحظة لا أتذكرها، فقد كنت مشغولة بتغيير العالم، والرسم بأصابع ابن أختي (نيرّة)، والبحث عن رؤوس صغيرة تفرح باستقلالية أي فكرة، وبأن اليوم سيأتي الذي أستطيع أن أمسك فيه الميكرفون بعناد، لأتحول إلى مغنية تغني أي شيء يعلق بذاكرتها، سأغني عن اللون الأزرق، وعن حذاء المرأة الصينية، وعن رواية لم أقرر إكمالها، سأغني عن الماء في برشلونة، وعن الأرنب في البرتغال، وعن تنورتي حينا كنت في السادسة من عمري، ولن أكون مغنية تقليدية مطلقاً، تغني عن الحب والبكاء والرجال وهم يمارسون إزدواجيتهم مع المرأة، سأشبع الحياة غناءً وسعادة، سأحول نمط الأغاني إلى شيء آخر، كيان مختلف، وسأعمل على تأسيس الأغنية لتعيش بين لحظاتنا، وبين طرف ابتساماتنا. أخبرت أخي إنني أحب أن يكون في بيتنا ملاذ زجاجي، نصنع فيه أكواب حياتنا كلما رغبنا أن تكون لنا أكواب لا علاقة لها بأحد، نملئ المكان بالنباتات الخضراء ونجلعها تتقاسم الهواء معنا دون ضريبة، نضع الكراسي الخشبية بها ونجلس مع بعضنا، أو نقرر أن يكون لكل واحد منا كرسيه الخاص، كما علينا أن نعلق اللوحات الزيتية على الجدران الأسمنتية المطلية بألوان صارخة وصاخبة، ليكون هذا هو عالمنا الذي يحقق معنا معاركنا اليومية، نصنعه دون أن نطلب من الضيوف أن يقول لنا كم جميل ما فعلناه. أحب أخي الفكرة ولم يقرر أن يأخذ مني تفاصيل كثيرة، وكنت أتمنى أن أهبه رأسي، لكي يضع العصافير في هذا الملاذ الزجاجي، ويعطيه جنسيتنا، حتى لا يفكر بمغادرة المكان أبداً، ويكون ضيفاً لنا على الدوام.
قرر أخي أن يدعو علي لكي يختار له كرسي في الغرفة الزجاجية، وحينما اختار الكرسي الذي سيجلس عليه، عرفت أكثر أنه تمنى لي مرة أخرى، أن ينتفخ بطني!
لم يحب علي حياتي لأنها جميلة أكثر من اللازم، ولأني لا أهتم إلا بها، وحتى حينما قررت أن اشتري المطعم الصغير في تلك المدينة الساحلية البعيدة، تأثر كثيراً.. وباح بسر إلى ابن عمي ليقول له: كم أتمنى أن تخسر! قالها دون مراوغة، ودون أن يعي أنني لو كنت امرأة أخرى لكرهته وطردته من الهواء ومن الفلم الوثائقي الذي بذل فيه جهوداً مضنية، لكي يظهر في عشرة مشاهد فقط، ويصر للجميع أن هذه المشاهد هي الجزء الحقيقي الذي لا يعرفه البعض عنها. لكن علي لا يشغلني كثيراً، وقد أدرك هو أنني لا أهتم بأي شيء آخر، وأنني أنطلق في حياتي دون هوادة، وأنني حتى هذه اللحظة لازلت أحتاج إلى القهوة في سريري، ولا تزال أشيائي متناثرة حالما استيقظ، ملابسي على الأرض، سروالي الأخضر القطني الذي أحب يخرج من طرف الدولاب،و باب الخزانة لم يغلق منذ أسبوع وتطل منه أحذيتي الكثيرة، مجفف الشعر والكومبيتر والراديو، وكوب شاي يرقد بجانب جهاز الجوال خاصتي. أعيش حياتي بعيداً عن قلق علي، خاصة بعد أن حقق الفلم نجاحاً كبيراً، وظهر اسمي واضحاً كما كنت أتمنى، أما حمد من فريق الإنتاج فقد أعلن أنه في كل مره يعيد فيها مشاهدة الفلم يتذكر حبيبته وسمية التي سافرت لعامين برفقة والدتها لتتعلم دراسة الإخراج. حسدت وسمية ولم أحسد حمد.
( مجنونة هذه الفتاة أنها مليئة بالذكاء كان يمكن لها أن تصبح مهندسة شهيرة)، هكذا يقول عن وسمية، وكنت أقول له وأنا أرتب مشاهد الفلم، لكنها تريد أن تصبح مخرجة ! دعها تعيش تجربة حياتها في سنها المبكرة، ماهو المكسب إذا استخدمت ذكاءها في أمر لا تحبه ولا تطيقه، دعها تستخدمه لأمر آخر غير ذلك. يبدو كلامي قد أقنع حمد، الذي صافح الساعات الطويلة وتغير الطقس، وأنتج فلماً عظيماً يشبه قلبه.
قرأت عن نجاح الفلم الذي سيشارك في أكثر من مهرجان سينمائي للأفلام القصيرة الشابة، وأنا أتسلى في متحف متروبوليتان للفن في نيويورك، بمشاهدة كتاب يعرض تصاميم شانيل الناطقة كأعمال فنية، خاصة أن مثل هذه الأعمال تعرفني أكثر إلى المصممة الرائدة غبريال شانيل ( كوكو شانيل) ثم إلى المصمم الألماني الذي حافظ على ميراثها ولم يخنه، وإلى أجواء النصف الأول من القرن العشرين، فقد كانت الأزياء تعكس حركة المجتمع وقدرته على قبول الجديد، خصوصاً إذا قدمته امرأة مولعة بالابتكار مثل كوكو. لكن لحظة.. لقد شدني فستان جميل لشانيل، أنه أشبه بفستان لامرأة حامل، مر علي سريعاً في رأسي، وتخيلتني وأنا أرتديه، وعلي قد غلبته السعادة سعيداً لأنه حقق حلمه، أن تكون لي حياتي الأخرى!




























19 نوفمبر, 2009 01:24 ص