
إلى عالية أو من تشبه عالية.. وعدتك في ليلة عرسك أن أهب لابنتي الثانية اسمك، وأنا في انتظار الأولى.. لتأتي هبتك الثانية!!
منذ متى يمكن لي أن أشرب الحليب بارداً؟
نظرت إليها حاولت أن أجذبها نحوي، لتترك عمل البيت للخادمة العشرينية، وتجلس معي، سأشرب الحليب معها، حتى وإن لم أتعود على شربه بارداً، لقد نسيت عالية أنني لم أعد الصغيرة بعمر السادسة، وأنني في ذلك العمر، كنت لعبتها المفضلة، وألعابها الصغار لا يشربون الحليب إلا بارداً. كانت تمشطني وتؤذيني أحياناً وهي تفعل ذلك، تلبسني الحذاء وتعود لتنزعه بقسوة من قدمي، ترص الحزام على خصري وترخيه مرة ومرتين، كانت تظن على الدوام أني لعبتها، لم تتخيل أن هذه الصغيرة ماهي إلا كيان سيكبر معها، ويشاركها بقية أحزانها التي رافقتها، وستحتال معها على الأوقات التي كادت أن تقتلعها من أرضها، وتعيد تنصيبها من جديد، ملكة بلا أب. لماذا تعيقها حكاية وفاة والدها لنصف ساعة وحيداً؟ ( كان أباً مختلفاً.. رائعاً.. وحنوناً.. فلماذا يموت وحيداً؟) هذا ما كانت تقوله على الدوام لنا، حينما نريد من الليل أن يغتالنا بحكاياته الحزينة، وكنت أكره تلك الليالي، أكره حزن عالية الذي يأتي فجأة دون همهمات ونحن ممددين على السطح، وحدي أنا من كنت أزرع البرتقالات والأمل في السماء، بدت سعادتي كنزاً وغنيمة لحيواتي التي ستأتي متنكرة بدهشة فساتين (ستيفان رولان)، الذي فتت الضحك قلبه حينما طلبت منه أن يخيط لي فستان زفاف عرسي الأبيض بلا نقود، فقد تصورت كصغيرة فاتنة أنه سيكتفي بابتسامة واحدة مني تخرج من قلبي، لتكون شيكاً يحوي رصيد ثروتي!
في عمر الثامنة عشر تزوجت عالية، وكنت أنتظر هذه اللحظة بكل أشكال الفضول والمحبة العميقة التي أكنها لها، ليس فقط من أجل الفستان الذي وعدت أن تهديه لي، ولكن لأني كنت لعبتها القديمة، وبدوت شغوفة برؤية لعبتها الجديدة، والذي سيكون شيئاً مختلفاً عني أكبر وأضخم مني، ويملك شارباً وحاجبين كثيفين.
أنتفخ بطن عالية لست مرات، ولكنها أنجبت أربعة أطفال فقط، لم تعش حياة سعيدة هانئة، فيما بدلت أنا حياتي دون توقف ولو لبرهة واحدة من الزمن، رسمت لي فضاءً في ليلة عرسها وسافرت إليه، شققت قلب القمر وسكنت على سطحه، رشوت الماء وصنعت من جذع النخلة خيمة لي، وأصبحت أكثر حرية منها، إذ لم يعد الحزام يضيق على خصري، ولم أعد أرغب في انتعال الأحذية القديمة التي كانت تصر عليّ إنتعالهم، أحببت الحياة جداً، زهدت في الحزن ونسيته، ولم أتعرف عليه إلا في صالونات العزاء التي لم أزرها منذ عامين. نسيت عالية .. خرجت من حياتي، وكأنها لم تعش يوماً في كنف عائلتي، نسيت شكل سيقانها الناعمة، أو حينما تسحب طرحة أم إبراهيم وتهز خصرها الطري ما أن تسمع بنجاحي، نسيت تعبها وهي ترتب لي جدول دروسي، أو انسكاب دموعها وهي توضب لي حقيبة سفري الصيفية، أو تلك الليلة التي كدت أفقد بها حياتي بعد أن شربت الماء مخلوطاً بمواد التنظيف، عرفت أنها بقيت أمام شباك غرفتي تسمع أغنيات أم كلثوم وقلبها يلوح بالوجع والبكاء، كما نسيت اللحظات البهية حينما تخبئ لي الكعك الذي تصنعه جارتنا البلجيكية، نسيت كل شيء يتعلق بعالية، حتى لون عينيها وبشرتها البيضاء، وصوتها العميق، فقد كانت تشبه كثيراً أسمهان بكبريائها المعتق القديم، وإن لم يكن لعالية أية مطالب أو جنون مندفع إلى حياة مختلفة، حتى بعد أن تناهي لي أنها لا تشعر بالسعادة في حياتها مع زوجها توفيق نسيتها تماماً، سقطت من أجندة حياتي، ولم أسقط من حياتها يوماً.
اليوم قررت أن أزور عالية في بيتها الأنيق والذي يقع قريباً من البحر، وما أن خطوت بقدمي حتى تمنيت أن يكون هذا البيت ملكاً لي، ولكن عالية التي فقدت الكثير من حياتها، لم تعد تشعر بأني ملكاً لها، وضعت لي الحليب وتركتني تنظف الشبابيك ولم تنظر لي.
لقد نسيت عالية.. ولم تغفر لي ذلك النسيان، فتركتني أمام كوب الحليب البارد، أفكر طويلاً لماذا لم تفهم توفيق أو تحبه، سمعت من أم إبراهيم أن عالية كانت تعيش غراماً خفياً لم تبوح به لأحد، ولكنها وافقت على الزواج من توفيق، حتى لا تموت وحيدة كما فعل والدها، ولأنها شعرت بالخوف أن نغضب يوماً منها ولن نعد نحبها إذا ما جئ لها بإيشارب آخر من والدي!!





















06 اكتوبر, 2009 03:38 ص