خرجت من الغرفة وتركتني وحيدة، حركت قدمي ونظرت إلى الجدار الذي كان يحمل صورتي وأنا في عمر العاشرة، بالكاد تعرفت على هيئتي، أي حياة تغادرني لا أحب أن أعود إليها، أي وطن أتركه لا أفكر فيه طويلاً، حتى حينما غيرت مكان عملي، لم أفكر حتى الآن بزيارة زملائي الذين يتذكروني طويلاً، لكني لا أتذكرهم طويلاً، لا أحب هذا الميراث الدائم من الذكريات والأحلام وحتى الخيبات، قبل أيام تحدثت مع صديقتي التي تذكرت سريعاً خيبتها الأولى، وما أن أشرعت في الحديث حتى تمنيت أن أوقفها عن هذا المطر العاصف، بعد 45 دقيقة قلت لها بهدوء غريب أثارني مثل قهوة الأكسبريسو، ناديا كان هذا ماضياً فلا تعودي لتذكريه.. وإن كان أسوأ ماضي يمكن لك أن تتذكريه.. ألغيه من حياتك!
عمري عشرة أعوام، أرتدي فستاناً يميل إلى اللون الأصفر، مزموماً من الأمام، به ورود بيضاء وأخرى حمراء، تبدو مثل غمازة ابنة أختي الصغيرة، ويلتف حول خصري حزاماً من ذات الفستان، بدت بشرتي سمراء، لكني شعرت وقتها وأنا بين تلك الوجوه التي رافقتني في الصورة، أن روحي شريدة، وان الفوضى التي في شعري، لم تأتي نتيجة عراك مع أحد الصبية، وإنما لأني لم ألقي بالاً لأكون بمثل ترتيب الفتيات اللاتي كن معي، ربما كنت خائفة من شيء ما، خجلة لأني لم أكن برفقة عائلتي، أخبرتني أمي أنها لم تجد فتاة في مثل شقاوتي، وكنت أحمل كرتون البيض وأركض به، وأعد كم بيضة ستكسر في كل مرة أركض بها من الصالة حتى المطبخ. أخبرتني بقصص كثيرة عن شقاوتي، ولكنها نسيت أنها أحياناً تبدو وكأنها لا تعرفني، وإنها تنساني أحياناً دون تعمّد، لقد نسيت مرة أن تذكرني حينما جاءت طبيبة الحي، لتسأل عن عدد سكان البيت، وعن الأمراض التي أصبنا بها. حينما عدتُ من المدرسة، ضحكت أمي طويلاً ما أن رأتني، أخبرتني بعفوية دافئة أنها نسيت أن تذكرني لدى طبيبة الحيّ، كم بدا الموقف مؤلماً بالنسبة لي، وتساءلت طوال ذلك اليوم، متى سأكبر حتى لا أتألم حينما ينساني من حولي، ولكنّ الشيء الذي لم تعرفه أمي عني، أنني كنت فعلياً فتاة خجلة جداً، وإن هذه الصورة تثبت ذلك، فقد كانت ابتسامتي "فقيرة"، وربما كانت جيوبي أيضاً كذلك، فيما كانت الوجوه التي حولي، متنزهاً من حقل الحب والسعادة الطرية، حتى بدت أسنانهم مشرقة وناضجة بالحياة!
وأنا.. أين كانت حياتي حينما التقطت لي تلك الصورة الربيعية، ولماذا الخالة بهاء تحتفظ بها، وتعلقها في غرفة جلوسها. دخلت علي بصينية فضية بها فنجانين من القهوة، طالعتني وانشغلت وهي تحدثني بوضع الصينية على الطاولة الخشبية، وإشعال سيجارتها، هل تتذكرين هذه الصورة؟ هززت رأسي بلا، يبدو أنها لم تكن تنتظر مني أي إجابة، تأكدت أنها لم تسمعني، لهذا أكملت لتقول: نادر زوجي التقطها لك .. وكان يراك أجمل فتاة، وأخبرني أن لحياتك وقلبك مستقبلاً ومسيرة من النجاح!
أعدت النظر إلى الصورة، تذكرت الأستاذ نادر حينما جئت إلى سوسن لأذاكر معها، وكان هو في زيارة إلى والدها، وقد تعود أن تكون كاميرته السوداء الكبيرة معه، وكنت أعشق كما هم الصغار، ضوء الفلاش.. تك.. تك..أضحك ستكون أجمل وأنت تضحك.. أنظر يمين.. ارفع راسك.. حسناً أنت مشرق كما زهر الياسمين..وهكذا التقط صورتي التي لم أراها إلا بعد العشرات من السنين، سافر الأستاذ عماد مع الخالة بهاء إلى أمريكا، لم أكن اصّدق أنه سعودياً، ليس لأن اسمه نادر، وليس لأنه لا يرتدي الثوب السعودي إلا صباح العيد كما أذكر، ولكن لأسباب كثيرة، كنت أتمنى أن يكون الأستاذ نادر هو والدي، لأنه شديد الطيبة، ولأنه عذب ورقيق، ولأنه لم يرزق بأبناء، ولأنه توفي وهو في أمريكا، ذلك البلد الذي هام به عشقاً وحباً، ووجد بتلك الأرض معجزته، ولكنه ايضاً أحب كثيراً أن يقضي العيد في القرية، حيث كنا نذهب إليها ونبارك للناس بالعيد ويباركوا لنا بزيارتنا نحن أهل المدينة إلى القرية!
في الخامسة عشر، أخبرت الجميع أنني حينما أتزوج سأنجب طفلاً واسميه نادر، آو أي اسم يختاره الأستاذ، رحل الأستاذ وبقيت الخالة الجميلة الثرية بهاء، وأنا اليوم آتي لزيارتها، والخجل القديم الذي كان مختبئاً في الصورة يعود من جديد.
جلست أمام الخالة الجميلة، وهي ترتدي تنورتها البيضاء، وأخمن كم سيجارة ستدخنها وهي تجلس أمامي، غرفة جلوسها رائعة ودافئة، وأحلم أن تكون أحد غرف بيتنا بمثل جمالها. تفاجئني وأنا أتناول القهوة التي لا أحب كثيراً أن اشربها، وأفضل الماء عليها، سارة.. تحبين يا صغيرة؟ وهل يحبك هو ايضاً؟
يالله يا خالة لماذا هذا السؤال، هكذا أحدث نفسي، لا أريد ان أتحدث عن تاريخ مشاعري، حتى لا تعودي تؤرخيها كم الصورة التي لم أراها إلا بعد حبل من السنين، أطرقت رأسي وقلت لها: أظنه كذلك .. يحبني كما أحبه! مزت شفتيها وقالت وهي تداعب شعري، أظنه..الست واثقة..؟
بلى.. أحبه جداً.. ويحبني ربما "جداً".. لكني لا أهتم بجداً.. لأنني أكتفي بحبه..!
أخذتني في حضنها، وقالت وهي تشتم رائحة الأستاذ نادر رحمه الله، كبرتِ يا سارة.. كبرت وأصبحت تفلسفين مشاعرك، كما كنت أفعل أنا ذلك حينما كنت في عمرك!
خالتي بهاء.. شكراً لوجودك في حياتي.. وأريد أن أكبر أكثر، وأتخلص من خجلي منك، ومن كل ما يحتويك، وآتي إلى بيتك، أتناول معك شرب السجائر، والحديث عن الحب والطفولة والشعر القديم!








.. عندما كنت طفلة و مراهقة كنت أبكي بحرقة و أكره الدنيا كافة عندما أشعر أنها لا تهتم لأمري .. أما الآن فقد جفت دموعي عن ذلك الموضوع ...هي من أجبرتني على ذلك يا سارة ...

























30 يناير, 2009 11:58 ص