إلى عبدالعزيز وذكرى اليومين الماضيين.. وبكائي عصراً في مقهى الأصدقاء.. ماكتبته مجرد قصة.. وربما سيف الذي رأيته في ذلك المساء.. كان هو أنت.. لكن بثوبٍ آخر..
أحب كثيراً مشاهدة فيلم "في بيتنا رجل"..
ربما لأن عمر الشريف كان صغيراً ووسيماً، ولم يكن يشبه أحد، أعني لم أجد أحداً يسكن ذات ملامحه، وربما لأن زبيدة ثروت تشبه صديقتي، للحد الذي حينما التقطت لها صورة، لم اكتب أسم منار تحتها وإنما كتبت نصاً" صورتي مع زبيدة ثروت في عيد ميلاد مهجة 21 يناير 2008م". حينما أراها لا أتذكر أنها صديقتي، وإنما أتساءل إذا ماكانت هي الفنانة الرقيقة، ولكنها أنتقلت كفراشة صيفية لحياة أخرى، ووطن آخر، ومنار لا يسعدها أبداً مثل هذا التشبيهة، وتتمنى لو أنني شبهتها مثلاً بأنجلينا جولي أو سينيا ميلر، حتى تطير من الفرحة!
عنوان الفيلم مثيراً جداً، يثيرني أنا تحديداً، كلما خرجت من تجربة حياة فاشلة، ولم تتوافر لها اي ركن أو زاوية نجاح، أتأمل طويلاً مشاهدة الفيلم، وتأتي كل الصورة دفعة كالمطر على قلبي ورأسي وربما حتى على أطراف أصابعي، كم حسدت إحسان عبدالقدوس ليس فقط على عبقريته الفذة، وإنما لقدرته الكبيرة في اختيار عناوين رواياته وقصصه القصيرة، وكثيراً ما تمنيت بعد أن اتممت قراءة روايته، أن أكون زبيدة كما هي في الفيلم، ربما لأنها بكاءة مثلي تماماً..
منذ سنوات لم يكن في بيتنا رجل سوى والدي..
وكان بقية أخوتي يقطنون كعادتهم في بيوتهم، لذا فأنا كثيراً ما كنت أشتهي أن يكون في بيتنا رجل، وليس فقط أب..حتى تعرفت إليه، لماذا يكون التعارف السريع شيقاً ولذيذاً، كطعم المعكرونة بالصلصة، التي تصنعها أمي لنا في أغلب كل مساءاتنا، حتى إنه إذا مر بنا مساء دون وجود معكرونتها الحمراء، شعرنا بالخيبة، وكأننا فقدنا شيئاً من يومياتنا، تقصص أختي الصغيرة، القصص الكثيرة عن المعكرونة التي تجيد أمي طبخها، وأنا بدوري أقصص حكايا أختي للدكتورخالد، الذي درسني المسرح قبل عام، وخذلته حينما نسيت المسرح، لكني لم أستطع ان انسى هذا الرجل، الذي صنع مني كيان خاص مجنون، ولا يمكن له أن يبقي كما هو!
حينما التقيته الذي حتى الآن لا اعرف كيف لي أن اكتب أسمه، هل اكتبه كما هو، أم علي أن أخترع من تلك الأسماء التي تنهمر على رأسي، ما أن اجلس في غرفتي الترابية، ابحث عن بطل يستطيع أن يضحكني حتى الصباح.
ما أن التقيت بسيف، حتى تمنيت أن يكون معنا في بيتنا، يشاركنا حياتنا، كرجل، كصديق، كحبيب، كأن يكون أي شيء، وأن يلعب أي دور يريد أن يقوم به، لكن أن يكون معنا، كما نريده أن يكون، ويشاركنا كل حكاياتنا، التي لا نمل من بعثرة الحديث عنها، وحتى أن يشاركنا غلبنا بالمعكرونة، التي أصبحت جزءاً هاماً من هويتنا..
خرجت من الجامعة، لأجد منال برفقة ابن عمها، الذي جاء ليقلها في ذلك المساء، حتى تحضر معه الحفل، الذي قامت به زوجة عمها، من أجل فرحتها بأبنتها لميس، صحبتنا أحاديثنا حتى نهاية البوابة الرئيسية للجامعة، كان المساء لذيذا، ورائحة النخيل تعبأ في صدري، وتلج بها، وعمر الشريف بقميصه الأبيض، وبمبادئه التي تحاصره حتى في مشاعره، وبالشفاه الدقيقة، التي تجعلني ارتجف، كلما نظرت إلى عيني زبيدة ثروت، لتكن هي في تلك الليلة ثروتي المنهوبة، لم تخبرني منال أن ابن عمها ينتظرها، حتى تفاجئت بوجوده، ولم يتفاجأ هو بوجودي، اليس ذلك غريباً، يآلهي يبدو لي كذلك.. تحية سريعة ولم تجد حتى منال الوقت لكي تقول اسمي كاملاً، حتى وجدت سيف يأخذها إلى سيارته الجميلة، وينطلق سريعاً بها، كأنه يريد أن يغادرني بلا عودة، أو حتى أمل بالعودة!
وبقيت أنا..
أفكر بالسيارة الجديدة، وبالكعب الذي لم استطع ان امارس من خلاله أنوثتي وأنا أمشي به، فقد كان قاسياً، وما حدث في هذا المساء وأمام بوابة الجامعة، والفتيات يغادرن حولي ولا أكاد أن افهم من ثرثرتهن شيئاً، سوى تباعد السيارة من أمام ناظري، ولمبات الطريق وهي تومض وتختفي فجأة أمامي!
لماذا فجأة نشعر بالأنتماء لاشخاص لربما نراهم لمرة واحدة، ولن نعد نراهم مرة أخرى..
لماذا نشعر فجأة بأن هناك رجلاً واحداً يمكنه أن يسكننا ونرفض أن يغادرنا إلى حيث لا نريد، مالذي يحدث فجأة ويصبح شخص لم نلقه إلا منذ أيام، هو أكسجين حياتنا، ولا نتخيل الحياة بدونه؟ كيف كنا نعيش قبل أن نلتقيه؟ ثم أصبحنا فجأة نموت حين يغيب! أيه كيمياء تلك التي تعبث بنا؟ أين تقع تلك الجينات التي تنتظر شخصاً، لا نعرفه من قبل ليصبح أهم ما في داخلنا، هل يعني أن كل الذي بداخلنا، كان بدون أي قمية! كان تافهاً ليأتي غريب ما، ويؤكد لنا هذه الحقيقة، وهل سيف كان واحداً منهم، لم أرى سوى دشداشته وعينيه الواسعتين، لم الحظ شيئاً آخر، غير أنه غادرني سريعاً، قبل أن اتفحص ما هو أهم من ذلك، إذا ما كنت استطيع أن أبني معه ثروتي القادمة أم لا؟
في تلك الليلة شعرت بأني لا اريد أن أعود إلى البيت، إذ أنني لن أجد به رجلاً مثل عمر الشريف، وإنما سأجد به أباً فقط، وأنا أحتاج لرجل، أحتاج إلى من يقاسمني حياتي، وأن يجلس معي عند ركبتي، وهو يستمع إلى قصص أختي الصغيرة، وأن يقرأ معها ما تدونه كل يوم عن النكت، التي تخترعها أو تلك التي تسمعها، من مدرستها القريبة من بيتنا، دفترها صغير وجميل يشبهها كثيراً، وأشتهي كثيراً حينما أراها تعدو في صالون البيت الواسع، تحمله بين صدرها، لا تفارقه تغرس فيه حياتها القادمة، وقصصها الكثيرة التي أتمنى أن تكون لي مثلما تكون لها، ولكن سيف يبدو غريباً، جاء سريعاً.. وسكن في رأسي طويلاً..
ظللت في سيارتي لعشر دقائق، ظل سائقي يدخن وهو يجلس متكئاً على الكراسي الأسمنيته، حتى أطلب منه ان يأتي ويسوقني إلى حياتي الأخرى، فجأة رن هاتفي الخلوي، كانت منال تتحدث بصوت عال، يبدو ان النافذة مشرعة فأنا لا أكاد ان أسمع صوتها، مافهمته، أن سيف طلب منها أن آتي معهما إلى الحفل، أخبرتني أنه لم يعرف أنني سعودية، وأنها اخبرته أنني سارة صديقتها، التي أشاركها دراسة الأعلام، وقد شعر بالخجل ويريدني أن احضر حفل العشاء، صوت منال يأتي من كل مكان، لم يكن فقط يأتي من الهاتف الصغير الذي أضعه عبر أذني، لا أعرف سيف وإن بدت ملامحه جميله، للحد الذي لا يمكن أن اجد من يشبه تماماً كما هو عمر الشريف، لم أسمع صوته كما يجب، ولكني أظن أني شممت رائحة عطره، كانت بلا شك فواحه ورائعة، وسكنتني، سيف سرق قلبي في 30 ثانية فقط، أتذكر هذه الثلاثين، وأنا أسجن قلبي بين ذراعي فيلم " في بيتنا رجل"..
جاء الصوت مرة أخرى..
- ها سارة نجي نمرك أنا وسيف..؟!
الليل جميل في البحرين.. المساحة الهائلة للجامعة في مدينة عيسى تسع كل مشاعري، وسيف سرقني بقوة، وأنا أريد رجلاً في قلبي، ورجلاً في بيتنا، لأكذب وأقول، أريده أن يتسامر مع والدي مساءً، وأن ينصت إلى شكوى أمي من السكر والضغط ورائحة سائقها الشخصي، وأن يضحك ملئ قلبه على قصص الصغيرة، ودفترها الوردي الذي تدون فيها تاريخ قبيلتي، وأن يتشارك معنا همومنا ونحن نجبر على أكل المعكرونة بالصلصة الحمراء تقريباً كل يوم، نأكلها ونحن نتذمر، نأكلها ونحن نبكي، نأكلها ونحن نشتاق لها، نأكلها ونحن نشتهي كل حيواتنا القادمة، نأكلها ونحن نريد رجلاً آخراً في البيت، نضحك ونتسامر معه، ونقصص كل قصصنا التي خبأنها حتى يأتي رجلاً آخر، يطرق باب بيتنا الكبير وإن كان خطئاً، لنقول له..
المعكرونة في إنتظارنا..
تنفست من بطني .. واستجمعت قوتي التي أحتاجها حينما يأتي الوقت لها، لأقول لمنال..
- شكراً لك.. أمي تنتظرني على العشاء .. فلقد صنعت لنا هذه المرة داوود باشا..





























30 اغسطس, 2008 04:16 م