السيدة سعاد لا تخشى على قلبها..؟
هكذا قالت سلمى بسرعة غريبة..
قلت لها: ومن يكون قلبها يا سلمى؟
لا اعرف لماذا تنتابني لحظات خاطفة من الغباء المعبأ بالثلج..
تنفست سلمى على الهاتف وقالت بضجر طفولي:
أنه الأستاذ فلاح.. الذي عاكسني وطرق قلبي بكلماته البندقية..
صمتت وتساءلت بخفة تشبه غزل البنات:
هل تظنين أن أصابع يدي تشبه الكيت كات..
قلت لها وفمي يمتلئ بضحكات والدي حينما تخبره أختي الصغيرة بآخر نكته قرأتها، صغيرة البيت منذ أن كانت في الخامسة ونكتها لا تتجاوز الفيلة والنمل، وما أن كبرت بعض الشيء، حتى أصبح لديها قاموسها الشخصي من النكت، فالأفيال كبرت وأصبحت كائنات ثرية، تمتلك اصواتاً وخيالات وزوجات وحبيبات وضحايا!
لا يمكن أن أنسى سلمى، لا يمكن أن يغيب عن رأسي مكالمتها لي، لا يمكن أن أتذكر عيد ميلادي، دون أن أتذكر أنها كانت ترتجف من البرد، وهي تغني لي عبر الهاتف .. "هابي بيرث دي.. يا أحلى قمر.." بكيت على الهاتف، وصرت أردد معها.. " أنا قمر..أنا.. أنا" أما هي فأبقت على مزاجها العلني في الغناء لي عبر الهاتف الخلوي، وصرت أسحب دموعي إلى فمي، وأبلعها، هل أنا قمر، لا .. لا يا سلمى أنتِ القمر، أنتِ القمر.
سلمى التي لا تزال هوائي الذي أتنفس به، تقص عليّ في مكالمتها، عن أقدام النساء وهي لا تخشى الكعب المدبب، المطر الذي سقط دون أن يفرح به الآخرون كما نفعل نحن، الجاكيت الأزرق الذي حشر به الرجل العجوز جسده، المرأة ذات الشعر الحليق وهي تضع ملمع شفاه مثير، الشاب الصغير صاحب الجيتار، الذي احتضن حبيبته في كم قميصه، وباتت سلمى تتلوع من فرط وحدتها، يالله.. كيف لي أن أنسى تلك الليلة الممطرة، كيف لي أن اهرب من تفاصيل حياتها، التي تصرعني لشدة تفاؤلها بكل ما هو قادم، حزنها الشفيف لفقدانها جدتها، ماتت السيدة صفية وسلمى تدلك قدميها، وكانت توشوش لها ضاحكة " جده.. يا جده .. سمعتي آخر نكتة؟!"، ماتت الجدة قبل أن تسمع نكتة سلمى التي تصر دائماً على أنها " آخر نكتة"!!
تغيرت سلمى بعد وفاة جدتها، وأصبحت بحاجة إلى الحب أكثر من ذي قبل، إلى أن يخترع لها أحداً ما قلباً آخر، اذكر جيداً تلك المرة التي قررنا فيها أن نمارس المشي في حديقة واسعة وفسيحة، قريبة من مكان عملنا الذي نتشارك في العمل فيه، في منتصف الطريق، كانت سلمى تضحك، أو ربما كانت تحاول أن تخلق لها قناعاً آخر، لا تتسلى بقص ألمها على أحد، كما أفعل أنا، وإنما كانت تتجاوز كل ذلك، بأن تتذكر كل تلك الحيوات الجميلة التي عبرت رأسها، إنها تتذكر جيداً جدتها السيدة صفية، وهي تضحك أو حينما تغني أغنياتها القديمة، تتذكر جدتها وهي تلعق ملعقة الطعام حينما تلتصق ببقايا الزبادي بالتوت الذي تحبه، إنها تتذكر بياض راحة قدميها، رائحة شعرها، الياسمين الذي كانت تزرعه في حديقة البيت، ملابسها الجديدة التي عادت من عند الخياطة، وتتساءل ماذا لو لبستها، ستصبح صفيتي كالقمر. يآلهي يا سلمى.. أنت القمر.. وحدك لا أحداً آخر، فجأة توقفت عن المشي.. ووضعت يدها على قلبي، وقالت: قلبك يدق بقوة بم .. بم.. ودمعت عيناها وهي تقول: ولكن قلبي لا يدق يا سارة. بسرعة حركت يدي تجاه قلبها، ولم يكن يدق لم يكن يقول بم بم بم.. وإنما كان يقول شيئاً آخر!!
الصيف حار وحانق، والشمس ملتهبة، لكني لم أتوقف عن فكرتي، فبدأت أجر قدمي، رغم أني توجعت طيلة الصباح من انتقالي من مكان لآخر، كان عليّ أن أنجز تحقيقات مهمة، وتلك المشاوير لا تحتمل وجود سيارة، لهذا استندت على قدمي، ذهبت إلى محل الورد القريب من مكان عملي مشياً على الأقدام، أخبرني البائع وهو ينفض غبار الملل من حديثه، أن الورد سيتأخر إلى ما بعد الظهر، اختنقت تعباً وخشيت أن انشغل، ولا أجد الوقت كي اشتري الورد، وأفاجأ عزيز به، خرجت لأتناول غدائي في مطعم بسيط وملئ بالعمال، وفي السيارة كانت أغنية هيفاء تشتعل في السيارة، " ما تقولشي لحد أنك تعرفني.." وضحكت على كلمات الأغنية، وتذكرت عزيز وعيد ميلاده، وبدأت أنا ومن رافقتني إلى الغداء، نعيد كلمات تلك الأغنية، وقلبينا يشتعلان بالضحك.. " أصلي أنت بجد حبك مجنون دا اللي مخوفني وبتجري علي أول ما تشوفني"..
وصلت إلى محل الورد، ابتعت لعزيز ورداً أحمراً مثل قلب سلمى، وبعثته له مع العامل الذي لم يستطع أن يغادر ملله، حتى وهو يتسلم تلك الباقة الزاهية. وأنا الهث من الركض، في طريقي إلى مكتبي، وصلتني رسالة من عزيز عبر هاتفي الخلوي يقول لي فيها " شكراً جداً على الورد"، خنقتني دموعي، سقط قلبي، لجمتني بعثرة الحب وخيمة الأنبياء، ورحمة نخلة مريم، قاومت السقوط فجأة، وتمنيت لو أني أغرق في دموعي، لتتحدث عني، لقد عجز أن يرفع سماعة هاتفه ليقول لي شكراً، واكتفى برسالة لا طعم لها، لا تشبه سلمى التي حدثتني في تلك الليلة الممطرة، وهي تصف لي الشارع والأضواء والمدينة .. الرجال والنساء.. السيارات السريعة.. والكلمات البطيئة وقهوة الشاي وكعكة الفروالة..
عزيز " ما تقولشي لحد أنك بتعرفني.."!!!!









































08 يوليو, 2008 08:29 م