
إلى سارة السعيد.. أقرأيني ولا تهربي من القبيلة
إلى روان.. عودي لقلبي وقلبك بالسلامة
إلى نايف السايس.. ما كتبته مجاملة لتلك الأيام
إلى غادة بدوي.. أتمنى ان تكوني بخير فلك لغة خاصة في حياتي
هل من الممكن أن تشعر بمشاعر مضطربة دفعة واحدة، أعني هل من الممكن أن تشعر أن هناك من أطلق الرصاص عليك دون أن يقصد، ودون أن يعني العبث برأسك ولو لبرهة، وبعدها يعتذر لك فلم يكن يعني أن يطلق الرصاص على قلبك أو حتى رأسك.
هذا ما شعرت به ونايف السايس يجلس قبالتي، يضع ساقاً فوق ساق، يتحدث بكثير من العفوية، دون أن يرتب أفكاره التي جاءت مبعثرة، يرتدي قميصاً برتقالياً، وتعلن نظراته عن سحراً غريب يشبه سحر نساء هاواي حينما يرقصن في احتفال اليوم الشعبي. لعب معي نايف لعبة صغيرة، وكان السؤال الذي لم أعرف الإجابة عليه، ما أجمل ما في الرياض؟ لا أعلم.. وابتسمت، فأجابني وهو يلعق كلماته كقطعة شهية من آيس كريم مثلج، المطار، حرك رأسه تجاه النافذة التي تقع خلف ظهري مباشرة، ورفع يده وقال: رائحة المطر تصرعني.. حينما أسافر لا أفكر بالعودة بالشكل المطلق!
الأشياء تأتي غير مرتبة، كلمات ابنة أختي الصغيرة، تسامر رأسي، وهي تعيدها لي ألف مرة، لكني لا أفهمها، وها هو ذات الشيء لا أفهمه مع نايف، أنه يغامر بقلب تاريخي الآتي والماضي، وهو يتشارك معي لغة أفهمها سريعاً، ودون الحاجة لأن أتناول قاموس تعليمي كيف افهم ما يقوله.
في ذلك المقهى الذي أطلقت عليه إحدى الصديقات " مقهى الأصدقاء"، لم يكن هذا اسمه، ولكنها في كل مرة تدخل فيها إلى المقهى، يأتي لنجمة شعور عميق، بأنه لا يمكن أن يلتقي في هذا المكان سوى الأصدقاء فقط. اسم المقهى غريب بعض الشئ، واحتجت عدة مرات متتالية، كي استطيع أن استوعب اسمه، لكني وجدت بعد لقاءي بنايف أن الاسم لا بأس به، إذ انه بالفعل يحوي هذا المعنى، معنى يقربك حتى للآخرين الذين تلتقي بهم لأول مرة. في المقهى الذي تتعدد به الشاشات التلفزيونية، وكراسي الخيزران التي لا تعرف الراحة عليها، وأنت تسند ظهرك، أخبرني ضاحكاً مرة وهو يدخل إلى المقهى في ذلك المساء الأثنيني، وقد كنت انتظر مجيئه برفقة أحد الأصدقاء المشتركين، إنه استطاع أن يحصل على احد كتب عبدالله القصيمي، قالها بفرح يغمره كماء الزهر، كنت استطيع أن اشتم رائحة البهجة في صوته، الذي نسيت تفاصيله الآن، نظرت إليه وأنا يعذبني الجمال كما يقول خالد الطوبلي في ذاكرة الجسد، كنت أشرب شاياً، غرست بداخله أعشاب النعناع، أدرت رأسي الذي كان مشغولاً بمراقبة فنانة مهمشة، ترقص وتغني وتعيد ترتيب كلمات غبية، أضحك طويلاً حينما أتذكرها.
قلت له وأنا اخفي دهشتي المبكرة تجاهه..
- هل تقرأ لعبدالله القصيمي؟
أجابني وابتسامة كطعم الثلج تغرس فوق أسنانه..
- نعم أقرأ له..؟
اختصر نايف أشياء كثيرة في مشاعري، ليس لأنه يقرأ للقصيمي، ولكني قبل أشهر، حينما كنت في لندن، اقضي فترة مرضي بها، كنت اكتب روايتي التي أخاف من نشرها الآن، كان أحد أهم أبطال روايتي اسمه "بندر القصيمي"، والمضحك في الأمر، إن لقاء بندر بسارة البطلة، كان بسبب اسم البطل، فسألته إذا ما كان له صلة قرابة بالقصيمي الكاتب الشهير، فقال لها لا.. ولكن يشرفني أن تكون هناك صلة قرابة بيني وبينه!
أذكر تحديداً إن ماجد أحد الأصدقاء، حينما قرأ هذا الفصل، أحب بندر بشكل مطلق للغاية، ربما لأني وضعت في بندر كل ما أحلم به من صفات للرجل القادم في حياتي، تقول لي صديقتي سارة التي تعمل معي، إن أحلامي مثالية للغاية، وعلي أن انقص من هذه المثالية، شهقت، كم كرهت المثالية منذ أن تعرفت على ساري، وسعدت كثيراً حينما انتهت صداقتي به، فقد كان يبذل كل طاقته كي أتغير، لم يفهم ساري أن يقبلني كما أنا، بكل مشاكلي وكل جمالي الخاص، الذي لم يحسن أن يتلمسه في سارة كما يجب، أو كما يصح لأي صديق، غادة كانت تكره ما يفعله ساري معي، وكنت اغرق في الألم الصباحي، وخاصة حينما افتح عيني، أنظر إلى رأسي وقدمي الصغيرتين، ورموشي عيني، وأقول بصوت عالي، لا يمكن لأحد أن يغير سارة، مهما أراد البعض أن يفعله معي، كانت غادة تناصرني في الدفاع عن شخصيتي التي تجد أنها رائعة، وهل أجدها أنا كذلك؟ هذا ما كان يهمني، واليوم وأنا انقر أصابعي النحيلة على الكيبورد، أشعر بأني سعيدة بنفسي، وسعيدة بكل عيوبي التي لن يراها من يحبني من قلبه، وسعيدة لأني لست مثالية، ولأني اخطأ مثلما تخطأ والدتي، حينما تبكي والدتها وتكثر من وضع الملح في الطعام.
حينما عدت إلى البيت، كان نايف يملئ رأسي، وكان بندر بطل قصتي، يظهر لي كلما فتحت شاشة الكمبيوتر، أثنيهما ينتميان إلى ذات الفكر، إلى تلك الهوية، إلى ذلك الشعور بالرغبة العميقة في فهم الحياة، ربما هذا ما استطعت أن أتلمسه في رأس نايف، الذي كان عليه أن يغادر إلى الرياض حيث يعيش.
حدثت ابنة عمي صافي، حاولت أن اكتم كل التفاصيل عن السايس، ما لذي يمكن أن أقوله لصافي، وكيف ستتفهم ذلك الشعور الغريب الذي صادفني، وكيف استطيع أن أقول لها، إن أصعب ما يمكن أن تواجهه في حياتك، أن تجد رأسك مشغولة بشخص ما، دون أن تستطيع أن تقول له ذلك، أو أنك تجد إن ما ستقوله لن يغير من ذلك شيء، لن يضيف ولن يزيد من الفاصلة وجوهر الكلمة، أو حتى من المعنى.
سافر نايف إلى الرياض، دون أن اشكره على تلك الساعات الجميلة، التي قضيتها معه في المقهى، ودون أن أقول له إن بطل روايتي التي أخشى على نفسي من ظهورها، اسمه "بندر القصيمي"، وأنه يلتقي معه في ربحة الهواء!
جاءت جريدة الحياة بسيرتي..



































10 مايو, 2008 11:37 ص