
أعرف أن الجميع سيقول ها هي سارة قد عادت أخيراً.. اليوم غير كل تلك الأيام التي مضت.. أشعر بأني افتقدت القبيلة.. وافتقدت الكتابة.. والجنون.. والحب.. و.. وهذا هو النص الذي كتبته وقلبي يغرق في الألق!
" لو فيه كثير عيون. تسأل تقول أيش لوون
قوول الهوى مجنون.. بحر وصعب مرساه
لا تشتكي وتلوم .. عمر الحزن ما يدوم
والعمر فيه كم يوم.. حتى نعيشه بآه.."
أغنية لعبدالله رويشد.. لها ذكرى باريسية في تاريخي، فقد غنيتها أمام المطرب نفسه في الشانزليزية..
كان موجعاً بالنسبة لي، أن اضطر للقاء ابن عمي في مطار البحرين، وليس في بيتنا، أو في الخيمة التي يمتلكها عمي الآخر، وحينما قمت بتصويرها له، طلب مني أن أكون في الخيمة في ذلك المكان القصي تحديداً، فقد تذكر جدي رحمه اللهً، وعرفت أن قلبه يبكي..
قرر أن يحط في البحرين لعدد من الساعات، وبعدها سينطلق إلى وجهته التي يقصدها.
كان موجعاً لي أن أستمع إلى الأغنية التي تكرر الإذاعة بثها، أغنية قديمة بصوت مطربة جديدة تظهر دوماً ساقيها القصيرتين، حينما تغني للتلفزيون، أحببت الأغنية التي تقول " يا مسافر وحدك.. وسايبني.. ليه تبعد عني.. وتهجرني"، وكان عبد الوهاب ينطق الجيم بطريقة رنانة، أما المطربة ذات الساقين البضين، فأحسنت نطق الجيم، وحينها تلوع قلبي، نسيت فستان المطربة القصير، والترتر الذي يملئ جفنيها، فأخذتني سريعاً إلى صوتها الساكن.
ولكني هذه المرة أشعر بالحنق على قلبي، وعلى الطريق، وعلى رجل الأمن الذي ظل لعشر دقائق يتفحص صورة سائقي، وظللت أنا أعلك الوقت مع ملك على الهاتف، تعرفت على ملك قبل أشهر قليلة، ولم أشعر بالملل منها، خلت إنني سأنفضها من تاريخي، كعادة كل الذين باتوا يدخلوا حياتي من جديد، هل كبرت..؟ هكذا اسأل نفسي بأرق الصغار، كلما بدأت أمّل من رفقة الصديقات، لا أريد أن أشبه والدي، الذي حرر نفسه من أصدقائه قبل أعوام، ورفض أن يعود إليهم، فدخل في صومعه خلقها لنفسه، وملك تخبرني بقصة طفلها هابي.. وطفلها هذا ما هو إلا قطها، أخبرتني يوماً أنه وفي عز ألمها، فكرت بفكرة مجنونة جداً أن تتزوج قطها هابي!
ربما لهذا لم أمل حتى الآن من وجود ملك في حياتي.. ليس لأنني قررت أن أتزوج قطي، ولكن لأني أفكر احياناً بأبعد من هابي.
بدأت أتحاشى النظر إلى عيني رجل الأمن، وهززت رأسي حينما طلب مني أن أقف على جانب الطريق، حتى يحل معضلة جواز السائق، أكملت حواري مع ملك التي سترافقني حتى المطار، أحتاج لمظلتها التي تحملها دوماً معها، أريد أن أضع رأسي داخلها وأنا التقي بابن عمي، الذي لا يرغب بزيارة وطنه، ويفضل أن يسافر بذراعيه إلى كل مطارات العالم، أني أحتاج ملك، لأني لن أستطيع أن أقف مع ابن عمي دون أن أضع رأسي على صدره، منذ أسبوعين وأنا انتقل من ألم إلى ألم، لا يفهم عزيز رغبتي في الحزن، ولا يفهم إنني أحمل في قلبي شعلة الأغنية القديمة، التي كانت ترقص عليها أختي الكبرى نيرة في صيف أسباني، كانت نيرة فتاة مراهقة ولعينة، وكنت أحلم دوماً بأن اكبر لأكون مثلها، جميلة وتملك شعر يميل إلى الأشقر يغطي ظهرها، أما أنا فصاحبة شعر أسود، هي ذات وجه دائري، وأنا أملك وجه صغير لا يكبر أبداً، كانت نيرة التي أحبت في حياتها كل مراهق عاكسها، تغني على الدوام تلك الأغنية، التي ما أن أسمعها حتى يغشى على قلبي لفحة من السكر " يا ستي يا ختيارة.. يا زينة كل الحارة .. حبيبي ياللي بحبوا ناطرني بالسيارة"..لا افهم لماذا لا أكون مثل نيرة وجنونها الذي لا يقاوم، إنني أفتقد ذلك الجنون منذ أن حصلت على وظيفتي الجديدة، شعرت وقتها بأني كبرت، الآن فهمت لماذا كنت دوماً أهرب من فكرة العمل إلى الدراسةً، لم أجد احد يعمل وأحتفظ بجنونه كله، وها أنذا اسقط سريعاً كجدة أختي نيرة الختيارة، ولم أعرف كيف لي أن أعاود المشي كما عهدت نفسي، هل كانت المشكلة في سارة، أم في العمل، أم في تلك الأجواء التي ظننتها ستكون ساحرة، ووجدتني أحبو على قدمي حينما كسرت دون أن اعلم، كل ذلك وعزيز يطلب مني أن أكبر، أن لا أشكو ضعفي، وأن لا أبكي، فالبكاء للصغار، صرت أهرب من حضن عزيز، إلى جدران حمام مكتبي، كلما عجزت عن العمل، أطلق روحي وانشغل في البكاء، وحينما يرن هاتفي النقال، وأجد صورة عزيز تخرج لي عبر الشاشة، أمسح دموعي بسرعة، بل واشربها أحياناً، أدفق المآء في شراييني، وأتحول إلى وطن لا يعرف البكاء، كل ذلك وعزيز لا يعرف!
تركني رجل الأمن أمضي بعد أن تأكد من صحة المعلومات، وكنت قد أنهيت حزني مبكراً مع ملك التي لم تتركني أعيش الدراما التي تكرهها صديقتي زين بي، حتى الآن لا أعرف إذا ما كانت زين تحبني أم لا؟ أعرف أنها تكره لون بشرتي لأنها تحلم أن تحصل مثلها، فبشرة زين مثل قطن المشفى، ذلك الذي نضعه تحت أضراسنا كي يقف الدم، ما يمكنني أن أقوله عن زين إنها سريعة التلوث، ربما أكون قاسية في تعبيري المجازي عنها، ولكن حينما عادت من رحلتها مع زوجها، التقتني في مطعم أنا من قام بأختياره، لأتناول معها حياتي التي لا تريد أن تعترف أنها أكثر إثارة من كل حيواتها التي عاشتها، سألتني إذا ما كنت أشعر بالغيرة من زواجها؟ لم يقتلني سؤالها، ولكني تمنيت أن يكون ابن عمي برفقتي، كي أدنو منه أكثر وأدخل في قميصه وأبكي، ولن يطلب مني أن اكبر، أو أن أحرص على وجعي، أو أن أتحول إلى جنون نيرة التي أحب حياتها، وحينما التقى بصديقة تشبهها، أخبرها أنه جن بها، لأنها تذكره بابنة عمه التي أصبحت سيدة تغدو في أول الأربعين.
زين تأتي في أحاديثي، وعزيز لا يعرف ماذا تعني لي هذه الصديقة، وربما حتى أنا لا أعرف إذا ما فكرت يوماً أن أغار من أي شيء تملكه، أو حتى تملكه الأخريات، أغضب حينما يشعرني أحد بطعم الغيرة، حينما يضعني في موقف أجبر فيه على أن أغار، أشعر بالضآلة والحنق على نفسي، بالضعف أكثر، حينما أدرك أن هناك من يستطيع أن يملك قراراً، وأنا لا أملك صنع قرار، لكني لا أغار من جسد أو لون أو حتى زوج!
ملك.. لا تزال تنتظرني حتى تشاركني لعبة الاختباء في ذاكرة أبن عمي..
للقصة بقية..









)



































26 ابريل, 2008 03:03 ص