
وكنت في أشد حالات تعبي، مرهقة وضجرة، وأحتاج لأن أشم رائحة أمي كي اهدأ، توقعت أن امضي الوقت في الطائرة، في قراءة كتاب قديم حملته معي، أو مشاهدة أحد الأفلام السينمائية التي تعرض على شاشة الطائرة، ولكن ما أن ربطت الحزام وشددته برفق، حتى اكتشفت أنني سأغادر إلى النوم خلال خمس دقائق لا أكثر، رفعت رأسي حتى أضع كأس العصير على الصينية التي حملتها المضيفة، فلمحتها وهي متجهة إلى الحمام، عرفتها سريعاً، هذه المرأة المذهلة التي صرعت صديق والدي اللندني، وهام حباً وعشقاً بها، أتذكر قصتهما معاً، رغم أنهما كان في عمر الأربعين، إلا أن قصتهما بدت مثيرة بالنسبة لي، والآن وبالرغم من كل هذه السنوات، لازلت أستطع تذكرها، بل وأنا متأكدة من ذلك!
فككت الحزام، واشتعلت الرغبة في داخلي لأن أنظر إليها مرة أخرى، اصبحت الأن في منتصف الخمسين، جدة من أبنها الوحيد الذي أنجبته من تجربة زواجها الثانية، هكذا تناهى إلى سمعي قبل عام أو ربما عامين، ما يثيرني في قصة السيدة الخمسينية، هي أنها كانت أمرأة حرة بكل ما يمكن للكلمة أن تحتويها، أعرف أنها تزوجت الشاعر الشهير، حينما كانت في الثامنة عشر من عمرها، وكان هو شاعر وفارس متخن بجراح وطنه، أما هي فكانت بألف وطن، وألف صدفة وبحر، وترغب في أن تكون مغنية راب احياناً، وممثلة في أحايين أخرى، جميلة جداً، كما رأيت صورها في بيت السيد عمر اللندني، أحد صورها باللون الأبيض والأسود، تغمر الريح غمازتيها، شعرها الطويل منسدل حتى يصل إلى بطنها، تضع ساقاً على ساق، وتمضغ ابتسامة عذبة على فمها السكران، وقدميها الحريرتين، لازلت أتذكر البنطال الشارلستون الذي كانت ترتديه، والقميص ذو الأكمام الطويلة، الأزارير المفتوحة حتى يظهر خط صدرها، الذي لم يكن كبيراً أو مثيراً، بل بدا بريئاً لمراهقة لعينة، تهوى النقش على مشارف العيون الزرقاء الحزينة!
أحبها السيد عمر وجن بعشقها، حتى أنني كنت رغم عمري الصغير، ألمح آثار قدميها على قلبه، منذ أن ظهرت في المجتمع الفرنسي، كوجه عربي جميل يعشق الحرية، سقط صريعاً في حبها.
تركها زوجها الشاعر، وشعرت هي بالألم لذلك، لم يخبرني بذلك صديق والدي، لكنني كنت قد شاهدت لها حواراً لندنياً مع كوثر البشراوي في اواخر التسعينات، سألتها في إفتتاح أحد المعارض الفنية، وكان وقتها نزار قباني حاضراً برفقتها، لم يغب هذا الحوار عن ذاكرتي..
سألتها كوثر..
أتذكرين زوجك الشاعر؟
أجابتها..
وهل يمكنني أن أنسى .. لقد خرق ذاكرتي وقلبي؟
أصطادت كوثر الكلمة وقالت لها..
وهل كان رصاصة..؟!
زاغت نظرتها إليها، وردت عليها بتهدج في صوتها..
كان أكثر من ذلك.. كان وطن يحترق!
ولماذا انفصلتما..؟
كان بلا وطن.. وكنت أنا أرفل في حقول ألف وطن.. و أتخير في مطارات العالم أي من الجوازات التي أحملها يمكنها أن تسهل أمري.. أما هو فكان يحترق كالأشجار في غابة بولونيا.. وهو يشير إلى جوازه ويقول لموظف الجوازات الأبيض..حزيناً وبائساً ومهزوماً.. وطني لا يظهر في جهازك اللعين.. ولكنه وطني يظهر في كل قصائدي!
وأنفصلنا..
بسبب جواز سفر؟
لا بسبب وطن..!
وهل يمكن أن يغيب ذلك الحوار البرتقالي عن ذاكرتي، أني أتذكرها مثل البراري الصحراوية، أحبها جداً، حتى وإن صافحتها لمرة أو مرتين أو لثلاث مرات، مهوسة بها، ما أن أراها في الشوارع التي أقصدها في لندن، محاطة دوماً بأحد رجال حياتها، إلا وأشتهي أن أكون مثلها، محاطة برجل يحبني وأحبه، رغم جمالها الموجع كسل أفريقي، كانت لا تحب أن تستثمر وقتها في علاقات كثيرة ومتعددة، أحبت طيلة حياتها الثرية، أن تستريح على ذراع رجل واحد، حتى يتركها أو يزهد بها، فلم تكن تزهد رجالها مطلقاً!
ظهرت في فيلم واحد فقط، حينما بلغت الواحد والعشرين عاماً، في فيلم فرنسي من إنتاج عربي مشترك، علاقات اهلها كبيرة وواسعة، واستطاعت أن تكوّن علاقة جميلة مع الممثل الشهير ألن ديون، أحبها ديون، وشاركها في مشهد صغير، وبعد فيلم واحد، قررت أن تهجر التمثيل، فلم تجد نفسها قادرة على حفظ المشاهد التي يطلب منها، فقد كانت تنام في البلاتوهات، وتطلب من خادمتها أن تفرك أصابع قدميها على الدوام، وتبكي حينما يصرخ المخرج في وجهها، وتأن من ثقل المكياج على وجهها الشامخ، لم تستطع هذه الجميلة ايضاً، أن تستثمر وقتها في مهنة لا يمكن أن تقدم فيها نفسها كما يجب، فتركتها بلا عودة. على أغلفة مجلات كثيرة نشرت صورها، يآلهي كنت قد سبق وأن رأيت غلافين لها، تبرق فيهما كالصباح المفتول برائحة الخبز، وحليب الأمهات الصغيرات، لم تكن قط جميلة، أنها متوحشة الجمال، لا يمكن لي انسى مفرق شعرها، أو حتى عنق رقبتها الرائع، وتلك السلسلة التي تتدلى دوماً عليه!
خرجت من الحمام، ورفعت رأسي، أتلصص عليها، بدت سيدة جميلة نوعا ما، يبدو أن الوقت قد غدر بها، ترتدي فستاناً هفهافاً داكن الزرقة، وتربط الحزام حول خصرها، لم ترفع رأسها، وجلست على كرسيها، سمعتها وهي تحاول أن تتحدث مع حفيدها قبل أن تقلع الطائرة بنا، لتقول له بلغة إنجليزية كالرعد الأشقر، وهي تمزجها بلهجة سيدة فرنسية تعلك اللغة رغم عربيتها، "حبيبي.. عليك أن تسمع كلام مربيتك.. والآن سأغلق جهازي الخليوي.. حتى لا تسقط بنا الطائرة ولن تستطع بعدها أن تأتي إلى حضني.!"
وقفت عند أسم الصبي الصغير الذي كانت تحدثه، أنه على أسم الشاعر زوجها الذي طلقها بسبب وطن!

































23 ابريل, 2008 04:21 م