أشعر بالبرد كلما سمعت صوتها، لماذا أعتبرها مهمة إلى هذا الحد؟ لماذا تلعثمت وأنا أخبرها حكايات الصور الفوتوغرافية المعلقة على الحائط الذي يتكئ عليه مكتبي؟ أشعر بأنني لا أقدّر نفسي كلما سمعتها تتكلم بحماسة عن نفسها. قبلت أن أجلس أمامها في الكرسي الأبيض المريح، أستطيع أن اجلس فيه ساعات دون أن أحس بالوقت، يكفيني صوتها الغليظ الخشن، لأطمئن إلى الشمس المتسللة إلينا من الواجهة الزجاجية العريضة، المغطاة بستائر سكرية شفافة. ما زلت أخاف منها رغم لقاءاتنا المتكررة وابتساماتها، التي لا تخفت، والتي تثير وجهي قبل أن تضئ عينيها، معها أحس بأنني ضعيفة، وبأنني تخليت عن شغفي بالسينما لأجل قصصها.
شعرها الأسود الباهت، لا يتلاءم مع هدوء ألوان غرفة الجلوس، أو مع حاضر ممثلة سابقة تمضي معظم وقتها في البيت. ولولا زوجها الثري لكانت الآن دون بيت، ورغبة في تذكر القصص وسردها، والعودة إلى ذكريات عملها في المسرح والتلفزيون والسينما.
حين تتكلم تعود إليّ الأفلام كلها التي سجنت نفسي فيها، منذ اصطحبتني أخي الأكبر معه إلى إحدى دور السينما، حينما كانت أمي مشغولة عن بكائي بمرضها، كانت القاعة المزينة بالمخمل الأحمر واسعة وكبيرة، ورائحة الأفلام يمكنك أن تشتمها حتى من الحارس الذي يستلم التذاكر من يدك، استمتعنا بالفيلم وبالأصوات، أخي وأنا، بالفيلم الفرنسي، الذي لا أنساه، وظللنا نتكلم عنه أياماً.
في الكرسي الأبيض جلست في المشهد الأول. أصوات محركات الطائرات تشوه جمال السكون في الغرفة الواسعة التي أتمنى لو كانت غرفتي. لكنها ليست غرفتي، أحس بذلك، خفت خلال ثوانِ قبل أن اعرف أين أنا وما الذي أفعله في هذا الكرسي. أحس براحة غريبة، كأنني في هذا الكرسي، وجدت ما أبحث عنه منذ مراهقتي، كأنني تصالحت مع جسدي، وكأنه يكافئني على مشهد من حلم أعجبه.
في المشهد الأول دخل المخرج البريطاني، الذي أقرأ عنه في المجلات، والذي لا يحب هوليوود كثيراً، وطلب مني أن أنضم إلى فريق فيلمه الجديد. لكنني لم أتحرك، كيف أترك الكرسي لأرحب بالمخرج، أو لأودعه الوداع الذي يليق به؟ بدا لي وجهه مطاطياً، حاولت أن أمد يدي لألمس وجهه، لكنه وقف بعيداً هنالك حيث يظهر ضوء خفيف ويختفي. أستطيع أن أصفعه إذا أردت، فأنا في مشهد من حلم أمتلكه، أستطيع على الأقل أن امتلك حلمي.
عزيز لا تعجبه أحلامي، حتى أحلامي لا تعجبه، قبل أن أقع في حبه كانت تضحكه أخباري الغريبة وأحلامي، التي أرى نفسي فيها متنكرة في زي وحش مخيف، أو امرأة من كوكب آخر أو فخورة بشعري، الذي يتحول أسود مجعداً كشعر صديقتي غادة، صاحبة الكرسي الأبيض، والممثلة السابقة والكاتبة السابقة والشاعرة أحياناً والمنتجة أحياناً أخرى والتي تطمح إلى العمل السياسي.
كيف أفهم غادة؟ أفضل أن لا أفهمها. عزيز لم يعد يرتاح لهوسي بها وأنا لا أستطيع أن أمنع نفسي من تلبية دعواتها. لابد أنها في مرحلة "جفاف إبداعي"، أقول لنفسي مستخدمة كلماتها التي تنجح دائماً في أن تبهرني. كلمات غادة معقدة ومحترمة ولا تحمل معنى واضحاً، وما الذي تريده غادة من امرأة حالمة وشقية مثلي؟ لابد أنها باتت تعرف الآن أنني اكتفيت من ولعي بالسينما بمشاهدة الأفلام.
في مشهد المطعم، كنت آكل المكرونة بالصلصة البيضاء، التي لا أحبها، وبالفطر. وكنت خائفة من أن يكون وجهي ملطخاً بالصلصة البيضاء المائل لونها إلى لون القشدة. " يجب أن تري الأمور والأِشياء كما هي"، قال عزيز دون أن أراه أمامي أو إلى جانبي أو في زاوية من زوايا المطعم الذي شغلت وحدي إحدى طاولاته. وكيف أعيش بلا أحلامي وتخيّلاتي؟ كيف أواجه أنني لا أستطيع أن اكون مثل النجوم الهوليوديين الذين يبدأون من الصفر ويصلون إلى القمة. وأنا هنا ولأنني من هنا. غادة اكتفت بتصفيق جمهور أحد المهرجانات العالمية لها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، صفقوا لزيّها فقط، لكنهم صفقوا، وأنا كسولة وحالمة، فلما لا أعيش في أحلامي؟ ولم لا أستمع إلى غادة وهي تخبرني عما وصلت إليه وما حققته، عن أوهام يمكن تصديقها لأنها تنتمي إلى زمن مختلف، إلى زمن الأحلام الجماعية وربما الثورات على الواقع؟ أما الآن، فالأوهام لا يسمح بها والواقع لا يمكن فهمه.










كم انا سعيدة هاذا الصباح عندما تحل مفاجاءه ان سارهتكتب جديدا





























05 ابريل, 2008 12:14 ص