من يوميات امرأة أعتادت الهزيمة..
أسمي نادرة .. لكني كثيراً ما تساءلت في طفولتي، إذا ما كان أسمي يليق بي أم لا؟ هل أنا أسم على مسمى، وهل أنا بالفعل شخصية نادرة، أم أنه تم اختيار أسمي بشكل عشوائي!!
يفكر الأب والأم بالاسم طويلاً، وحينما يأتي الطفل، تختار العائلة أسماً لم يكن مطروحاً من ضمن لستة الأسماء، أسم لم يتم تداوله بين أطراف العائلة، ولم ينزلق كنهر أزرق، على ذاكرة أحداهم، هكذا حدثت نفسي وأنا عائدة من لقائي الأخير بمحمد.
في كل مرة ينكسر بها قلبي، يتركني الرجل الذي أحب بسبب أو من دون سبب، نلتقي كي نعيد حل الواجب العاطفي، فأذاكر له بكل ما أملك من طاقتي العاطفية التي أحملها في قلبي، لكني في كل مرة أسقط مع مرتبة الشرف، دون حتى معرفة أين يقع الخطأ، هل هو في رأسي أم في قلبي، أم أنني طالبة بليدة وكسولة في حل الواجبات العاطفية!
كل مرة ينكسر فيها قلبي، أسرع لمشاهدة مسرحية "شاهد ماشفشي حاجة"، أظل أتسلى في مشاهدتها لأيام وأحياناً لأسابيع دون شعور بملل، افرغ كل ما في قلبي من حزن وسفر ورائحة الفراق التي بدأت أعتاد عليها، أضحك على كل كلمة ينطقها سرحان عبدالبصير سرحان، وأقلده بعض الأحيان كلما اختليت بنفسي، أضحك وأبكي أحياناً، أتسلى بقراءة حظي اليومي، وفي انتظار صوت لن يأتي، كلما تمازجت صورة الرجل الذي ذهب كما غيره، أفاجأ دائماً بالهزيمة، بالوقت أغلب الأحيان، حينما أشعر أني بحاجة إليه، يأتيني مودعاً أياي، حاملاً كل ذكرياته، وحتى رائحته يرفض أن يتركها لي، كثير من الأحيان ماقمت بممارسة دور المحبة المصدومة لفراق حبيبها، كم مرة حاولت أن أبهج قلبي، بقصة تكتمل حتى النهاية، ولكن خيبتي أقوى من هذا الإنجاز الكبير، فقد أعتاد على مثل هذه النكبات المقدسة، وأصبح هو من يحاول ترميم مشاعري بعد كل مشوار، أحدثه فأقول له: إذا سنعود يا قلبي من ذات الطريق الذي مشينا به، فيرد علي ويقول: على الأقل لازلت قادراً على النبض في صدرك!
عدت إلى البيت أحمل قصتي القصيرة، وعصافيري التي لقيت حتفها سريعاً، انتهت علاقتي بمحمد كما حدثني قلبي، انتهت تجربتي معه كما بدأت، بهدوء أيام الآحاد، يكسر جمود البرد الذي نعيشه هذه الأيام، أخبرني أنه لا يمكنه الاستمرار معي في تجربة الحب، حدثني أنني لم أستطع أن أحرك مشاعره كما ينبغي، كان القمر فوق سطح بيته بارداً، لذا لم اجعله ينزف من الداخل أو الخارج، وأنه حينما كان يستمع إلى الأغاني في سيارته طيلة معرفته بي، لم يتلوع قلبه أو ينزف طحيناً وورداً، لم تعبر صورتي كغيمة صيفية على رأسه، وكأني أنا السبب في كل ذلك، أنا التي عليّ أن أدغدغ مشاعره، كي يتعذب ويتلون وتطفر دموعه، وقبل يومين التقى بابنة عمه "خنساء" مصادفة عند باب بيتهم الخارجي وهي تهم بمغادرتة، أذكر مرة جاء بسيرتها وكان يضحك على سذاجتها، أخبرني أنه في ذاك المساء، لاحظ أنها اختلفت، أستوقفها، حادثها، ضاحكها، حاول أن يعبث بعباءتها الحريرية السوداء، ضحكت له، فظهرت أسنانه وأرخت جفنيها تنظر إلى كعب حذائها الشتوي، لم يشعر بالذنب أو بإثم الخطيئة وهو يغازلها ويستلذ بمشاعرها، لذا قرر أن ينهي قصتنا، أو ربما قصته لوحده، القصة التي لم تعد قابلة للاستمرار، هل بسبب قلبه أم بسبب الأغاني التي لم تكن تحرك مشاعره، أم ياترى بسبب غزله المفرط بالخنساء، قصته التي بدأها وهاهو ينهيها، وهاهي ترفع الآن من عرض السينما، لم يعد بطلاً كما يشتهي، لم يعد يرتدي أفضل قمصانه، وكأنني كنت أميز ألوان قمصانه، لم يكن يعلم بأني مصابة بعمى الألوان، ربما لهذا كنت أختار الرجل الخطأ، لم يكن يتعطر ولم يفكر حتى حينما قرر لقائي حلق لحيته، لأني لست القصة التي يريد أن يعيشها، لم أكن البطلة القادرة على تذويب قلبه في كوب القهوة كما يذوب السكر، كنت أرتدي عدسات لاصقة وأحياناً اخجل من لبس نظارتي، فكم من رجل لا يحب المرأة التي تلبس نظارات طبية، لذا فلم أكن الحظ لحيته، وكنت مصابة على الدوام برشح، لذا لم يعنيني إن تعطر لي أم لا؟
التقينا ولم يكن يريد أن يستمع لي، لم يكن لدي ما أقوله له، لم يأتي محمد ليستمع إلى نادرة، لقد أتى هذا النهار ليتكلم ويتحدث، ويلقي عليّ بوجعه مع امرأة شاركته عاماً كاملاً حياته، بكل لغاتها التي لم يكن يريد أن يفهمها، لقد أتى ليتكلم، واستمتعت له، آخيت له روحي، لم أخبره أنني كنت تعبة طيلة الأيام التي مضت، عانت والدتي مجدداً من الربو للمرة الرابعة على التوالي خلال أسبوع، اضطررت للتغيب عن جامعتي والجلوس معها، نادين صديقتي مرت علي، كي نذاكر سوياً، وكان قلبي لا يذكر سوى وجه أمي ولون بشرتها الشاحب، أتصل بي أخي الصغير طالباً نقوداً لبدء الكورس القادم، لم أخبره عن مرض والدتي الذي بدأ يتزايد سألني عنها، ألح في السؤال عنها، أخبرته كاذبة أن أمي برفقة صديقاتها، سألني فجأة ولكني لا اشتم رائحتهن.. مراد ألهذه الدرجة يمكنك أن تشتم رائحتهن، صمت على الهاتف، صمتاً أخافني فدق قلبي، لا أعرف كيف استطعت التخلص من هواجس مراد تجاه والدتي، استطعت أن أزيح توتري، اندفعت اصف إليه شكل طفلي "فهدة" ابنة عمي، أخبرته عن شعورها الغارق بالسعادة والبكاء، بعد إنجابها لتوأمها، بعد مرارة الانتظار لأكثر من سبعة أعوام ونصف، والآن هاهي تمارس دوراً طالما حلمت به، وأيقنت بتحقيقه، أخبرته أن الطفلين يشبهون ثامر زوج فهدة، وأنه سعيد أنه حصل على صبين، وقال لو حصلت على نصف كنت سأرضى!!
ضحك مراد على الهاتف.. وكأني كنت أنتظر ضحكاته، كي يرتاح قلبي، باغتني ليسألني ماذا فعلت البارحة؟ خلت أن حديثي عن طفليّ فهدة سيجعله يبعد تماماً عن سؤاله عن أمي، لكنه يسقطني بضربة واحدة بقوة كبيرة، فلا افهم ماذا كان يريد، هل أقول له الحقيقة، هل أخبره كم أعاني وحدتي مع أمي، هل أخبره بتفاصيل المكان القائم بالمرض، هل أخبره عن الأدوية التي بدأت أتمنى أن ارميها لأقرب سلة قمامة، لأقول لمرض الربو تعال صدري فأسكنه، فأنا لازلت صغيرة وأترك أمي كي ترتاح، لتسعد برفقة حكاياتها ومذياعها الصغير الموضوع دائماً في المطبخ، أترك لها يومياتها ودعها تهنأ بصمتها وهي تتابع مسلسلاتها التي لا تمل من مشاهدتهم، حنينها الدائم لأخيها الذي توفي قبل عشرة أعوام، "أحببته يا نادرة"، هكذا تقول لي، "أحبه جداً، وأفتقده كثيراً، كانت سنته الأخيرة هي سنة امتيازه، وبعدها يصبح طبيباً، لكنه توفي سريعاً، قبل أن يشفى مريضاً واحداً".
يقرر محمد أن يتركني، ليقول لي أنني لا أنفع أن أكون حبيبة أو عاشقة مميزة، يتحدث لي منفعلاً، مضطرباً، كم أتمنى لو قلت له، يكفيك كلمة واحدة، نادرة لا أريد البقاء معك، حينها سأقف مودعة شاكرة له ضجرة ، لم أكن بحاجة لكل هذه الأحاديث الساذجة التي تسحقني، فأمي ونادين تنتظراني على أحر من الجمر، تركت محمد سريعاً وربما أرتاح من عدم مساءلتي له، أو حتى أن اذرف ولو نصف دمعة.
وصلت البيت، سمعت أمي وقع خطواتي، بينما كانت نادين تدفن رأسها الصغير في كتابها، ظللت في الصالون، اعبث في أدراج أشرطة الأفلام، رفعت صوتي أمي.. نادين.. هل تعرفون أين وضعت شريط مسرحية "شاهد ماشافشي حاجة"!!
نظرت نادين إلى أمي، وكأنها تقول لها، عمتي قلب أبنتك أنكسر هذه الليلة!!


















تمر الحياة بمعظم الناس وهم يخططون لها , وخلال حياتى تركت قطعا من قلبى هنا وهناك والان ليس لدى ما يكفينى لأعيش).































29 فبراير, 2008 10:10 م