
يوم الأحد الماضي كان عيد ميلادي..!
لقد كبرت .. عاماً واحداً فقط.. وأضفت للكعكة التي أحضرتها شيماء في المكتب الذي انتقلت إليه قبل ثلاثة أشهر شمعة أخرى.. ورجتني وأنا أنفخ الشموع التي التهبت أن احتفظ بهم.. لماذا يا شيماء؟ إنها ذكرى مولدك! حملت الشموع الصغيرة المحترقة وركنتها في درج مكتبي، لم يمر الوقت بشكل اعتيادي، كان مُراً وبطيئاً، ويمكنني أن أقول عنه أنه كان قاتلاً أيضاً!
قبل وصول الكعكة.. وقبل أن يمتلئ المكتب بالأصوات التي تغنت لي بعيد ميلادي، أمضيت أياما أتأرجح فيها بين أن أكون في عام وأنتقل لعام آخر، وتذكرت الفنانة ذات السيقان الطويلة، التي جلست برفقتي في المقهى، جاءت وهي ترتدي تنوره قصيرة جداً، وبوت طويل، ووضعت طاقية سوداء على رأسها، أحضرت معها كتاب ضخم، لم تنزع نظارتها الرائعة، ظللت أطاردها بنظراتي، رغم أني حينها لم أكن أعرف بعد أنها الفنانة التي بدأت تعرف الشهرة مؤخراً، كنت أكثر الجميع حماسة لها، لم تكن فقط مبدعة، وإنما كانت شخصية غريبة جداً، ومثقفة كما علمتُ من المقربين لها، ولا تحب الأضواء فهي تدوخها. نظرت إليها فلم أتخيل أن تكون هذه الفنانة المسرحية، تأتي إلى المقهى البيروتي في هذا الوقت المبكر، جاءت وكانت تراقص تنورتها، ما أن جلست حتى أغلقت هاتفها الخلوي، الذي كان يرن بلا توقف، يعرفها الجارسون الوسيم، الذي ابتهج لوجود الفنانة المسرحية وكأنه اعتاد على وجودها، وحدي أنا في المقهى، والفنانة التي مثلت بجدارة مسرحية " وطني وبائع البرتقال"، لم تعر نظراتي أي انتباه، نظارتها جميلة، فمها دقيق، انفها حاد، بشرتها كصابونه لوكس نظيفة وذات رائحة فواحة، والفنانة مشغولة بالقراءة، وإعادة إصلاح الطاقية التي وضعتها على شعرها، لم أكتفي بالنظر إليها، رغبت كثيراً في سؤالها، كيف لها أن تصنع يومها، وكيف تحتفل لوحدها في قراءة كتاب ضخم مثلما تفعل الآن!
بعد دقائق .. انتبهت الفنانة ذات البشرة بلون الحليب لي، ووهبتني ابتسامة صغيرة، خجلت قليلاً، وأطرقت رأسي وأخفيته في كتابي الذي كنت ألون به، كنت أريد أن اخرج من مرحلة المرض التي عبرتني في لندن، وعذبتني وأرقتني، وسرقت حتى ثقتي التي اعتدتها في شخصيتي، وكانت الطبيبة الطيبة أخبرتني أن عليّ كلما تذكرت تلك المرحلة المؤلمة من تاريخي المرضي، أن ألون أو أرسم، واكتشفت بعد فترة أني لا أعرف الرسم فقد نسيته. وكنت ذات نهار أمر في مجمع ABC ذهبت إلى فيرجن تحديداً، وهناك وجدت الكثير من الكراسات التي خصصت للأطفال، اشتريت ثلاثة منها، وأنا أحاول أن اضحك أمام البائع الكبير في العمر، لأخبره في محاولة فاشلة إن هذه الكتب هدية لأبنه أختي، غمرني الرجل بابتسامة دافئة، ولم يسألني، لكني طلبت منه في النهاية، علبة ألوان جميلة، أخرج لي ايضاً ثلاث علب مختلفة، وضعها على الطاولة الزجاجية، وقتها طلبت منه أن يختار لي ما يقرره، كي يصنع لي نهاري، واختار لي علبة لازلت حتى الآن احتفظ بها في درج مكتبي، وكلما خرجت العلبة البيضاء بألوانها المختلفة، أتذكر ابتسامة الرجل الكبير، وهو يضرب على آلة الدفع، كي يخبرني بسعر الكتب والعلبة البيضاء!
الفنانة الجميلة، ابتسمت لي مرة أخرى، وأنا ألونّّ الكتاب، خرج صوتها الناهض بالفتنة، وقالت لي: هل ترسمين ؟
كنا وحدنا.. أنا وهي والطقس البيروتي، والجارسون الذي انشغل بترتيب الأكواب الزجاجية، وإعادة طحن القهوة التي كان صوتها يفرك أذني، ويشعرني بأن الحياة هي قهوة حلوة ومرة وزائدة حلاوتها، والوقت الذي كانت فيه الحياة سكر زيادة، كانت الفنانة تعيد صوتها إلي، جلست معي، تحدثنا.. أخبرتها إن ما ترتديه يعبر عن ذوقها في الحياة، أحببت البوت الذي كانت ترتديه، رغم إننا كنا في فصل الخريف، أخبرتني إنها لا تجد نفسها إلا حينما ترتديه، وأنها تحب ان تستيقظ مبكرة، وتشرب قهوتها في هذا المقهى الهادئ، الذي يخلو صباحاً من الرواد، وأخبرتني بخجل لم أتوقعه تماماً أنها تحب القراءة بالفرنسية، لأن والدتها التي تركتها حينما كانت في السابعة من عمرها، فرنسية الأصل، تركتها مع أخيها الصغير، والذي ما عاد صغيراً الآن، ويدرس الأخراج في أمريكا، وهي سعيدة لأن أخيها يحبها ويخطأ أحياناً ويناديها "ماما"، رغم أن فارق العمر بينهما بسيطاً.
لم تفكر والدتها حتى الآن بالسؤال عنهم، وهي حينما تقرأ أو تتحدث الفرنسية، تتذكر أمها التي تخلت عنها سريعاً، حكت لي كل ذلك دون أن تنزع نظارتها، وأبديت تعاطفاً كبيراً معها، وتمنيت أن اخبرها عن قصتي مع كتاب التلوين، ولكن هناك من قطع أحاديثنا، فقد جاء الجارسون مرة أخرى، وأقترب من الفنانة في محاولة لحضنها، ليقول لها معاتباً " كيف لك أن تخفين عيد ميلادك..هل كان بالأمس كما قرأت في الجريدة"، أطرقت رأسها، لكن الجارسون أخذها في حضن سريع وقبلة أسرع، وتركها دون أن يتكلم.
- لا أحب أعياد الميلاد.. أمي كانت مهووسة بها.. وكنت تفتعل لنا الحفلات بلا توقف، وترتب لنا أعياد ميلادنا، حاول والدي.. أن يعوضني عن غياب أمي، لكني بدأت اشتاق للكعكة التي كانت تصنعها، فقد كانت رائحتها تشبه الجنة؟
- هل شممت رائحة الجنة..؟
- نعم .. إنها رائحة أمي يا سارة؟
تركت الفنانة التي لا تحب أعياد الميلاد، وتذكرتها وأنا اقطع الكعكة التي أحضرتها شيماء إلى مكتبي، أيتها الفنانة أنني أتابع أخبارك، وأتمنى أن تذكريني كما أذكرك الآن وأنا أمسح كل دموعي التي عبرتني، كنت أظن أن لا أحد سيتذكر عيد ميلادي، حتى اخرج لي صديقي زجاجة عطر صغيرة بلون البنفسج، وغمرتني السعادة التي كنت أبحث عنها، ضحى صديقتي التي عقدت قرآنها قبل أشهر، ظننت أنها لن تتذكر مطلقاً، إنني ولدت لكي أحتفل بتقطيع الكعك، ولكنها أتصلت بي على الهاتف وصرخت لتقول لي: " لا يمكنني أن أنسى ميلادك.. أنه يعني لي الكثير"!
يالله كم أشتهي الكعك الآن.. ربما كي أشتم فيه رائحة والدة الفنانة، التي هجرتها منذ أن كانت في الخامسة!!




















































16 فبراير, 2008 09:34 ص