
يرن هاتفي الجوال الملقى على الطاولة القريبة من سريري، في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل. لا أتوقع دائماً مكالمات ليلية، ولا أحب أن امضي الليل كله أسرد خيباتي، ومذاق طعم قهوة صباحاتي المتتالية، على الصوت الذي يكافح لأجل أن يبقى في ذروة يقظته، نظرت بعينين فارغتين إلى اسم المتصل، فوجدت اسم "كاميليا"، يومض دون توقف، إنها صديقة مراهقتي اللندنية، والوجع المبكر، وقصص الحب المضحكة، تلك التي نمارسها دون وعي، لنتعرف على فستان السهرة، وصوت الراقصة وهي تلوي جسدها بترنيمة قديمة، من منا سمع صوت راقصة، وهي تنتعل قلوب ناظريها، من منا أكتشف أن للراقصة صوتاً يمكن له أن يعبر وأن يمارس شعوذة الذكاء الحرّ!
جاءني صوت كيمو باكياً منتحباً، دون حتى أن تسأل عن صحتي، أو ربما لم تعد تهمها، فبين كل كلمة وأخرى، كنت أشعر بأنها تمطر، وأنا احتاج إلى مظلة من رائحتها التي لم تغادرني يوماً، جاكيت طويل أسود، وحضن يحملني لآخر العالم، عرفت بعد 600 ثانية من اختناق الكلمات، أن عمر صديقها الذي رافقها طيلة الخمسة أعوام، قد طلب الزواج منها أثناء تناولهما البوظة هذا المساء، بدا قلقاًً يا سارة .. خشيت أن يكون فقد عمله.. أو قرر أن يتحول إلى إسلامي أصولي..أشياء كثيرة خطرت في رأسي..أنه الجنون..لم أتعود أن يكون عمراً على هذا الحال.. وخشيت عليه وعلى قلبه..أصر على أن نتناول أي شئ.. وقلت لربما سيحدثني أنه سيختطف طائرة.. وهو المهووس منذ صغره كما أخبرني بالطائرات النفاثة.. يقول لي: في ليبيا ياكيمو.. كنت أطير فوق سطح بيوت الجيران.. كنت أصلي لربي وأقول له يارب محمد وربنا لماذا لم تخلقني طائراً.. هكذا لوّن طفولته.. بأوراق يصنع منها طائرات نفاثة.. كان مجنوناً بالسماء.. وكان أصدقاءه مجانين بالأرض.. ذهبنا إلى هاردوز كما أحب هو .. وطلب شاياً انجليزياً.. وطلبت أنا بوظة.. وما أن غرفت أول ملعقة حتى طفرت دمعتين من عينه.. حينها أدركت أنه جن يا سارة.. عمر جن هكذا حدثت قلبي.. نظر إليّ وفي غضون دقيقتين سألني إن كنت أوافق على الزواج منه..؟ وأهداني خاتم جميل.. كان قد لفت انتباهي في واحدة من المرات القليلة التي صحبني عمر معه لنتسوق.. ضحك عليّ أخبرني انه يريد شراء خاتماً لأخته ليلى.. لكنه كان يريد شراء تاريخي ليهبني اسمه.. صرخت.. كممت فمي بيدي.. حاولت أن أستطيل مع أضواء الكريسماس.. ومع شجار الصغار الذين تحلقوا حول أمهم.. رائحة أمي وياسمين جدتي وهي تعقده لأجلي.. قاومت أن أسقط على الأرض.. وكل ما فعلته أنني قمت من مكاني وحضنته.. وتذكرت أن الملعقة الصغيرة لا تزال في فمي.. سحبها ببطء من فمي وكانت عيني عمر مليئة بالدموع.. أخافتني دموعه .. أليس من الطبيعي أن ابكي أنا بدلاً منه.. !!
هذه هي "كاميليا" التي رافقتني سنوات مراهقتي القلقة، وهي نسخة صغيرة ومحسنة لسلمى حايك، تشبهها للحد الذي طلب منها أحدى المتنزهين في حديقة الهايدبارك، أن يلتقط لها صورة، مذهولاً من هذا التشابه، أحبت كثيراً في أول الأمر أن تشبه سلمى حايك، لكنها بدأت تضجر من الفكرة، لم يعد الأمر يروق لها كما كان في السابق، أخبرتني مرة، كم يبدو كريهاً أن تكون مجرد صورة شبيه لأحد ما، فينسى الآخرون أن يحبوك لأجلك، وكل ما يبقى في رؤوسهم أنك من تشبه نجماً ما.. أو كوكب وجدوه صدفة ينمو مثل عشب الأرض قابعاً أمام شباك !!
عرفت كاميليا أو سلمااااي، كما أناديها حينما أريد أن أدغدغ مشاعرها، في زيارة عائلتها لنا، وكنت أسعد وأنا أراها بتنورتها القصيرة وقميصها الناعم، تربط شعرها، وتوزع رقم هاتفها في كل مكان، رغبة منها في إيجاد عملُ صيفياً لها، أجمل ذكرياتي عن عملها والتي سعدت كثيراً لقصصها، حينما عملت لدى سيدة كبيرة في العمر، حتى سألتها إذا كانت هذه العجوز قادرة على التنفس أم لا؟ فقد كانت أكبر من فكرة العمر المتقدمة، واكبر من خيالي الصغير، في فهمه معنى النساء حينما يكبرن ويغادرن مرحلة الحياة بكل شقاوتها وعنفوانها!
كانت تقرأ لهذه السيدة المسنة، العديد من الروايات والمسرحيات التي لا تحبها، ولكنها تقرأها لأنه جزء من عملها، أحببت تفكيرها وأحببت أكثر أن تكون لدّي صديقة بهذا النضج المبكر، كان جنون كيمو يظهر في حكاية تمرير كؤوس الفودكا للعجوز، مما جعل السيدة تجزل العطاء لها، وقد كانت سيدة مسنة جداً، للحد الذي يمكنك أن تحملها معك في حقيبتك، وفي كل مرة تمرر لها الكثير من الشراب، كانت العجوز تحبها أكثر، وتمطرها بالقبلات وبأجرة مضافة، رغم أن الابن الأكبر للسيدة، قد سن لكيمو الكثير من القوانين، ومن ضمنهم أن لا تمرر أكثر من كأس أو كأسين لأمه، لدواعي صحية، ويبدو أن والدته صاحبة مزاج عالي. عتبت عليها خرقها لقوانين عملها، لكنها ترد على عتبي بقولها وبلا مبالاة، إذا كان لابد أن تموت هذه العجوز الطيبة اليوم أو غداُ، فأظن أن عليها أن تموت من فعل الحب لا من شئ آخر، أكره أن يموت من يحب بفعل الألم، لا بفعل حرقة الحب، وأفضّل أن تموت هذه السيدة الرائعة من فرط السكر، لا في حمامها لأنها تزحلقت من رغوة صابون!!
هذه هي كيمو التي اتصلت باكية في منتصف الليل، لتقص علي حكاية خطبتها من عمر الليبي، الذي تعرفت عليه حينما جاء ليعمل ويدرس في ذات الوقت، أي منذ خمسة أعوام ونصف ومن حينها لم يفترقا، رأيت عمر قبل أشهر، كان يختلف عن كاميليا، بدا شاباً ودوداً، مثقفاً ولكنه لا يظهر ثقافته إلا حينما تستدرك من الدلالات التي يقولها، أذكر وقتها أني كنت أحمل كاميرتي السوداء الصغيرة، فالتقط لنا الجرسون صورة جماعية، لنا نحن الأربعة، فقد كانت بحضرتنا ابنة عمي "داليا" التي رافقتني، بقيت الصورة ذكرى حقيقية، لتلك الابتسامات المتكررة والعذبة، لم أتنبه جيداً لكل تلك النظرات التي غرقت بها المجنونة كميو، كان عمر أكثرنا خجلاً، وأكثرنا رغبة في الانطواء، خرجنا سوياً وكنت أتساءل خمسة أعوام من صداقة حقيقة إلى أين سينتهي الطريق بهذين الصديقين؟
أحاول أن أعيد تاريخ كيمو القديم، حينما كانت تتسلى بالعمل في شركة واحد من أصدقاء عائلتنا المشتركين، تخرج أفلاماً وثائقية، لتعلك كل همومها خارج أطار تلك الشركة، والتي رغبت طويلاً العمل بها، ولو لأسابيع، تغريني كيمو بحكاياتها، قصصها، وحتى بوقوعها في علاقات لا تعرف متى ستنتهي منها، وكان عمر يظل معها، يعرف أن هناك ثمة عواصف تدور في حياتها، لكنها لا يتدخل إلا حينما تطلب كيمو منه ذلك، لكن مرة واحدة قبل أن تعرف أنهما لن يكوننا إلا لبعضهما، حينما صادفت عمر مع صديقة أخته، التي جاءت من ليبيا بضع الوقت، كي تتدرب في عمل أرسلتها شركتها، ولم تجد أخت عمر ليلى إلا أخيها الخجول، كي يرعى هذه الصديقة في غربتها المؤقتة، شعور كيمو كما وصفته لي، جعل عمر يصر على المواجهة، إذ أنها في ذات الوقت، لم تستطع تجاهل الموقف، وعمر يقطع تذاكر السينما، ويسلم إلى ليلى تذكرتها الخاصة ضاحكاً، وما أن رفع عمر رأسه حتى رأي سهام عيني كيمو تصيبه، لقد رأى شيئاً لم يراه طيلة الفترة التي قضاها معها، لقد رأى الدموع في عينيها المجنونتين، التي لم تكن تبكي إلا نادراً، حينها أدرك أن سلمى حايك، قد أحبته كما أحبها..















)







23 ديسمبر, 2008 07:09 ص