
تقول لي ابنة عمي "ذهب" أنني تغيرت، وتمسح صوتها بقطعة مبللة، مثل النساء الطيبات. ليكن ذلك، لكني لا أشعر باني تغيرت، كما تقول لي في كل رسائلها الصباحية، ربما أشعر بأن الشجرة لم تقلع من مكانها، كما تصورت، وربما لأني بدأت أصغي إلى صمت عزيز، وأعرف أنه يضئ أحياناً، سيبدو تصديق هذا الأمر غير محتمل، ولكنني أصّدق أنه يضئ، وأن ضوء روح عزيز ليس سوى سطوع أحبه وكأنه يتقن الحديث بإشاراته الواسعة، أنه دليلي الجديد، ليالي التي لم تعد تطول، سجائر أخي الصغير، التي لا أعرف كيف يدخنها دون أن نشتم رائحتها في المنزل. معطفي الجديد، الذي لا أريده أن يخفي ملامح جسدي المشدود، أصابعي العشر النحيلة التي أريد أن اغرزها في شعره. لم تعد الأشياء قابلة للانفجار كما تعودت أن تكون، كل ما أشعر به، أن الحياة التي اجري خلفها، أصبحت تماثلني في السير، لأول مرة يتملكني الشعور، بأن كل ما يحدث حولي، يجري بنسق منتظم، وكأنه صوت الموسيقى التي تخرج من أسنان البانيو البيضاء، وكأن الطفل الصغير الذي لا يستطيع أن يمد قدمية، يتجول بالعزف دون ملل، وها أنذا أتحول إلى امرأة لا تفكر بأية مكائد، ولا حتى بأرق أمي الجديد!
هل تغيرت..؟
هكذا أتساءل في كل مرة أقرأ المسج الذي لا يتغير، و"ذهب" أيضاً لا تتغير، تغيرت.. ماذا أصبحت يا ذهب؟ أصبحتِ أكثر سعادة..هكذا تجيبني..أصبحتِ أكثر قدرة على البهجة، أستطيع أن أقول أنك سعيدة الآن. لا أعرف كيف تفسر ذهب السعادة، أو كيف يمكن أن تكتشف أنني أصبحت سعيدة عن ذي قبل! لم أجد مفهوماً واحداً يستطيع أن يلخص كيف يمكن للمرء أن يهب السعادة لذاته، وذهب تكتشف ذلك خلال مسيرتي الممتدة بعشرات الوجوه، التي تباغتني بابتسامات عميقة، وبعزلات غير مرئية.
قبل أيام.. خطر على رأسي ابن عمي "غيث" الذي لم أسمع عنه منذ فترة طويلة، بعد أن انتقل للسكن في سان فرانسيسكو، لفترة مؤقتة من حياته، وقبلها كان يقضي أيامه الصيفية في عمل متواصل دون ضجر في نيويورك، لم أعد أسمع عنه أية قصص، ولم يعد يسأل عني، هل يمكن لي أن أنسى صوته الذي لم يغدر بي يوماً، كان دوماً ملجئا لقلبي، لا يمكن أن يهددني غيث برحيله، وهو الذي انتظرته الطائرة لأني بكيت على ذراعه اليوم الأول من شهر مآي من هذا العام، وهو يتذكر جيداً، كيف خانتني كل مواجهاتي، وكيف قررت أن أترك الأشياء دون مساس، ودون أن أعيد قراءتها من جديد، هطل لي صوته كالمطر.. مثل أمنيات العام الجديد، وأصداء إعلانات الخطوط الطيران المختلفة تصدح في أرجاء مطار هيثرو، هل هناك حل يا غيث أخبرني.. هكذا كنت أنشده، سقطت من علو، وأنا أحنى نصف أقدام الكوابيس.. بقلبي، خرج صوته بثوب دون أزرار حزين، ليقول لي: إذاً لنتزوج..؟ صمت.. كان قلبي مضطرب، وكنت أبكي، كنت أستفهم عن لون حذاء أمي، وعمن وجه الدعوة لتفاصيل الهواء، وعمن وضع السكر في أبريق الشاي، ومن قاد فصيلة العصافير الزرقاء، ومن أنشد لحن الصغار، وهو يطوي ألمي بفكرة اللجوء لوطنه، وكأني بلا وطن.
ليس هذا هو الحل.. لنبحث عن أمراً آخر أكثر جدية.. حلاً أتكل عليه.. لا أمنية تحلم بها، وتنتظر الوقت والمآء ورائحة كراسي السينما الحمراء، لتخبرني بها.. إن كل ما أنتظره منك، أن تهبني عقلك.. فطنتك البدوية، حدة الصحراء في كشف الأمور، وتساعدني لكي أتجاوزها!
ظللت طيلة نهار الجمعة، أتتبع الرجل البدوي، الذي أحب عزيز كما أحبني، الذي أهدى عزيز أغنيات ليلية طويلة، دون أن يعلم الأخير. ولكن ما أن تحركت من غرفتي، وقررت لحظتها أن لا أحمل هاتفي الخلوي معي، إلا وتراجعت في نصف ثانية، وأقرر أن أعود أدراجي، لأحمل البلوفر القطني معي، خوفاً من البرد، ووجدت رقمه يأتي من بعيد، يأتي يحملني على هودجه، صاخباً.. زاعقاً. مترفاً بكل الآمال..
هل تعرفين كنت مع صديقي في مومباي.. وكنت في فندق "أوبروي"، لقد كتبت لي حياة جديدة يا ســارة. بلعت دموعي، عاتبت شوقي الذي لم أعلنه، حاجتي إليه التي لا تأتي إلا حينما أبكي من عزيز، وحينما يقتلني الشوق إلى عزيز، وحينما يخدرني الوجع من عزيز، كدت سأفقد أجمل ابن عم في حياتي، التي لا أعرف إذا ما كانت ستطول أم لا..
لم يعلم أحد أن "غيث" كان في الهند، وفي ذلك التوقيت تحديداً، لقد بكيت دون أن أتوقف، ما هو ذاك الشعور الذي يدفعه، لأن يمارس رجولته دائماً خارج عن حدود قبيلته، الم يكن من الأجدى معرفتنا بذلك، كي يدرك كم نحن نحبه، وكم كان يذبحنا لو هو غادرنا دون عودة..
أخبرني "غيث" أنني تغيرت، لا .. بل تغيرت كثيراً، هل أصبت بالعطب، لا .. يا سارة.. ولكنك تغيرتِ لم تعودي بحاجة إلى أحد، لقد ملئ عزيز حياتك فلم تعودي بحاجة إلينا أو حتى إلى ذراع قبيلتك، لم تعودي بحاجة إلى أحد..لم تعودي بحاجة إليّ..
ليتني فقدت في ذلك البار.. ليت تلك الفتاة الإنجليزية صاحبة النمش ابتلعتني.. حتى أجد عذراً في عدم عودتي..!!
هل بالفعل تغيرت.. أم أن شعور غيث بالموت.. جعله يمتهن الخوف من فقداني!

















.... يبدو لي أن ذلك تغير جميل فشعورنا بالنضج و الاتزان يعني أننا وجدا أنفسنا و باتت حياتنا أكثر استقرارا و سعادة.... و لكن بالنسبة لي أعشق الجنون يا سارة و لا أريد أن أفقده يوما حتى إن وصلت لتلك المرحلة.















06 ديسمبر, 2008 02:52 ص