
الشقة التي اختارت أمي أن نمضي بها ثلاثة أشهر، كانت كفيلة لأن أفكر بأن أعيش خارج إطارها، تحاصرك المدينة بشدة جمالها، فتصبح كل الأشياء من السهل أن تصل إليها، إلى المكتبة حيث تقرأ، إلى النافذة حيثت تطل، إلى الكأس حيث تشرب، إلى المرآة التي تنظر دوماً إليك، إلى السرير حيث تنام، وكأنك تقرأ رواية عن شاعر عاشق، أذلته عشيقته، فقالت له وداعاً. تحمل المدينة عنك حقيبة يدك ومظلتك، لتزرع في قلبك قبلة طويلة، وتحلم أن ترى عيوناً ناعسه، تشرق الشمس بها، لتصبح شباك للغرباء، تبكي الموجه فيه.
يالله .. ما زلنا بشراً ضعفاء، حتى أمام جمال مدينة، نبحث عن الشوق، ليتبعنا كالشوق، ونحب ونكره حد الشوق، فهل يمكن أن يكون هذا العالم، أكثر رأفة بقلبي الصغير، الذي لم يعتاد على أن يتصاحب مع هذا الجمال الساكن بالبحر، وكأني أبحث عن طين، عن وطني الذي يشبه حزن مبعد، مثل قصاصات الأخشاب. يالا جمالك أيتها المدينة الفاتنة، وإضاءات الشوارع تشتعل مثل طعم نخيل الكوفة، مصابة بسل السكر، وتتساءل هل إضاءات النيون المشتعلة با إعلانات الطرق قد تولدت من رحم القمر.
كل شيء جميل..ماعدا رأسي، كل شئ جميل.. ما عدا فساتيني القصيرة، وأحذية ابنة عمي، التي لا أعرف من أي متجر تحضرهم، وتتباهى بهم وهي تضع ساقاً على ساق.
رن هاتف الشقة، فوجدت صوته رقيقاً وعذباً، استيقظت من أفكاري التي لم أعد أجهلها، إنه صديق أبن عمي الذي جاء برفقته، وقف طويلاً لينظر إلى فستاني وأشار أليّ ليقول، فستانك أزرق..؟ نظرت إليه، نسيت لونه، ليس لأنه أخذني بطوله وبقميصه الجميل، ولكني رغبت أن أتأكد إن كان الفستان بالفعل لونه أزرق، هززت رأسي وقلت له: نعم أزرق..؟ لا أعرف لماذا أعدت إجابتي عليه، لم يكن يحتاج مني إلى تأكيد، ولكنه بادرني قائلاً: لم يعد أحد يرتدي الفساتين؟
وصمت.. لماذا يخلق بداخلي كراهية من الآن لكل الفساتين، التي أمضيت سنوات عديدة وأنا أبتاعها وأرتديها، دون أن يقول لي أحداً إنه لم يعد يرى من يرتديها.. ماذا لو عرف وسام أنني لن أفكر مطلقا، بأن اشتري فستاناً آخراً في حياتي، بعد أن قال كلمته ومضى..لم يرى وسام قدمي ابنة عمي وإلا لقص قصصاً كثيرة، لا تزال الغرفة وردية، وأنا لا أريد أن امضي بها صيفي كله، أريد أن اهرب من تلك الحياة الصبيانية التي تصر أمي على أن أكون بها، وأنا أصر على أن أكبر وأني لن أعد أفكر بالأزرق، ولا بلون بشرة وسام التي بدأت خالية من أية شوائب، حتى أنني أفكر كيف نبت لهذا الجسد شارباً وشعراً لامعاً سلساً..
جاء صوت لونا على الهاتف، أخذتني ثرثرتها سريعاً، تذكرتها ونحن صغيرات، كنا نتبارى بعلب البلاستيك نصنع منها هواتف خلوية، بحبل نوهم أنفسنا بأننا لا نراه، ونظل نتحدث لدقائق طويلة، أحبها جداً لأني أغرق بها، فحينما أتكلم مع لونا أسمع صوتي، فأتبين ملامحه أكثر، ذات مرة قررت أن أسجل صوتي على كاسيت، واحكي أشياء مضحكة عن خادمة البيت " أم إبراهيم" التي جاءت لتسكن معنا في الشقة، والتي ما أن فتحت النافذة حتى أمطرت، فأغلقت بسرعة النافذة وضمت كتفيها على صدرها وبكت، لم أسأل أم إبراهيم عما يبكيها، ولكن بالتأكيد إن ما جعل قلبها يستسلم للبكاء، هو ذاك الذي دفع جدي يبكي حينما وضعت أمي له صحن الفاكهة وبدا مليئا بمختلف الأصناف، سقط رأسه على كتفه الأيسر وانخرط في بكاء طويل!!
إنها الجنة..
وجدت أم إبراهيم الشارع المكتظ بالخضرة، وعلى بعد عينيها يمكنها أن تشتم رائحة البحر، التي لا تبعد عن شقتنا سوى شارعين بسيطين، وما أن أمطرت حتى شعرت بأنها تسكن الجنة، فبكت وانكفأت على ذاتها، وجدي الذي رأي كل الفواكه المختلفة تجتمع في صحن واحد، وبكى هو أيضاً، لأنه صدّق بأنه يعيش الجنة.
أما أنا..
فأتساءل عن الجنة، ولونا تخبرني أن لا أنسى نظارتي الشمسية، وأن أضع الكريم ذو الرائحة النفاذة على يدي، فاليوم يمكن لنا أن نلتقي بالروائي الذي جاء في زيارة إلى هذه المدينة المذهلة بالجمال، دون أن تصدق بأنها ستلتقي به، أخذت موعداً معه لتناقشه في كل شئ إلا في روايته الأخيرة "قبعاتي الست"، تريد أن تسأله عن صحة ما ذكرته أحد الصحف بزواجه من الفنانة التي تحب أن ترتدي الكعوب الذهبية، وتلبس الفساتين الحريرية الطويلة، وقصت شعرها قبل ستة أشهر، وهي المولعة بشعرها الفائض حتى ظهرها، لونا تريد أن تقف على كل شيء في حياته، وتريد أن تتعامل معه كمحقق لا كمعجبة متيمة به.
أغلقت سماعة الهاتف، وأنا لا أصدق بأني سأرى "صادق بن سليّم"، وأتشارك معه حديث في مدينة تشبه الجنة. غرفتي وردية، ولا أحب جدرانها، وملابسي كلها فساتين، ولم تعد الفتيات يرتدين الفساتين، وأم إبراهيم تبحث عن آخر أحلامها في شقة لن نمضي بها سوء ثلاثة أشهر، وعليّ أن اعتاد عليها، والجنة قريبة مني، ووسام يخترق جدران المكان، لماذا الكلمات بسرعة تقتلنا.. لم يعد في دولاب ملابسي أي شئ لونه أزرق!






























12 نوفمبر, 2008 04:26 م