لم يكن أحد حولي.. مددت يدي إلى كأس عصير البرتقال.. وبعد رشفة واحدة بكيت مرة أخرى..!
رن هاتفي الخلوي الموضوع على الطاولة.. تطلعت على الأسم.. وبكيت مرة أخرى.. كانت سلمى تريدني أن أخرج معها، وتذكرت أنني أبكي.. فتوقفت عن البكاء..!
تحدثت معها وأنا أفتح بأصبعي شفتي، أخشى أن تشعر أن كلماتي تمطر في أذنها، ولم أكن أريد لسلمى أن تكتشف أنني بكيت اليوم أكثر مما أحتاجه لعام!
خرج صوت سلمى مبحوحاً.. لم تتنبه أن صوتي قد فقد وطنه، طارت العصافير من أكمام قميصي، وبدا فستاني قصيراً أكثر من اللازم.. تحدثت دون وعي منها ورجتني أن اخرج معها..لبست معطفي الجديد الذي أحضرته لي أختي الكبرى التي عادت من سفرها قبل أسبوع.. ولم أكن في حياتي فتاة محظوظة بالهدايا، كنت دائماً آتي متأخرة حينما توزع أجمل الهدايا، ولا يتبقى منها سوى ما لا ترغب الفتيات به، حتى صديقي الذي أحبه، أحضرت له هدية بسيطة، تعلمت أن لا أغدق الأصدقاء بهدايا ثمينة، وكأني بذلك أشتري مودتهم ومحبتهم لي، طار الصديق فرحاً بها، لكنه لم يتذكرني ولو لمرة واحدة بهدية ولو كانت بحجم كفه، لم يتذكر أن يحضر لي حتى الدونات، التي أحب تناولها في الصباح، وأنا أستمع إلى الإذاعة، وأكتب أولى الكلمات الفرنسية التي أتعلمها على دفتري الأزرق، لم يفاجئني برسالة عبر البريد الألكتروني، يخبرني فيها أن يشتاق لي، كما أشتاق أنا لصوته، وهو يتحول إلى مكعبات ثلج من شدة برودة الطقس!
انتظرت سلمى على مفترق الشارع، مكتبها ذو الجدران البرتقالية يقع في الشارع المقابل لي، خارج مبنى عملي هناك ثلاثة نوافير لم أتنبه لهم إلا متأخراً، كما تنبهت أن هناك رجل يأتي دوماً وبيده ثلاثة كتب ضخمة، ويلف حول رقبته شالا يغلب عليه لون الشوكلا، وأنه وهو يخطو عتبات الطريق، لا يرفع بصره، ولا يكاد يراني، وأنا بدأت أهتم بالثلاثة الكتب الضخمة، التي يأتي بها منذ أكثر من شهر.
جاءت سلمى ومن بعيد لوحت لها، وأنا أحاول أن أدعك ابتسامتي الموعودة، وما أن رأيتها حتى أدركت أنها مصابة بالرشح، مدت يديها وهي ترتدي قفازات جلدية، وقالت حاولي أن تبتعدي عني حتى لا يعاودك الرشح!
كنت قد مررت قبل أسابيع بأزمة صحية، أثرت كثيراً على مزاجي وصباحاتي المتتالية، وحتى على قدرتي على التنفس، وتذكرت أنني لليال طويلة، كنت أستيقظ لأستفرغ كل مافي معدتي، من شدة الم الأنفلونزا!
في الطريق تحدثت سلمى عن أشياء كثيرة، كانت قد شاهدتها في رحلتها الأخيرة مع والدتها، حكت بكثير من الطمأنينة عنها، لم تأتي بسيرة أخرى، وإنما قصت حكايات عن البيت الذي رأته في المدينة، والتقطت له صوراً كثيرة، وشعرت أنه سبق لروحها أن سكنت هذا المكان من قبل!
كنت أستمع لسلمى وهي تتحدث بهدوء سببه مرضها، وتساءلت ألم تعرف أنني كنت أبكي؟ ألم تلاحظ أن صوتي مخنوقا؟ وأن السماء أمطرت وأرعدت؟ الهذه الدرجة مشغولة سلمى عني!
في المكان الذي قررنا الجلوس فيه، كانت هناك كراسي على العشب، وشمس دافئة جداً معلقة في السماء، وأقدام مبتدئة كبيرة وذات أصابع طويلة، وأخيراً كانت هناك صالة عرض صغيرة نظيفة وأنيقة، تعرض بها بعض الأفلام المختارة، طالعتني وقالت: هل تريدين أن تحضري فيلماً الآن، نظرت إلى ساعتها وضحكت وأكملت: الساعة الآن الحادية عشر، وأنت مصابة بحالة من عسر الفهم، وأنا بالرشح، وسعر التذكرة لا يتجاوز الخمس ريالات فقط!
قالت كلامها دفعة واحدة، لم تأخذ نفساً واحداً، قضت عليّ، وعلى ألمي، ووجدتني أحتمي بالمعطف الجديد الذي أشترته لي أختي نيرة وابتسمت لها.
دفعت يدها تجاهي، قربت مني.. حتى أصبحت في مواجهتي، دفعتها عني وأنا تغمرني كل زهور عباد الشمس، قلت لها: لا أريد أن أمرض؟
ضحكت وركضت، لحقتني سلمى، وطاردتني وفي البعيد، سقطت على العشب، وسقطت هي بجاني، ضحكنا أكثر، وفجأة قالت لي:
كنت أعرف أنك تبكين منذ ليلة البارحة، وقررت اليوم أن أعبر وطنك لأعيد لمعطفك كل العصافير التي ظننتها قد ماتت، أو سافرت بعيداً عن شرفتك، إن كل الأشياء قريبة منك، لكنك لا تستطيعين احياناً أن تحولي روحك إلى عش صغير، أنك مثل والدتي، وطناً لا يرضى إلا أن يكون مساحة كبيرة، لا عش صغير مثل قلبي!
الساعة الآن الحادية وعشرين دقيقة. وأتخيل أني أحضر الفيلم الذي لا أعرف أبطاله جيداً، لكن عنوانه لفت انتباهي حينما كنت برفقة صديقي، الذي بكيت أمس على كتفه دون أن اعرف سبب بكائي، وأن ازرر قميصه الذي لم يعد يدفأه كما كان يعتقد. وإن سلمى تعيد كل سمائي لكن من دون أن تمطر!













أكره حينما تختفي تعليقاتي بسبب سوء الإتصال 




































29 يناير, 2008 08:15 م