
- كيف حال نيويورك أستاذ محمد؟
بلا تردد قال وهو ينظر لي بكثير من الاستغراب:
- نيويورك لا تهمني ولا أريد أن أعرف عنها شئ..الآن أنا معكما فاسأليني عن المكان هنا؟
حينما يكون والدك في الستين لن يكون رجل نيويوركي أبداً، قارس في الكلام معك، وإنما ستجده متحفظ لكنه يحاول أن يتعلم كيف له أن يضحكك، سيتعلم كيف يلقي النكت عليك، ويتابع معك بعض المسلسلات المعتادة، يسألك عن الفنان ذاك والمطربة تلك، ليشعرك أنه يمكنه أن يختلط في مزاجك اليومي، سيقترح عليك أحياناً في أجازة الويكند أن تشوي معه، وفي تلك اللحظات الحميمية، سيقترب منك أكثر مما أنت ترغب في، وسيمطرك بقصص قديمة تشعل ضوءاً في ذاكرته التي لم يرغب بها!
فجأة ستجد والدك يصل إلى السبعين، لا تعرف كيف ومتى وأين؟ وإنما ستجده يهرم أمامك كربيع أخضر، ليصبح عصبي المزاج، يرفض أن يغادر البيت، وتبدأ كل الأفكار تتعبه وتتعبك معه، وأنا في كل الأحوال لا أذكر والدي في الستين، لكني أذكره الآن، أذكره وهو يجلس وحيداً أمام شاشة التلفزيون، مفضلاً على الخروج، وقيادة السيارة لأجل أن يرفهه عن ذاته، أو حتى زيارة أصدقائه، أذكره أكثر وهو يحمل كتبي حينما يستيقظ مبكراً، ويجدني في حالة من اللخبطة الصباحية المعتادة، استيقظ متأخرة حينما أسهر، أبحث عن رجل في رأسي كي أكتب عنه، وحينما أستيقظ لا أعرف كيف ارتب كتبي، جدول محاضراتي، علبة المكياج، أقلام الحبر، دبابيس شعري. أخطو بسرعة على الدرج الرخامي الكبير، وأسمع نحنحته وأقلامي تتساقط على الأرض، فيأتي راكضاً بخطواته الثقيلة، ليساعدني في حملها، فيلمس توتري ويطلب مني بكل أبوة، أن يحمل معي بعض ما عجزت عن حمله، حتى لا أتزحلق بعباءتي الطويلة، يسير أبي بخطوات بطيئة، وأنشغل أنا عبر الهاتف الجوال في حديث حيوي وودي، مع رذاذ التي تنتظر مروري عليها.
في الباب الخارجي أتسلم كتبي من والدي السبعيني، وأستطيع وأنا في السيارة أن أضع السيناريو الحقيقي لحياته الصباحية التي يعيشها، وحتى أصل إليه في الخامسة مساءً!
كيف تموت الحياة فجأة في عيني الرجل السبعيني، كيف لم يعد يتذكر أنه كان يتعلم أن يلقي النكت، أعرف شكل وجهه حينما يضحك في الصباح، تختلف عنها ضحكاته في المساء، حروفه التي يقضمها، والتي تشبعني، أعرف أنه يسامحني حينما أنسى أن أحضر له ما طلبه مني حينما أذهب لأتسوق، أعرف أيضاً أن أشرح له أن الوقت يسرع دائماً، وأنه يأخذني بعيداً عن أبوته الكبيرة، أمام وجه والدي أعرف أنني مازلت خجولة وأنني أحب الحياة، والدي الذي كان يهتم بالحياة والرسم، والظواهر الكونية، كيف له أن يتحسس معك حياتك البسيطة التي تعيشها، أخبارك مع صديقاتك في الصف الإعدادي، حيث تكون الصداقة في عمرنا هي كل حياتنا وتاريخنا، وإذا لم نحصد على صداقات متميزة فهذا انكسار شخصي لنا.
كل الأشياء تشغلني بلا أرادة مني، والدي الذي استيقظ على صوت الراديو في غرفتي، أو حينما فتحت باب الغرفة لتخرج القطة منها، وكنت أدفعها كي تبعد عن قدمي، كان صوتي عالياً، ولم أكن أهتم بأن يرتفع صوتي أو يقل، هذه المواقف الصباحية تدفعني لكي أعيد بعثرة كل الهزائم البرتقالية التي تنتظر قدومها لي!
رذاذ تركب السيارة، وأميرة لا تزال تعطل مروري، وعبث السائق بأنفه.
قبل أسبوع خرجت مع أبنتي عمي، قضينا وقتاً ممتعاً، تحدثنا طويلاً حول كل شيء، وأثناء ذلك، كانت أحداهن تعرض علي صور احتفالها بعيد ميلادها، الذي لم أحضره بسبب أمتحاناتي، وأثناء تحريكي لزر الصور فجأةـ ظهرت لي صورة أبنة عمي وهي تحتضن والدها بقوة، أخبرتني أنها ستضع الصورة في Face Book، تطلعت إليها، لماذا تشغلني دائماً علاقة البنت بوالدها، بعيداً عن حصري لها بوقت أو زمن معين. حينما وقعت في الحب، كان أول سؤال تبادر إلى ذهني، هل هكذا يقع الآخرون في الحب، وحينما هزمت وبكيت، قمت من على سريري وذهبت سريعاً إلى المرآة، وتساءلت في سري، هل هكذا تبكي النساء في الحب؟ أنه شعور غريب، إنني لا استطيع أن أفهم، إلى متى سنظل نتعلم من كل الحالات التي نعيشها، كيف أستطيع أن افهم إن ما أعيشه، تعيشه مائة مليون امرأة أوكرانية أو كينية أو تونسية، كيف لي أن أعرف أن هذا الشعور الذي تولد بداخل قلبي، هو ما مرت به أوليفيا وخدوج أبنة الصديقة الفرنسية من أب مغاربي، وأن الحياة التي أعيشها يمكنها أن تنقسم على أكثر من فتاة في عمري. ربما لهذا لجئت أوبرا في بعض حلقات برنامجها، أن تتعرف على المرأة الثلاثينية مثلاً في كل بقاع العالم، فهي متزوجة وأم لثمانية أطفال في أفغانستان، ومحامية في نيوزلندا، وراقصة في المغرب، ومسئولة برامج تسويقية في الأردن، هكذا تستطيع أن ترى المرأة الثلاثينية في أنحاء المعمورة، وتتحدث عن نفسها في دقيقتين، تختصر حياة عاشتها وقاستها، لتخبرنا كيف آل بها الحال لكي تكون ثلاثينية!
وأنا حينما وجدت صورتي بعينين محمرتين، وأنف مهرج من شدة الاحمرار، تساءلت وماذا بعد هذا الانكسار، وهذا الألم، ماذا بعد أن يصرعك الحب، حينما لا يمكنك أن تكون معه، أو تمضي به إلى آخر عمرك، أهكذا نتصور ونتخيل!
أهكذا نقولها بضجر! عني أنا لم أقلها إلا نادراً، أعتدت أن أحب صوري كما هي، أعتدت أن أحب حتى الأخطاء في التصوير، وأحتفظ بصوري، وأقوم بالتعليق عليها، وأشدد على كلمة الفرح بها.
وصلت إلى الجامعة تحدثت رذاذ طيلة الطريق، لكني لم أكن أستمع لما تقوله، كنت أشرد مثل الغزلان البرية، أشتاق للصحراء والبحر يحيط بالطريق، والراديو يبدو مشتعلاً بضحكات المذيعة، وبثرثرة لا يمكنها أن تتوقف، وأعدت ترتيب أفكاري ما أن وصلت إلى الساحة الواسعة، الشمس باردة جداً، وأنا أحتاج لأن أكون وحيدة، أبحث عمن يحدد علاقتي مع والدي، تلك اللغة الصعبة، التي أصبحت لا أستطيع ترجمتها، وأصبح كلانا باتجاه آخر، رغم الأغنية وصوت أميرة والكتب التي سقطت مع الأقلام على سلم الدرج الرخامي، رغم الروايات التي كتبت وحاولت أن تلخص أكثر من علاقة أبطالها مع دور الأب دون عصا، دون خيمة، دون فكرة، أو عباءة أو برقع أسود، علاقة مثالية وأخرى غير متكأه على أساس أو هوية، أريد من يحدثني كيف يمكن أن يتحول الآباء بسرعة من عمر إلى آخر، إلى صورة أخرى لا تزعجك بقدر ما تتساءل كيف يمكن لهم أن يعبروا في حياتك بهذه السرعة وبهذا العمر الذي يخلف في داخلهم الكثير من الأشياء العاطبة والصالحة للعمل..
هل والدك قد بلغ السبعين أو الستين من عمره..
مهما كانت أجابتك.. عليك أن تعرف أنهم يرحلون سريعاً من عمر لآخر!!

















































23 يناير, 2008 10:57 م