
دعت أمي الليلة عمتي الوحيدة هيا، لزيارتنا وتناول العشاء معنا..
أحب عمتي هيا ذلك الحب الخفي الذي تتلمسه حينما يغيب الشخص عن مدار حياتك، فتتساءل عن الثروة التي نهبت منك، دون أن تشعر بخطوات اللص الذي سعى لنزع ثروتك، وعمتي كانت من النوع الذي من الممكن أن يحب، هناك أنواع من النساء شدة جمالهن تمكنك أن لا تتعرف على نوع الحب الذي تكنه لهم، لكن يمكنك أن تحب عمتي بشكل كامل غير قابل للنقصان، وكنت أنا بحاجة إلى مثل هذا الحب في حياتي، ألم يقل لي جيمس أنه لم يجد فتاة مثلي، تبحث عن صورة الكاملة، ولكنها ستموت في النهاية ولديها ألم في قلبها، إنه لا يوجد كائن قابل لأن يكون كامل، حتى أبائنا وأمهاتنا، أنهم صورة ناقصة، ولكن أعيننا تأبى أن ترى هذا النقص إلا كمالاً.
وكل شيء في عمتي هيا قابل للكمال، حتى كلماتها التي تنطقها بهدوء يضجر الجميع، أنها تتحرك أحياناً بمزاج مختلف، للدرجة أن أقصى أمنياتي حينما كنت في العاشرة من عمري، أن أكون امرأة جميلة وفاتنة مثلها، تستحم بالصابون المعطر، وتدهن جسدها بكريم الزبدة، وترش عطور الياسمين كامل جسدها، لم أقبل عمتي مرة دون أن اشتم رائحة الياسمين في عنقها، وأتذكر ما قاله لها نزار قباني ذات مساء لندني حينما التقت به، كانت لا تزال ترفل في عمرها الخامس عشر، قال لها إن هناك قصيدة قد كتبت لأجلها رغم أنه لم يراها سوى هذه المرة، وأثنى على جمالها البدوي وأناقتها الأوروبية. يبدو أن عمتي هي أول امرأة في عائلتنا يكون لها أطفال، وتصّر على إرتداء الفساتين القصيرة، وتقصر شعرها حتى ظهرها، ولا تمضغ اللبان، وتخرج وحيدة مع زوجها إلى المطاعم، وإلى السينما في البحرين، وتسافر أحياناً برفقة زوجها دون أطفالها، عاشت جزءًا كبيراً من حياتها في القاهرة، أحبها جدي كما أحب عينيه وأمه، وفضل أن تعيش أبنته الصغيرة الوحيدة طفولة ومراهقة مميزة، درست في القاهرة حتى وصلت إلى البكالوريا وتزوجت، وهناك ألتقت بالكثير من الأميرات والشيخات، حتى أنها سمت أبنتها الريم على صديقتها، وأبقت صداقاتها سواءًا مع الأميرات أو حتى مع الناس العاديين الذين مروا في حياتها حتى الآن، دون أن يمرها الشعور بالغطرسة أو التميز.
أحياناً أفضل عمتي هيا على أمي، وأحسد أبنتها الريم كون عمتي أمها.
ما أن تزورنا فهي لا تكف عن دغدغة مشاعري، تحلم أن تراني عروس، يعبر الحمام كتفي ويطير ما أن تخرج الزغاريد من فم الأمهات، لا يمكن أن يكون لي وطن، إذا لم ألبس فستان العرس، ولا يمكن أن أكون قبيلة إذا لم تنقش الحناء على كفيّ، تحدثني طويلاً عن زياد أبنها، لم تعرف أن زياد كان أولى تجاربي في الحب، مارست معه جنون الأربعة عشر، وبعدها مللته أو ربما هو ملني لا أجد في ذلك فرق، وربما لو خيرت في مشاعري لأن أكون زوجة لأحد أبناء عمومتي، لأخترت برجس بلا تردد، وهو الأخ الذي يصغر زياد، تكونت بيننا صداقة مشتركة، وأصبحت عميقة أكثر مما كنا نتوقعها، حينما سافر بعد حصوله على الثانوية العامة مباشرة إلى أمريكا، حيث ولد فيها، كان زوج عمتي قد بعث من الشركة البترولية التي يعمل بها لإكمال دراسته العليا، ليتخصص في الهندسية البتروليه، كان طالباً نبيهاً وذكياً وراغباً في تحصيل علومه ودروسه، وهناك أنجبت عمتي إلى جانب زياد الذي كان يبلغ الثالثة من عمره برجس، وقد كانت حامل به حينما أستقرت في بوسطن، لحقته أخته الريم بعامين ونصف، وأنجبت سعد الذي جمع كل وسامة والده، وفهد الذي سمته بناءً على رغبة دينا قبل أن تفقد والدها، من فرط حب دينا لوالدها، داعبت دينا عمتي وقالت لها : "عمتي بابا لم يحظى بأولاد ذكور.. سميه على أسميه حتى يفرح قلبه"، دمعت عيناي عمتي الوحيدة، من محبة أبنة أخيها لوالدها، وهاهو فهد يحظى بحب الجميع وتدليلهم، خاصة بعد أن غاب عمي فهد من أجواء حياتنا!
عاشت عمتي في أمريكا خمسة أعوام كاملة، أنجز فيها زوجها رسالتي الماجستير والدكتوراه، تبدلت عمتي خلال تلك الأعوام كثيراً، صارت عملية ومنظمة أكثر من اللازم، تأكل التفاح، وتشرب قهوة النسكافية دون حليب في كل الأوقات، تتحدث كما هن الأمهات الأمريكيات، عن فهم نفسية الطفل، وعدم ضربه، وجلوس الأم في البيت أفضل من خروجها إلى العمل، رغم أن عمتي عملت في أحد البنوك هناك، وحينما أشرت لها عن عملها السابق، لم يتغير لونها، ولم تخرس لساني، ولكنها قالت، أنها أرادت تجربة العمل في بلد مثل أمريكا، لم تكن ساعات عملها المكتبية طويلة، إذ أنها عملت على نظام الساعات، فكان يدفع لها على حسب الساعات التي تقضيها في البنك، وكلما شعر البنك بأن هناك تغيب من بعض موظفيه كان يتصل بها، خصوصاً أوقات الأحتفالات الكريسماس والنيوير، حيث لا تغلق بعض فروع البنك، تغيرت عمتي هيا كثيراً، بالتأكيد إلى الأحسن، تحسن الحديث والأستماع، وتدلل أطفالها كثيراً، وكنا ونحن صغار نغار كثيراً من طريقة تدليلها لأبنتها الريم وأطفالها الذكور، الذين كانوا ايضاً محط غيرة أقرانهم من أبناء العائلة.
أرتبطت بزياد وأنا صغيرة جداً، وقد كان يرتدي دوماً البنطال والقميص ذو الأكمام القصيرة، تبرز عضلاته الصغيرة من خلال أكمام قميصه، يسرح شعره بطريقة جميلة، ويتحدث عن قصص كثيرة، يحب الأفلام والذهاب إلى السينما، ويحفظ بعض الأغنيات ولا يخجل من غنائها معي، غير ذلك لم تكن هناك أي لغة مشتركة بيننا، حينما أنتهت علاقتنا لم يكن لأحد أن يعلم بوجودها، أنتهت دون ألم على الأقل بالنسبة لي، أقتربت من برجس، بعد أن سافر لإكمال دراسته، والتقينا كصديقين أكثر في إيطاليا، سافرت قبل عامين برفقة الريم وعمتي هيا إلى فلورنسا، وافقت عمتي على مرافقتنا بعد إلحاح كبير منا، ذهبنا دون رجل كبير، سوى أخ الريم الصغير سعد، أمضينا خمسة عشر يوماً كانوا في غاية الروعة، في ثالث يوم من وصولنا إلى إيطاليا، قرر برجس مرافقتنا، ولم تمضي سوى 24 ساعة إلا وقد كان معنا، قادماً من نيويورك حيث كان في زيارة لأحد أصدقائه.
برجس شاب مجنون، ملحوس مخه كما تقول الريم عنه، جنونه هو جماله الخاص، يعشق الرسم وفكر سريعاً أن يكون له جليري شخصي في سان فرانسيسكو يبيع فيه أجمل اللوحات الفنية، والتحف التي يحرص على شراءها من أهم المعارض الدولية، ساعده زوج عمتي المهندس حمد بن توه، فقد كان مؤمناً بأبنائه بصورة كبيرة وعميقة، وهذا الأيمان الكبير قد لمسه شخصياً من عائلتي، من أعمامي ووالدي بالذات، الذي أحب أبنائه وآمن بهم، مما ولد بداخلهم توازن عاطفي كبير، الحياة المستقرة دفعتهم جميعاً للنجاح، وهاهو زوج عمتي يطبق النظرية التي تتبعها آل جمل مع أبنائها.
عرفت من الريم وبعد ذلك من برجس شخصياً، أن هوسه بالعلاقات العاطفية كان يشكل عبئ عميق بداخله، لكنه كان مقتنعاً بأن على الرجل أن يمر في الكثير من العلاقات النسائية، لم يكن يجد نفسه في لعب كرة القدم، أو في الذهاب إلى البارات، والتمتع بالسفر، لكنه كان يجد نفسه دوماً بصحبة امرأة، " لا يمكنني أن أفهم نفسي إلا وبجانبي امرأة أناولها الملعقة لتحرك السكر في كوب القهوة، أو أعيد خصلة شعرها التي سقطت على وجهها، وقتها أفهم ماذا يريد برجس غداً، وما أحلامه التي تسبقه وأمنياته التي تصرعه"، هكذا يحدثنا حينما يتهم بأن كثرة علاقاته سوف تجعله محصوراً بالرجل الكازنوفا، وهو أمر لا نفضله خاصة إذا ما تم الأمر بكثرة، وبصورة واضحة للعين.
( تعرفت قبل أسبوع على شابة صغيرة في العمر أوكرانية جميلة، طويلة، ذات ساقين نحيلتين للغاية، ألمسهما بأطراف أصابعي ولا أشبع، فأطلب منها أن تنزع كلساتها الحريرية، كي يطيب للساني أن يتحرر على رخام جسدها، فتضحك وتتدلل وتقول لي كلمات غير مفهومة، لكني أعرف أنها تنشد لي أغنيات الحب، إنها أقرب على الله مني، فلا أصدق أني بحضرتها، وأتصور أني بحضرة كل نساء الجن، حينما رأيتها تندفع تجاه طاولتي، ترتدي تنورة قصيرة جداً، وضعت فوقها مريلة بيضاء اقصر من التنورة، ربطت شرائطها حول خصرها النحيل ( لم أرى حتى الآن مثل نحل خصرها)، تضع كوب القهوة على الطاولة بينما أتصفح مجلة أشتريتها من الحانوت الذي يقع قبل المقهى، أبتسمت لي وداعبتني، وكنت أنا مهوساً بلون بشرتها الثلجي، وذيل الحصان الأشقر الذي يظهر مدى تميز ملامحها الدقيقة، أنحت عليّ وهمست لتقول يبدو أنك مهتم بعلب الألوان ( أضمرت ضحكة كادت أن تخرج من صدري)، آمنت بها، وبقلبي، وباللحظات التي تدوخني بها، حاولت أن أقول لها شعراً أوكرانياً، لأثبت لها أني قادر على أن أخترق أجوائها البعيدة، تحب تانيا الرقص وكنت أنا ايضاً كذلك، فكنا نرقص احياناً طيلة الليل بلا توقف أو ضجر إلا حينما تأن أقدامنا. أدعوها للغداء، فتدعوني هي للحب، أحببت كل سماواتها وفضاءاتها وغبائها الفكري.
بعد أسبوع..
كنت أدعو تهاني العراقية التي تعرفت عليها في الجامعة إلى السينما لمشاهدة فيلم، وكنت أضع يدي في يدها دون خجل، أذكر تانيا الأوكرانية وأعرف أنها تنتظرني، لكني لا أنتظر أحد ياسارة..)
هذا بعض مما كان يبعثه لي برجس عبر بريدي الألكتروني، في كل مرة أفتح فيه بريدي أتأمل أسم برجس طويلاً قبل أن أستمتع بلحظة قراءتي لرسائله اليومية عن نساءه اللاتي يكنّ بحضرته، أحياناً يطيب له أن يسمعني صوته، إذا ماكانت هناك امرأة تشغله حد أنه لا يعرف كيف له أن يوقف تدخين سجائره الكوبية، هل كنت أغار على أبن عمتي، أم كنت أثق فيه للحد أنني لم أكن أملك أي نوع من هجس الغيرة عليه، أصدق القول أنني كثيراً ماضحكت على قصصه، لم تهجره ولا امرأة أو فتاة تعرف عليها، كلهن أحببنه، وذبن طويلاً في كريات الدم البيضاء والحمراء في جسده، وهو أستمتع في التغزل في سيقانهن ولحسها متى ما طاب له ذلك!
( أنني أشتم رائحة الجنة كلما دخلت مايا شقتي، وحينما تهمس لي قائلة "هلوو ياصغيري"، أكبر فجأة.. يصبح عمري خمسة عشر عاماً إلا أسبوعاً، تظهر رجولتي مبكرة، تكبر أعضائي، وينتفخ صدري بالشعر.
شفتيها قطعتي توت منحوته، يتخلل صوتها الندي مسام جلدي، فأشعر بأني رجل بدوي يحمل كل هجراته وأراضيه في قلبه، ولا يستطيع أن يتعرف عليها، إلا حينما يعاشر امرأته، إذ أنها الوطن الملموس الحر، الذي يمكنه أن يصب فيه مآءه. فيقوم من على جسدها، ويضع عصاه على الأرض بقوة، ويقول جهة الشمال هي وطني!
رائحة امرأته تقوده لعوالمه الخفية، أنه لا يحتاج إلى بوصلة الجغرافيون أو خرائطهم كي يتعرف على طريقة.. فرائحة حناء زوجته تكفيه..إذ أنها تصنع له من ماءه بقائه وثروته..
والجنة تكون قريبة مني، حينما تأتي مايا من المعرض الذي تعمل فيه حتى السابعة مساءً، تلبس ملابس أصغر من مقاسها، رغم أنها نحيلة، فتبدو مثل عرائس باربي، أنا رجل مفتون بالنحيلات، اعذريني ربما أكون مهوس بهن، وبأجسادهن التي لا تتحمل أن تكبر أو تنتفخ، فتصدر أصوات الصغار.. وتستخرج شهادات ميلادهم من داخل أرحامهن.
تأتي مايا وصوت كعب حذائها يمطر في رأسي، تك.. تك.. أغمض عيني، وأعود للبدوي وراياته الحمراء، وامرأته خلفه تحلب العنزات وترتب برقعها، وتبتسم للهواء الذي يقود النهر من أصابع قدميه. تأتي حاملة معها كعادتها كيس أبيض، به قطعتين من الدونت، وكوبين من القهوة المرة، قهوة سوداء، لم تكن حياتنا إلا مثل ربيع البدوي الذي يسكن دمي الأزرق!
أي سماء تلك التي تجمعني بمايا ونحن نهرول على الشاطئ، أنها خيمتي التي بناها لنا جدي ولم نسكنها، لكننا كنا نتطلع على الصور التي يخبأها خالي ونضحك سوياً، هل تذكرين ضحكاتنا، ربيع النعيرية، والورد الأصفر البلدي يملئ المساحة الصحرواية ليحولها إلى حلم مشروع من الجنة..
ها أنذا أعود للجنة..
يبدو أنني لن أتخلص منها، طالما بقي جسدي يلاصق جسد تلك الياسمينة..
صدقيني أنها بالفعل تشبه الياسمينه..
تعرفين ماذا حدث لي ليلة البارحة.. رأيت كما يرى النائم ..رجلاً ضخماً لا يشبه إلا حارسي بوابات الكازينوهات الكبيرة، والبارات الضيقة..ذات الأضاءة السيئة، والرجال الفاسقين الذين يبحثون عن نساء يسقطن في الحب سريعاً لأي رجل يقول لهن كلمة واحدة.. كم أنت طيبة وجميلة!
قال لي الرجل الأسود: أيها المسكين لن تدخل الجنة، هل نسي أن الجنة تنام بجانبي، وأفرك جسدها بأصابعي اللزجتين بزيت اللوز، فتتحول إلى غيمات محملة بالندرة البيضاء ؟
تعلقت بجسده..
أطفئت سيجارتي التي أنتصفت..
ضغطت على أسناني وقلت له والرذاذ يتطاير من فمي: بلى سأدخل الجنة.. ألا تسكنها أمي وجدتي.. لذا سأدخلها لأنها لي، ولي تكون وحدي.. قلتها بإصرار كبير.. وبثقة عميقة، كنت قد رأيت طرف عباءة أمي التي كانت دوماً تنزلق من على أكتافها، حتى في الجنة لم تكن أمي تحسن لبس عباءتها، بدت جديدة.. كما هو قميص نوم مايا.. أما جدتي فقد كانت تلبس ثوباً لامعاً بلونه الأحمر.. قلت له وأنا أدفعه سأدخل شئت أم أبيت..!!
ونعته بكلمة جارحة.. أظن أني شتمت أمه وعايرته بها.. وسألت أن كان يعرف أي النساء تكن.. وأبوه أي حاكم يكن.. قلت له: أذهب لأبوك وقل له يالص: أظن هذه الكلمة رددتها طويلاً قبل أن أذهب في غفوة قصيرة.. لص .. لص.. شاهدت رجلاً سياسياً وبصقت عليه في التلفزيون..وامرأة سمينة توبخ اطفالها بالضرب وتنتف شعورهم، ورجل طويل يحمل سيجارته أو هي تحمله يمشى دون وعي منه أنه حافي القدمين..
في الجنة .. حيث كل الطيبين الذين يتركونا سريعاً، ويمضون إلى أقدراهم دون خوف، مؤمنين أنهم لن يعودوا إلى هذا الحقل، وإلى هذا العطش، وأن هناك من يشربهم الخمر دون خوف من النار، نظرت إليّ جدتي بطرف عينيه..وأرخت الحرير على وجهها الأبيض، ومسكتُ بيد أمي، ومضت ترفع قدمها، عن الزرع الأخضر لتخطو بالداخل..
أنها الجنة..
الجنة..
والجنة اليوم هي مايا، قبل أن تتحول إلى أمراً آخر، وهذا الرجل في الحلم يقول لي لن أدخل..أبدو كطفل نزق.. أتعلق برقبته لأزيحه عن طريقي!!
أريد أمي.. أريد جدتي..
أفقت من النوم.. عرق كثير.. سعال.. ورغبة قوية في شرب قليل من الماء...
سارة..
هل باتت الجنة هي حلمي الذي لا أبوح به..هل باتت أحلامي هي هروبي من الصداع الذي يملك رأسي، منذ أن أنتظرت أحدى الصديقات ساعتين متواصلتين .. لم يتعبني الأنتظار.. ولا قدومها وهي تلهث، وترتب شعرها، وتعيد ما أخذته من حقيبتها.. إنما تساءلت إذا ما كان قدومها بعد ساعات، أو حتى بعد خمس دقائق سيسعدني أم لا؟
أنها الجنة..
النساء هن الجنة..
الرحمة هي الجنة..
وسارة أنتِ أيضاً الجنة..
أكتب لأقول لك أني بخير.. فأجد نفسي مندفعاً لأثرثر بلا توقف.. كما هن النساء كبيرات السن والصغيرات ايضاً.. أتحدث عن تفاصيل لا تهم أحداً سواي، ولا أعرف كيف لا أتوقف لأجر أصابع يدي الحساسة، عند نقطة "أمسح" هنا.. أضغط على الزر فيلغي كل ماكتبته.. في كثير من الأحيان لا أتعمد قراءة ما أكتبه لك.. كما وأني لا أعود لأقرأه مطلقاً.. والمطلق هنا أمر أفتراضي..
اليوم شعرت بأني رجل ليس قابل لإعادة التصنيع مرة اخرى، كما الأوراق البيضاء، وعلب البلاستيك، حينما أنتهي، لن يعود هناك برجس آخر، ليس هو الغرور، ولكن لنقل أن حياتنا لا تحتمل أن يكون هناك من يخلفني.. ما عداك أنت.. أثق فيك ليس لأنك أبنة عمي.. ولكن لأني أرى قبيلتي دوماً من خلال ما تكتبيه وتعلنيه بكل صراحة)
جلست عمتي في الصالون المخصص للعائلة، وتعمدت أن أجلس بمحاذاتها، ألتصقت بها، كانت قد أزاحت عباءتها الحريرية من على جسدها، شممت رائحة العطر الفرنسي ينبعث حتى من أنفاسها، ترتب أظافرها وتزيح الشعر من على جسدها كي يبدو ألمس وناعم، تضع أساور ألماسية على معصمها، فتبدو وكأنها شابة في أول الثلاثين من عمرها، تتناول قهوتها بهدوء حذر، أنظر إلى أسنانها البيضاء، أبتسامتها التي تظهر ما أن تأتي قبالتها، تمسح بيدها على شعري، وتلاطفني وكأني في العاشرة من عمري، أعرف ما سيحدث ما أن يأتي والدي، سيحمر وجه عمتي، وستكتم والدتي غضبها من الداخل، وما أن تخرج عمتي من البيت، إلا وستفتعل أمي قصة مع والدي، لأنه دلل أخته الصغرى والوحيدة، وأمي تشعر أن عمتي هيا، امرأة محظوظة، فهي من عائلة ثرية، وهي أصغر أخوتها، وتزوجت من رجل متعلم ومتفتح، ويكفي أنها أيضاً جميلة ولم تعاني رغم أعوامها الأربعينية من أي مشاكل مرت في حياتها، فهي تعيش حياة نموذجية كما يظهر لنا جميعاً، ألا تقل والدتي مثل النساء الكبيرات أمثال قديمة مثل " أعطني حظ وأرميني بحر"، وعمتي أخذت كل الحظ كما تقول أمي!






































02 يناير, 2008 02:25 م