
أحببت كثيراً أحاديثه عن طفولته البعيدة، وعن علاقته الخاصة بوالدته التي رحلت قبل أعوام بسيطة، ظهر قبل أسبوعين في برنامج تركي الدخيل على قناة العربية الأخبارية، قامت الآء عسكر بتسجيل البرنامج على شريط فيديو، حتى نقوم بنقده في محاضرة الدكتور عمر السلاوي، حّول الصحفي البرنامج بحديثه المجنون إلى لوحة فنية رائعة، خاصة حينما تكلم بقدسية مذهلة عن إلتزام والدته بمذهبها الشيعي، الذي لم يؤثر مطلقاً على توجهاته الفكرية، كونه من أوائل المنتسبين لحزب اليسار منذ شبابه المبكر، هذا التناقض الشديد بينه وبين أمه خلف في قلبه الإحترام الشديد لرأسها، لم تسأله ولو لمره واحده معنى أن يكون يسارياً، وأكتفت بمداعبة السيدات، اللاتي تلقي عليهن الدروس في حسينيتها الشهيرة، بقولها: " أنه أبني وهو جزءً مني، وأن كان يسارياً شيوعياً أو حتى يهودياً، سأظل أحبه"، وطفرت دمعة من عينيه وهو يتوقف عند هذه الكلمات.
في البرنامج تحدث عن الوجع الوطني، وعن خوفه الدائم أن يموت وحيداً، بدون وجود رفقائه الذين شاركوه بعض اللعنات في حياته، باغته المذيع اللامع وسأله، إن كان كل ما يفعله لأجل أن يحظى بكرسي في مجلس النواب كما أشيع عنه، نظر الصحفي بحزن يطرق الروح إلى الدخيل، وهز رأسه بأسى تعبيراً عن غضبه الشديد، عن الأصوات التي بدأت تشكك في مصداقية قلمه ورأسه، "كل ما أفعله لأجل وطني فقط.. لا أريد كرسياً ولا حتى طاولة خشب.. وليقل المتزلفون للحكومة مايريدون قوله.. مللت من سخافاتهم.. لا يمكن أن يساومني أحد على وطنيتي وعلى شرف ما أكتبه.. حتى لو كان ذلك سبباً في حصولي على مقعد برلماني"، وضرب بقبضة يده على الطاولة، بدا جلياً أمام كل من شاهد البرنامج، مدى غضب الصحفي لمثل هذه الشائعات التي بدأت تطاله في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء الأنتخابات التي تمت قبل ثلاثة أشهر.
وجدت في قلم الصحفي الكبير روح جنون الرجل العشريني، وهو الذي بارح الستين من عمره، ربما لهذا كثيراً ما تحدثنا عنه في الجامعة، وتشاركنا قراءة ونقد مقالاته اليومية، المعنونة "بصداع عربي".
لا أعرف طرق البحرين كما أني لا أحفظ دواراتها التي تصيبني بالصداع، لذا تعرفتُ على عنوانه الجديد، عن طريق سكرتيرته التي حدثتني بخجل الصغار، تخيلتها سمراء وذات شعر أجعد، تضع ملمع شفاف على شفتيها، وتلعق رأس القلم حينما تفكر، وسألت الله وأنا في طريقي، أن لا ترتدي سكرتيرة الصحفي، تنانير قصيرة سوداء، أو تضع عدسات زرقاء، لأنها لو فعلت ذلك، سأهرب من نفسي سريعاً، تجاه غيث صديق مراهقتي اللندنية، فهو أكثر شخص يصدق حدسي ويؤمن به، غيث هو الأبن الوحيد للصحفي ساعد الجبّاري، ويعمل كمساعد مخرج في أحد أستديوهات انجلترا، يعشق غيث رائحة السينما منذ صباه، لهذا فكر بأنه إذا لم تكن لديه القدرة على أن يكون ممثلاًً، فليكن مخرجاً على الأقل، اضحك عليه وأقول له، منذ متى سمعنا عن سينما إنجليزية إلا أن تكون ثقيلة ظل مثل أهلها، لا يلتفت غيث إلي أحاديثي وسخريتي المريرة، بل أن عمله في المجال السينمائي، خلق منه كائناً آخر ملئ بماء الغبطة، رغم إن رغبة والده الصحفي الكبير أن يكون غيث طبيباً أو مهندساً، لكنه لم يجد مفراً من مباركته لإختيار أبنه لعالمه الخاص.
عاش غيث معظم حياته متنقلاً مع مربيته، حيث كان والده يهوى ملاحقة نسائه عبر القارات، حاملاً معه صنادل عشيقاته وقلبه الذي لم يعرف الأستقرار، منذ أن طلق والدة غيث الإنجليزية، وهكذا بدأ يحفر غيث في داخله وعي مستقبله الذي سيصل إليه، وغرق في أستحضار الشخصيات ورسمها في كراسات رسمه منذ صغره، فقد حرصت مربيته الآنسة شيرلي جوزيف، على الأهتمام به ورعاية مواهبه الفنية حتى وصل لسن الخامسة عشر، بعدها تركت العمل وعادت إلى قريتها في جنوب أفريقيا، لم تكن الآنسة شيرلي ذات دماء أفريقية صرفه، إذ أنها تنتمي للأفريقيين المختلطين بدماء بيضاء، ويطلق عليهم colored. تركت قريتها الريفية التي تقع شمال كيب تاون للعمل في أنجلترا، بعد عدة أعمال لم ترق لها، أستقرت على العمل كمربية لغيث، أحبته منذ أول أسبوع تجريبي للعمل لدى الأستاذ الجبّاري، بعد تجارب عاطفية لم تنتهي بالزواج قررت أن تمضي حياتها برفقة غيث، حتى قررت التقاعد عن عملها والعودة إلى عائلتها ووطنها، شعر ابيض وأكوام من النقود وأسورتين ذهبيتن، وصكوك مالية لا بأس بها، وخمس حقائب، وأبناء أخت ينتظرونها عند صالة القدوم في المطار الدولي، وعيونهم ترقب الخالة التي دفعت حياتها ثمناً لصبي أحبته، وربما أحبت والده يوماً ما!
كنت أضحك على مغامرات والد غيث كلما تناهت إلى سمعي، عبر الأصدقاء المقربين لعائلتي، أو من بعض الإشاعات التي كانت تمس حياته الخاصة، لم يكن وسيماً كما هو حال أبنه، لكنه كان رجل حكواتي من الدرجة الأولى، " لم أحب في والدي سوى نسائه.. كنّ رائعات .. فاتنات.. وشفافات حتى العاهرات منهن.. أحببت عطورهن.. وأكسسواراتهن اللاتي يرتدينها.. وحتى صوت صنادلهن وهي تطرق رخام البيت البارد.. وحينما بلغت الثالثة عشر.. بدأت أغرم بسيقانهن أكثر من أي شيء آخر.. لم يتعرف والدي على امرأة قصيرة طيلة حياته.. لهذا بدأت أتعرف على المرأة من سيقانها.. تاريخها يبدأ من هنا.. لم يكنّ قط عالم والدي لوحده .. إنما كنّ عالمي أيضاً.. من هنا أبدع والدي" هكذا يقول لي غيث وهو يبتسم، لم يكن ماضي والده يورقه، في حين أني كثيراً ما انشغلت بعبث الصحفي أكثر من اللازم في حياته دون مراعاة لحياة غيث المهنية والشخصية، والتي تحتاج إلى أب مستقر عاطفياً وليس مجرد رجل ستيني صاحب نزوات. في الوقت الحالي يعيش غيث علاقة جدية مع سليفيا، وهي فتاة يوغسلافية الأصل، تعمل في ترتيب حفلات المشاهير، جميلة كحلاوة المولد، ولها بريق يميزها عن باقي فتيات الثلج، حتى خلتها عارضة أزياء، نظراً لطولها الممشوق، وشعرها الأشقر، لم يكن غيث أقل جمالاً من سليفيا، فقد كان وسيماً تلك الوسامة التي لا تبهرك ولكنك من الممكن أن تلاحظها، شعر أكرت بسحنة بيضاء، وأنف حاد، لكني أحب قلبه أكثر من أي شيئاً آخر فيه!
*****
وصلت مكتب الصحفي الذي كتب مقالة جريئة صباح اليوم، حملتها معي، كنت أريد أن أتعرف عليه عن قرب، أنهيت محاضرتي في الثانية بعد الظهر، وكان المتبقي على محاضرة الإعلام المقارن ساعتين، فوجدتها فرصة للقاء الصحفي في مكتبه الجديد، أستغربت أنه كتب ذات مرة في صحيفة اقتصادية، عن هاجسه الفني وعن مشاركة إبداعية في مهرجان المسرح الذي نظم قبل أسابيع، وجدت أنه لا يوجد ما يربط مابين الفن والصحيفة الاقتصادية، خيل لي أنه دفع دفعاً للكتابة بها، أشرت إلى صورته وأنا أحدث صديقتي عنه، أخبرتني إن الكتابة للصحفيين الكبار أصبحت مصدر ثراء لهم، تطلعت إلى صورته، وسألت نفسي، لماذا لم يعد يكبر؟! كانت صورته رسميه جداً، لم أجده ضاحكاً، أو معلناً عن نزواته، تمنيت أن يكون له شعر غجري كما هو شعر الفنان العراقي "جبر علوان"، كنا في المعرض الذي تم أفتتاحه في "الرواق البحريني"، ظللنا نبحث عنه، ووجدنا رجلاً ذو شعر جميل لم يرتب وأهمل تصفيفه، سحبتني صديقتي التي لم تكن في حياتها سمعت عن "جبر علوان" أو حتى رأت صوره، وسألته هل أنت الفنان صاحب المعرض؟ ضحك وهو يدخن سيجاره من سؤال الفتاة، ربما ضحك أكثر على طريقتها في البحث عنه، أجابها.. نعم هو أنا. وغاص في رائحة سيجاره، بينما السماء تمطر في الساعة السابعة وعشرين دقيقة، خارج مبنى المعرض الزجاجي.
لم تكن سكرتيرة الصحفي موجودة، وظللت أبحث عن أي شئ في المكتب يشئ بهويتها، لكنها سارعت بهدوء مرتب للدخول، وآثرت الجلوس بالقرب منها، سألتها هل أنت السكرتيرة؟ أجابتني باسمة نعم.. أنا، الغريبة أنها لم تكن ترتدي عدسات ملونة، كما أنها تضع وشاحاً على رأسها، طلبت منها كأس ماء لبت رغبتي بسرعة شديدة، كدت أخبرها عن أوهامي التي ملئت رأسي، حينما حدثتها لتخبرني عن عنوان المكتب الجديد. أنشغلت في التفكير بالصحفي الذي كنت أسمع محادثته مع صديقه عبر الهاتف، كان صوته جهورياً.. قوياً، ضحكت حينما ضحك، وبدأت في تخيل شكل المواجهة التي ستتم معه، بعد مرور عشرين دقيقة على محادثة الصحفي، جاء دوري لأدخل عليه، هزني شعور بالحرية وأنا اجلس قبالته، شعرت بأن الكلمات التي كتبها عن الحرب والحب، ظهرت كلها فجأة في داخلي، أندهشت للحرارة التي تصاعدت حتى وصلت لقدمي، وقلت لنفسي: إن الحياة تستحق أن نكون أكثر جنوناً معها.
كان قصيراً وأسمراً، وله كرش متوسط، يتكلم اللغة الإنجليزية بطلاقة، ويدلك شعره كلما شعر بالضجر، كذبت عليه وأنا أخبره عن رغبتي في التدريب عنده، لم أكن في الحقيقة أريد إلا لقاءه، أخبرته أشياء لا تمت لي بصلة، أظنه اعتاد على كذب المعجبات الكثيرة، وبدأ يتأقلم معها، أشرت له أن جامعتي التي أدرس بها، ليست بعيدة عنه، أنها في الدوار الثاني بعد وكالة السيارات، ضحك وقال لي وهو لا يزال يعيد ترتيب أوراقه، ألا زال الناس متخلفون ويدرسون في مثل هذه الجامعات، ظننتها أغلقت منذ زمن!! قالها بهدوء حسدته عليه، وبلعت ريقي، كانت صراحته قاسية، قلت له أني بحاجة لتعلم الكتابة، لكي أفهم نفسي، وبالعمل بجانب صحفي متمرس مثله، يستطيع أن يدلني على قلب غيث وأحلامه التي لا تنتهي، أخبرته أني حضرت معرض الكتاب الذي أقيم في أبوظبي قبل أسبوعين، كان الجو لا يطاق، وكانت أبوظبي زهرة ألكترونية تفتح وقتما تريد، وتغلق على نفسها حينما لا يريد أحداً أن تغلق، وعبر هاتفي الخلوي، شاهد صورتي مع الروائي البرازيلي باويلو كويليو، التي ألتقطتها وسط سعادتي الغامرة بالوقوف بجانبه، علق ليقول عنها، أنها لقاء الحضارات، ضحكت جداً وأنا أتصيّد نظراته إلى صاحب السكوكة الرمادية، خاصة حينما أخبرته أنني أعلنت له عن رغبتي، بخوض تجربة عاطفية مع رجل يشبهه، هذه المرة كنت أعنيها بشدة، قال لي وهو يفرك عينيه أنه يقرأ الآن روايته "الزهيمر" شهقت وأنا أقول له الآن .. الآن لتوك تقرأها؟!
أجابني وهو يتسلى بكلماته، لقد شعرت فقط أني مستعد هذه الأيام لقراءتها رغم أني حصلت عليها مترجمة إلى الإنجليزية لا للعربية!
عرفت وقتها أن هناك بعض الكتب التي لا نستطيع أن نقرأها إلا حينما نريد أن نفعل ذلك.
تكلمت أكثر مما يجب، حدثته عن رغبتي بالسفر إلى لبنان الشهر القادم، لحضور معرض الفنانة سالي خوري، والذي سيكون تحت عنوان "أوديليك"، لا أعرف لماذا حدثته عنها ربما لأني أردت أن أقول له، إنني حينما أنظر إلى لوحات سالي، أشعر بأن هناك أشياء صغيرة تربطني بعالمها، فأصاب بالحمى و بألم عميق يتسلل إلى بطني، وقف مندهشاً لي حتى أنه لم يكمل سيجارته، فدفنها في صحنه الصغير بجانب فنجان قهوته السوداء. سلمت عليه بحرارة قبل أن أخرج، ووعدته وأنا غير متأكدة من ذلك، أني سأعود لزيارته قريباً، خشيت وهو يصافحني، أن يكون نسخة أخرى من الأستاذ الجبّاري يطارد صنادل النساء، ولديه صبي جميل يجد مستقبله في سيقان عشيقات والده.
خرجت من المكتب وأنا أنفض من على جسدي، كل الأصوات التي تعالت بداخلي، بدا الجو معتدلاً وكنت أفكر كثيراً بغيث، لم أعد أتذكر ما لذي حدث لي قبل دقائق، كانت مجرد مغامرة مع الصحفي الكبير، وعليّ الآن أن أهتم بدروسي الجامعية!



































11 يوليو, 2007 03:01 م