ستكون منتصراً في كل أحوالك.. لأنك تتكلم عن فتى سمين لا يوجد في حياته أي معنى لأي إنتصار!
لذا أرجوك لا تطلب مني أن أرفع قميصي، منذ أعوام لم أنظر إلى نفسي في المرآة، كنت أكتفي بنصف المرآة المشروخة في الحمام، كانت دائماً تهبني السعادة، تضحك لي وتقول: كم أنت وسيم ولطيف .. وسيكون قلبك حقلاً للحب.. لكن عليك أن تختار البذرة المثمرة التي سترزعها!!
******
مررت بأقسى ما يمكن من العواصف، لم أكن لأحتاج أن أرفع قميصي، كل ماكنت أحتاجه عضلاتي النفسيه، الحياة بالنسبة لي تحتاج إلى كل دقيقة من تلك الحياة الطائشة التي تبلغ أسوأ قمتها، حينما تشعر بأنك ضعيف أمام كائن واحد، كائن واحد فقط!!
وكانت هي..
كثيراً ماتساءلت هل من الممكن أن تحبني رغم كل حروبي الظاهرة والواضحة، هل من الممكن أن تغرم بي، وأنا الذي لم اكن رجلاً يهوى ملاحقة النساء، والسهر تحت كعوب المغنيات ورفع الكؤس لأجل نحيبهن المتعالي الحزين، لم اكن يوماً مرفهاً ولا أملك ذلك الأنطباع الفضفاض بأني أنتمي لعالمها المخملي، كل ما أملكه هي حياتي الاعتيادية التي تهلكني وتمزقني وأدفعها فتدفعني، هذا الشعور الطري الذي أواجهه بها نفسي، كلما صادفتها تمر بعباءتها ورائحة دهن العود ممزوجاً بالعطر الفرنسي، تلقي ضحكاتها وتحياتها على الجميع، بتهذيب يليق بها، وحرارة تشع من كلماتها، فاتأكد إذا ما كان قميصي مزرراً كما يجب أم لا؟
طلبت مني ذات مرة قلماً في محاضرة لغة المسرح، أعطيتها وأنا ادفع إليها بكل الأقلام التي بحوزتي، هل عرفت أني انتظر منها هذه اللحظة، أن تأتي مثلاُ لتسألني فأتوهم أنها سقطت في شركي، لا .. لا أملك شركاً، على الأقل أتوهم مثل باقي الرجال الصغار أنها أحبتني، منذ أول مرور ساذج على قلبي.
أعرف مواعيدها جيداً، تأتي يوم الأحد والثلاثاء في الساعة الخامسة وعشر دقائق، تأتي على مهل، قبل سنة كانت تأتي مسرعة، خائفة من التأخير عن مواعيد محاضراتها، ربما أحبت أستاذها، سمعت كلاماً كثيراً عنها، أنها مدللة جداً للحد أن أساتذتها الذين يدرسونها، ينشغلون في التفكير بدلالها وثقافتها.. وحضورها الصاخب في الصف، وهي تعرف مقدار تأثيرها القوى على الرجال، وحتى على الذين يشاركونها الحضور!
يوم الاثنين والأربعاء تأتي في الساعة السادسة والربع، تجلس في سيارتها أحيانا..ً تعيد ترتيب مكياجها أو تستمع إلى الأغاني المنبعثة من الراديو، ذات مرة صادف أن خرجت للحصول على كتاب من السيارة، وفي لحظة شعرت بأني أتجمد، ذهلت، كانت سيارتي الخامسة بالصف أمام سيارتها، أنها الساعة الخامسة، وبدت سعادتي كبيرة، حسدت سيارتي أنها كانت بجانبها، رأيت طيفها يتحرك في السيارة، لا تستطيع أن تجلس عشر ثواني على بعضهم، كثيرة الحركة والتبسّم، أشرعت إبتسامة حمقاء لها، لوحت لي بأربع من أصابع كفها الأيسر، أنها هي، تمنيت أن تسألني أن تطلب مني شيئاً، كنت حينها سأخبرها بكل تفاصيلها التي تعرفها، أو ربما لا تعرفها عن نفسها، تأتي هذه المرة تمشي بهدوء ثقيل، قللت كثيراً من سباقها، وبدأت أفكر بها بكل المساءات اللاحقة، مالذي دفعها لهذا الهدوء، هل هو حب جديد، لا يمكن، أعرف أن قلبها خالي، أنها تتحدث مع الجميع، أحياناً اشعر بأنها تائهة ضائعة، تبحث عن ملجأ، رغم أنها تنتمي لطبقة مرفهة جداً، لكني وجدت أنها تتبسط أكثر من المعتاد مع الجميع، وكأنها تريد أن تهرب من نفسها أو حتى من حياتها أو ربما هكذا أظن، حتى أجد مبرر للتفكير العميق بها.
طلبت مني قلماً.. وأعطيتها الذي كان بيدي، وقد كان مليئاً بالعرق، لو تعرف أن العرق يصاحبني كلما رأيتها، أو جلست في كرسي الصف أمامي، أبدأ في مراقبة وشاحها الأسود الحريري، ينزلق من على رأسها وتعيد ترتيبه، وقبل أن تعيده ترجع بصرها إلى الخلف، وكأنها تريد أن تسألنا هل لاحظتم شيئاً، هل شاهدتم كم يبدو شعري جميلاً ناعماً وطويلا، أهمس لقلبي أن يخرس، كلما حاول أن يقفز لقلبها، ليسأله الكثير من الأسئلة، عن حياتها التي عرفتها من خلال تلصصي على أحاديث صديقاتها وهي تداعبهن، أنها مدللة.. بل مفرطة الدلال.. ليلة البارحة لم تنم جيداً، والسبب كانت رقبتها تؤلمها، أمضيت الوقت في الحديقة حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أكاد أن ارى الصغيرات، وهن يتمنين أن تموت من شدة حقدهن على طفولتها التي تأسرني وربما تأسر كل من حولي، اتساءل في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وحيدة ماذا كانت تفكر به؟ مالذي يمكنه أن يشغلها؟ مالذي يدفعها لأن تجلس ترافق وحدتها، ذات مرة قصصت شعرها الطويل، جئت على عجل إلى صف التاريخ، فرأيتها تزيح الوشاح وتري زميلاتها شكلها الجديد، دخولي مفاجاة إلى الصف جعل وجهها يحمر ودخلت في نوبة ضحك، لم تخجل مني ولكني أنا من خجلت لنفسي، وشعرت بأنني أصبحت انثى بريئة وجميلة تلتقي بحبيبها لأول مرة.
خرجت من الصف وأنا تقتلني صورتها، لقد بدت جميلة للحد الذي كدت أن اركع وأنا أقول لها، هل يمكنك أن تشعر بي، هل عيناكي يمكنهما أن ترى هذا الفتى السمين، الذي يحفظك كما يحفظ خارطة بيته الذي يسكنه منذ ألف عام، وكما يحفظ كل تفاصيل ذكريات اولاد الحارة مع توهماتهم الليلية، والمجلات الفاضحة المخبأة في صناديق عشش الحمام.
أستجمع كل تفاصيل يومها، وتمنيت أن اعرف أكثر عن نهاراتها، وكيف تقضي يومها، بالقراءة.. أم بتلوين أظافرها.. أم أنها تحب هرولة الكورنيش عند الغروب. لا أراها إلا بعد ان تحول الشمس ساعة العصرية، تأتي هي لتنسحب الشمس رويداً رويداً عن ساحة الجامعة الواسعة. سبقتني مرة حينما بينما كنت خلفها، ظللت أعد خطوات قدميها، وتحديت أن تكون 39 خطوة حتى تصل إلى المنعطف، ونجحت.. وقتها تمنيت أن تطل خلفها لتراني وتنشغل في السلام عليّ، وابدأ أنا في جمع أقاصيص متأكد أنها غير صحيحة، ولكن حتى تغير نهاراتي الطويلة المالحة التي لا يمكنها أن تتغير.
قبل شهر طلب منا الدكتور ان يختار كل طالب زميل له، ليقوما بالبحث معاً، جاءت هي متأخرة، ولم أكن أنا بعد قد أخترت احداً، ربما لأني سمين فأحتاج إلى متسع كبير من التفكير، لأقرر من هو الأصلح والأقدر على مشاركتي التي أجدها صعبة، هي تختلف عني، يمكنها أن تصاحب أي كان، وتتكلم مع الجميع بلا قلق أو خوف، لقد ضحكت على براءاتها وأحببت أن اسألها إذا ماكانت تفكر بترشيح نفسها إلى أي دائرة نيابية، لقد وجدتها تشتري قارورة مآء شديدة البرود لأحد العاملين في تنظيف الجامعة، هل هي بسيطة ومتواضعة هكذا أم أنها تحاول أن تبرز مكانتها القبلية المعروفة!!
سألها الدكتور إن أحبت ان تختار، وبدأت عليها الحيرة تطلعت للوجوه، الطالبات يكدن يفتكن بها، وهي تظن انهن يحملن لها الود والورد وعقد الياسمين، أنها لا تعرف أن بحياتها التي تستعرضها بدون قصد، تنبت في تربة قلوبهن أشجاراً من الحقد. ناديتها.. هل تريدين أن تشتركي معي؟
كنت متأكد أنها لن تقول لا.. ليس لأني طالب سمين، وأرتدي نظارات طبية، وشعري حليق، وليس لأني لا أدخن كما يفعل معظم الطلبة، ولكن لأني اعرفها فهي لا تحب أن تهزم مشاعر أحد، حتى لو كان على حساب نفسها، أنها تاريخي، أصبحت الآن من أختصاصي لي وحدي، ابتسمت لي وسحبت الكرسي تجاهي، وجلست، كل شي بدأ ينتفض بداخلي، بدأت اهتز، أنها توشوش لي، وتضحك وتداعبني، أنها فتاة مختلفة جداً، أنها مثل غزل البنات أن لم تكن أشهى!
تكتب لي كلاماً كثيراً على دفتر الملاحظات، تلقي نكتاً كثيرة، وتطلب مني فعل ذلك، تحرك قدميها فتضربها بقدمي وأشعر بالحرج، أنها شقية جداً، لكنها جميلة أيضاًً، مجنونة تخاصم الأستاذ وتضحك معه، وتعلق على كل كلمة لاتعجبها، جريئة لا تخاف، كدت أسألها ألم يحاصرك الخوف يوماً؟؟
لكني أشعر بخوفها حينما تسهب في الحديث عن تفاصيلها، تقف أحياناً لعشر أو خمسة عشر دقيقة وقوفاً، تختار دائماً الوقوف عند الجهة اليسرى، لأي بوابة دخول تقصدها بهدف حضور محاضراتها، تقف لتتكلم فتعبر عن مشاعرها بشكل عميق، ترفع يديها تجاه جبتها، تدقق في عيني محدثها، تطرق رأسها حينما تغضب، وترفع رأسها بهدوء، لديها تفاصيل دقيقة ربما لا تفهمها مثلما أفهمها أنا.
عملنا معاً، وأجتهدنا كثيراً، وأصبحت تتصل عليّ، وبات جل وقتي مهتماً بهاتفها الذي يأتي واحياناً لا يأتي، يفزع قلبي كلما رن هاتفي الخلوي، هل ستكون هي؟ أنها تسأل اسئلة كثيرة كما وأني زوجها؟ أين كنت؟ لماذا هاتفك مشغوول؟ كيف هي والدتك؟ ماذا فعلت ليلة البارحة؟ هل أحبتني..؟؟ ( أكتشف لاحقاً انها تفعل مثل هذه الأمور حتى مع خادمة بيتهم ) يأتي الأكتشاف متأخراً، وتغرقني بالأسئلة، واغرق أنا بالخجل!
أنها تعريني..
باقي على الكورس اسبوعين تحديداً، تأتي لتقول لي بكل بساطة وهي تبتسم، هل أنت معجب بي أم أنك تحبني؟!
كنت أتمنى أن تقولها وهي متأثرة، باكية، دامعة العينين، تتحداني في سؤالها، من تكون أنت لتفكر بي وتحبني؟
لكنها وللأسف أتت لشاب سمين، لا يملك سوى أربعة قمصان، يتناوب جسده على الأحتكاك بهم، يقلم أظافره، ولا يستخدم العطر إلا في الأعياد، ويكتفي برائحةالصابون التي تخرج من جسده، إنها تبتسم .. إنها تقتلني.. تعريني، ليست متفاجئة وأنما تريد أن تعرف إذا ماكنت مجرد معجب بها أم إنني أحبها، هل تعرف ان الرجال لا يحبون أن يتعروا أمام نسائهم، أنهم يخجلون من النظر إلى عيوبهم، وأنا في حياتي ولدت وبي عيب كبير، أنني لم افهم نفسي ولم أحب حياتي البسيطة التي شعرت بأن عليّ أن اتكيف معها، وأن امثل ذلك الدور الذي تريدني أمي أن اقوم به، أن أكون شاباً طيباً وودوداً فكل السمان هكذا، عدا أني أخجلتها فأنا أحب المسرح، لكني وعدتها أني لن أمثل على خشبته، ولكني سأقوم بدور الراوي دائماً. وأول قصة سأكتبها عن تلك الفتاة المليئة بالصخب والفوضى والحياة، تلك التي لا تفهم أن الرجال السمان ليسوا فقط لطفاء، وإنما خلقت قلوبهم قبل أجسادهم الكبيرة!















































24 يونيو, 2007 03:06 م