ملك.. أو .. كتابة..
ملك.. دائماً سأكون الملك..
وأنا.. لماذا أكون كتابة..
لا أعرف ربما لأنك لا تحبين إلا أن تكوني كذلك.. أما عن نفسي فأنا ملك .. ملك ياساره..
تسوقني كل قصص مراهقتي.. فيأتي يوسف ليشرب من ذراع النهر..
ملك أو كتابة..
دائماً أكون كتابة.. وحينما لعبنا ذات مرة.. لعبة الأميرة والفارس.. قلتُ له أريد أن أكون الفارس..
رمى بسيفه البلاستيكي الطفولي على الأرض، ورمقني بنصف عين.. خلع الفوطة التي وضعها على رقبته.. كوشاح للفرسان، وتركني وسط حديقة البيت، وابن عمي ينتظر دور عمره، كنت أريد أن أكون الفارس.. أن أعيش ذلك الدور الذي لن يكون لي في يوم من الأيام.. وكان هو الملك دائماً.. وكنت لا أريد سوى أن أكون الفارس في لعبة عادية، يحارب فيه الفارس بسيفه البلاستيكي الأعداء، والذي لم يكن سوى ابن عمي الذي حرقت الشمس بشرته، فأصبح طفلاً شديد السمرة.. فصدق أنه عنتر.. وأصبح يعارك يوسف بشراسة فيطرحه أرضاً.. لم يكن لأبن عمي التساهل في لعبة مثل الأميرة والفارس.. خاصة إذا ماكان هو العبد العدو.. فكان يشهر سيفه في وجه الملك، لتتحول اللعبة إلى ساحة منافسة كبيرة، يقلقني العرق المتساقط من تلك الأجساد الصغيرة الضئيلة.. وتخيفني نظراتهما الحادة لبعضهم البعض.. أنهما في حربٍ حقيقية.. كرجال كبار محملين بثورات حمراء قديمة!!
ولو كنت أنا الفارس وتعاركت من أجل الأميرة.. التي لا أعرف أي من الصبايا ستأخذ دورها.. لربما قلتّ حدة العراك والصراع.. كل ماهنالك أنها مجرد لعبة.. ليس اكثر من ذلك!!
كان "يوسف" هو الملك دائماً.. رغم قصر قامته وعمره الذي لم يتعدى السبعة أعوام..
أحب هتلر.. ووضع صورته على خزانة ملابسه.. وحينما رأى والده صورة هتلر.. ضحك حتى تحولت الصورة إلى قصة تتداولها العائلة وتضحك عليها.. ولم يتنّبه إلى أن هذا الصغير.. قد أحب هتلر ليكون مثله!
وحدّي أنا من أدركت حجم المعاناة التي سيعيشها هذا الصغير حينما يكبر!!
*******
تعاركت مع وسام زميلي في الجامعة.. ووصلنا للحد الذي لم نستطع فيه أن نتفق على أي موضوع.. حتى أننا قررنا أن نحضر فيلماً سوياً.. واختلفنا في كل شئ.. الوقت واليوم.. ولون أحذيتنا والطقس المحتمل ليوم السينما..!!
قبل دخولي إلى المحاضرة كان الوقت المتبقي خمسة عشر دقيقة.. تعاركنا خلالها خمس مرات.. كيف لنا أن نقطف التفاح من صدف البحر.. وفي النهاية تحدينا أن يكون الثالث القادم من خلف الأشجار مرتدياً دشداشة بيضاء.. والخاسر منا يشتري القهوة.
إذاً ستشترين القهوة.. هكذا صرخ وسام، أخرجت من محفظتي الجلدية فلساً، نظرت إليه وتذكرت الملك الصغير صاحب السيف البلاستيكي، الذي رمى بالفوطة على الأرض.. حينما طلبت منه أن استعير دورة.. في لعبة لعب دور الفارس فيها عشرات المرات، وحينما طلبت منه يوماً دوره.. رمى بتاريخنا الصغير، ورمقني بنظرة غاضبة، وتركني خجلى من هذياني المسرف، بالوجع لنفسي، ملوثة بالحقيقة والحب الذي كان ينمو بلا وعي منا في حجرات قلوبنا.
ملك أو كتابة..
أختاري انتِ ..
تعودّت على الكتابة..
إذاً لتكوني ملك هذه المرة..
هكذا قالها وسام مبتسماً..
رفعت الفلس في السماء وهوى في قبضة كفيّ..
لم أنظر لوسام، أعطيته الفلس ومضيت بعيداً عنه. صرخ ينادي اسمي.. لكني لم أكن أريد أن أسمع شيئاً .. أذكر أنه قال لي : سارة.. سارة.. ملك .. ملك..أنتِ الرابحة..
إلى أين تذهبين..؟!
كنت أقود نفسي بلا وعي.. تعلمت الغربة مع قلبي.. إن لغتي أصبحت أبدية هذه المرة.. ذهبت إلى كافتريا الجامعة لأشتري له القهوة..حتى لو كانت كتابة..
*******
اليوم انهيت أمتحان IT. جلس بجانبي جواد.. نظرت إلى أصابعه.. وجدت الدبلة تلف أصبعه الأيمن.. رائحته جميلة .. أنه يجلدني بلا سياط وبلا وجع، في حاجبيه ونظارته المودرن.. أغمضت عيني.. هطل مطر خفيف على الكي بورد.. وحينما حاولت أن اكتب اسمي .. شعرت بأني بحاجة إلى مظلة كبيرة... جاء الملك .. حط الملك..
وضع جواد يده مرتين على يدي خطئاً.. وتمنيت أن يخطأ في المرة الثالثة.. لم أنظر إليه وأنا اخرج بعد الأمتحان.. كانت الطاولة مستطيلة.. جلسنا ملتفين حولها.. أوراقي تختلط بأوراقه.. تبعني وأنا أسحب ظلي الليلي كبدوي ملئ بالهجرات خارج الصف.. وسام والملك وجواد.. كانوا يحلقون حولي.. كنت أنا النخلة البصراوية التي لم تفقد بصرها.. أطفئت شعلة العشق داخل قلبي.. وأوقدت الحريق الأزرق في علم الملك البدوي.. لم أنظر لجواد.. خلت أن قصتي تنتهي معه بعد المرة الثالثة.. ماذا لو أخطا..؟!
قبل أسبوعين ظهر الملك صاحب السيف البلاستيكي عبر قناة فضائية.. وهو يتسلم جائزة تفوقه الأعلامي من الشيخ الكبير.. بدا سعيداً لكنه لم يبتسم سوى مرة واحدة.. تخيلته بالفوطة البيضاء.. والقميص الصغير.. وحذائه النظيف.. كان هتلر دائماً.. وكان هو الملك وهو يتسلم جائزته الكبيرة من الشيخ.. الذي بدا فخوراً وهو يصافحة..
جواد.. أيها الحصان لا تحتضر قبل أن أذهب..
يوسف..لا يزال هو الملك..
وأنا أظن أني سأبقى "كتابة"..!!









































04 يونيو, 2007 04:48 م