
يسند رأسه البارد على ذراعي، فيخلق مني مدينتين وملك عظيم ينتظر لحظة تتويجه، لأجله أحببت أغانيcountry music التي أحبَها بشغف، ولم أكن أستسيغها قبل أن أعرفه، أشياء كثيرة في حياتنا تتغير تبعاً لأمزجة الطرف الآخر الذي يشاركنا حياتنا العاطفية، ليس فقط أمزجتنا، إنما حتى التفاصيل الشكلية الخارجية، يحب لون الشعر أحمر فنسارع بتغيير لونه، يحب أغاني الوطنية الأمريكية، فنترك الراب ونهيم في البحث عن ما يعجبه، دائماً نلغي هويتنا سريعاً، بمجرد وقوعنا في شرك أي علاقة، ونتمنى أن تكون دائماً هي المرحلة الأخيرة من عواطفنا، حتى لو اكتشفنا في منتصفها أن هذا الشخص لا يليق أبداً في البقاء في حياتنا، نأمل دائماً على مبدأ الواقعية والقدر، ونظن أن قدرنا قد أرفق معه، فنستكين حتى لتناقضاته اللامعقولة.
وأنا كنت سعيدة بالتمازج الدافئ مع شخصيتي، ها أنذا كرغوة الصابون أو رغوة الكبتشينو، لكني كنت أريد من يأتي ليجبرني على تغيير جزء من يومياتي، هوسي الكبير بنفسي، استمتاعي اللامعقول بطيارات الورق، خاصة عند محاذاة البحر، أضواء النيون وأعلانات طريق الجسر، رائحة الشاورما في الدكاكين الصغيرة، صوت قاطارات الشحن، وتلوين أظافري، وسماع كل قصص ابنة الجيران عن أشياء لا تهمني معرفتها أو حتى الوقوف عليها، وحتى عن قصص طفولتي التي لم أعد أحبها مطلقاً، لأني لم أكن أجد نفسي بها، كنت أريد مزيداً من الحياة، مزيداً من فقاعات الصابون، ومزيداً من الجنون!!
كنت أريد أن أتورط في علاقة عاطفية، تجبرني على النوم متأخراً، والأفراط في تناول البوظة، وتغيير لون صنادلي الصيفية، ومراقبة الرجل ذو البشرة الذهبية، كنت أنتظر من يمزق قلبي، فيخيفني أخفاء الحقائق عنه، موعد خروجي، المسجات التي تصل إلى هاتفي الخلوي، الأصدقاء الذين يلجئون لي وقت المحن. وجاء بلال وأنا من فتحت له الباب، لأني كنت أنتظر رجلاً مثله، أستسلم لكل أحاديثه عن السينما، وعن رغبتي في التمثيل كما هي عادتي، حدثني عن أخته التي تزوجت وانتقلت بعيداً برفقة زوجها إلى الصين الشعبية، وعن رغبته في أن تكون سعيدة فهذه هي التجربة الثانية لها، حدثني عن الجارات اللاتي يتدفقن بشكل مستمر إلى بيتهم فيحولن صباحات والدته إلى حياة أخرى، تغنيها عن غيابه هو وأخيه فؤاد، كل تلك الأشياء الصغيرة جمعتني ببلال، حتى وصلت أن حدثته طويلاً عن جامعتي في البحرين، وعن أساتذتي وعن مشاكلي التي تحدث دائماً مع طالب يكبرنا جميعاً في العمر، لكنه سعي لكي يكون مقدماً للنشرة الجوية في التلفزيون، ومن يومها وهو ينظر إلينا وكأننا لسنا كائنات بشرية، حدث صراع بيني وبينه في صف التلفزيون، وعلى صوته، وفجأة وجدتني في كل محاضرة قبالته، وإذا أراد أن يستشهد على ما أقوله، فأنه ينظر على السماء في محاولة تمثيلية منه لمعرفة أسمي، فتصيبني تصرفاته بالضحك حتى البكاء، تضحكني تصرفات بعض الطلبة، وأكثرها تصرفات الطالبات، حدثته عن شعوري بالفراغ بعد تخرج صديقتي "البحرانية"، وهي أقرب الصديقات لي، طبطب على كتفي طويلاً، ليقول لي، أنني مغرمة بشي أسمه صداقة، لم يكن يعرف أنني أحب أن يكون الآخرين في حياتي، أكثر من وجودي في حياة نفسي.
الآن في هذه السهرة برفقة صديقاتي اللاتي لا يعلمن كم ترك بلال في قلبي فراغاً هائلاً حينما غاب. كنت أتذكره وأنا أمسك المايك وأحرك جسدي بأعجوبة، أتمازج بفكاهة غريبة مع الكلمات، فتصفق الصديقات لي وهن يوزعن ضحكاتهن على بعضهن البعض، كنت أنا سارة بلون آخر، وبمزاج أكثر سخونة، سافر بلال ولم أرد أن أربط حياتي به، قدم إلى بعثه ليكمل دراسته، وحصل عليها وقد كنت متوقعة ذلك، التقينا في مقهى جميل في العدلية، وهي واحدة من أهم المناطق في البحرين، تنتشر فيها الكثير من البيوت التي تحولت إلى مقاهي جميلة ومتميزة. أختار هو المقهى، وجلب معه قبعة الكابوي التي أحتفظ بها منذ عامين، أهداها له فؤاد حينما كان عائداً من أمريكا، وقد أعجبت بها حالما رأيته يعتمرها في أحدى الصور.
جلسنا في المقهى الذي لم يسبق لي التعرف عليه، كان على الطراز المغاربي، جميل وساكن، جلسنا على مقاعد أرضيه ملونه، احتسينا الشاي الأخضر، وأكلنا طاجن باللحم، وضحكنا وتسلينا في الحديث عن الطريقة التي أصبح بها ممثلة سينمائية، نظر إلي وقال سريعاً، "أظن أن عليّ أن أتقدم للزواج منك حتى تتحقق كل أمنياتك"!
فاجئني حديثه، لكني لم أكن أريد أن أتورط أكثر من اللازم معه، بدأت الصور تتدافع على رأسي، قلت له أن الوقت لا يزال مبكراً وأن عليه أن يسافر بلا مسئوليات، وهناك حينما يستقر، كلانا سيعرف مقدار أهمية كل واحد في قلبه.
انتهى الليل .. انتهى لقاءنا، حالما ألبسني قبعة الكابوي، وقبلة عميق على خدي الأيمن وجبيني. ومضى بعيداً عن حياتي، لا تزال إيميلاته تملئ بريدي الالكتروني، خّلف بلال فراغاً كبيراً في مشاعري، كان يجبرني على أشياء، وكنت أصيغ السمع لكل أوامره، لأني كنت أريد من يغير لي حياتي ويبدلها، رغم أني لم أشكو مرة واحدة أو أتذمر منها. لكني كنت بحاجة إلى من يداعب مشاعري.
في تلك الليلة، لبست قبعة الكابوي وغنيت أجمل الأغاني التي يحبها، وضحكن الصديقات رغم أن حريقاً في قلبي لا يزال يشتعل، عادت حياتي إلى سكونها، عدت على حياتي وكأني لم أتركها أشهرا طويلة. كم رغبت أن يعرف أن وجوده في حياتي، أضاف الكثير خاصة إلى وحدتي التي بدأت أضجر منها في الجامعة. كنت أشتكي له من كل شئ، من أصوات الصديقات، ومن تأخر سائقي في الصباح، ومن السكر الزائد في القهوة, وحتى حينما أحلم في منتصف الليل بكوابيس أو أحلام ناقصة، كنت أّرن على هاتفه فيقوم مفزوعاً ليستمع إلى سيرة أحلامي.
سافر وحيداً قلت له أن لا يرتبط بي، وأن يصاحب الفتيات ويواعدهن وأن لا يشعر بمسئولية تجاه مشاعري، أردت أن يتحرر من وجودي في حياته، وخلت أني سأكتفي بأشرطة أغاني الكونتري، وبقبعة الكابوي!





























14 مايو, 2007 04:39 م