
للتو عدت من بيت الدكتور خالد أستاذ المسرح، بعد أن علمت برجوعة من السفر، قررت أنا وزميلي مفاجئته، تحدثت إلى زوجته السويدية، التي كانت سعيدة برغبتي في زيارة زوجها بل ومفاجئته ايضاً، سبقت زميلي عبدالله في الذهاب إلى هناك، ولم أتحمس كثيراً لأنتظاره!!
وفي بيت الدكتور خالد، خرجت لي زوجته عند باب الحديقة، ترتدي مريلة البيت، مرسوم عليها ملاعق ومغرفة كبيرة، وزهور صغيرة لونها أصفر، شدتني مريلتها السماوية القصيرة، سيقانها الضئيلة، شعرها الأصفر القصير، وبطيبة متناهية وعذوبة شديدة، أرشدتني إلى الصالة.
"لم يكن قد حضر إلى البيت منذ ساعة خروجه" هكذا حدثتني ورجتني أن لا أتكلف وأن أفعل مايحلو لي بالبيت، حتى يعود الدكتور خالد من مكتب الوكالة الفرنسية التي دعته للحوار، ولكنه تأخر بعض الشئ عن الحضور. كانت تعد الطعام له، أشم رائحة الصلصة، وأعرف أنها تقطع اللحم وتسلق المكرونة، كل طقوسها في المطبخ، تأتي في رأسي، حتى حركات أقدامها أكاد أشعر بها في قلبي.
أخذت أتجول في البيت الصغير، بدا لي أنه عبارة عن علبة كبريت صغيرة، للحد الذي أدركت فيه إن بيتي الذي أعيش فيه، قصرََُُ كبير لا يسع حتى لقلبي، صوت الموسيقى تخرج من المطبخ، موسيقى عظيمة تسمعها سيدة تتسلق عتمة ضوء المسرح القديم، كل ما أستطيع رؤيته هي ظلال الزوجة وهي تتحرك بسيمفونية عجيبة، لا يمكنني إلا أن اعيش داخل تلك التفاصيل من يرقص مع من، وهل صيغت هذه السيمفونية لهذه الزوجة العذبة أم لا؟ تضع أمي دائماً الراديو في المطبخ، فتصيخ السمع لفتاوي الشيوخ الغريبة، أضحك على أمي، وعلى الأسئلة التي لايزال الناس يكررونها بلا ملل أو ضجر، مثل تلك الفتاة التي طلبت نصيحة من الشيخ، فقد كانت في طفولتها تعذب الحيوانات الصغيرة، حتى شنقهم، وحينما كبرت شعرت بأنها أخطأت كثيراً، لأرتباكها مجازر بحق الحيوانات التي تصادفهم في طريقها، والآن تطلب المشورة، أضحك ملئ فمي على حماقات البشر، أنهم يطلبون الغفران بعد إرتكابها، وكأنهم حينما يسألون، يسقط الذنب من على أجسادهم النتنه!
خطوت خطوتين بسيطتين، حتى تعمدت أن اصل إلى مكتب الدكتور خالد، رأيت فوضويته بها، جنونه، ملله الذي يحدثني عنه، نائماً فوق كرسيه الجلدي، أنواع التبغ الموضوع فوق الطاولة الخشبية، كتبه التي تملأ جدران غرفة مكتبه، صور كثيرة معلقة على الحيطان، تطلعت جيداً وجدتني بواحدة من تلك الصور، ملتصقة به، مشرعة فمي لألف ضحكة، ورأسي مشغولة بأشياء كثيرة، أتذكرها الآن جيداً، مشكلتي هي ذاكرتي التي لا يمكنها أن تنطفئ. عدت إلى طاولة التبغ، وتخيلت صورة الدكتور خالد وهو يضع البايب في فمه، ويمسك طرفها بأصابعه بدقة شديدة، أخذت البايب ووضعته في فمي، أعدت ظهري، وجدت الدكتور خالد ينظر إليّ مبتسماً، لم أرفع البايب من فمي، وقلت له بطريقته المسرحية التي تعودناها عليه في الصف: اهلاً وسهلاً!!
جاء زميلي، كنت أتمنى أن امضي الوقت كله وحيدة برفقة الدكتور خالد، دون أن يشاركني فيه أحد، حتى لو كان عبدالله حميد، سألني عن أخباري وقصصي، أبتسمت له إبتسامة عريضة، حتى غارت عيناي، حينما أكون مبتهجة ألوك اللغة كطفل صغير، قلت له أشياء كثيرة حلوة أعرف أنه يحبها، ولا أعرف لماذا ترددت أن أخبره عن بعض الأحاديث، التي دارت حولي خلال الأسبوعيين الماضيين في أحدى الصفوف الدراسية، لمعرفتي أنه سوف يغضب وبقوة، وتساءلت لماذا يدفعني الدكتور خالد لأن أخفي عليه أخطائي ويدعني أمضي الليل كله أسرد له إنتصاراتي، لكني أخبرته عن صباح اليوم، حينما قدمت لنا في المحاضرة، ورقة تقييم دكتور المادة، وزع الدكتور الأوراق، وطلب منا تعبئتها بتلوين الفقرات المختارة، هناك أختيار للجنس ذكر أو أنثى، قلت للدكتور المشرف على توزيع الأوراق وأنا أرفع رأسي، سأضع ذكر في خانة الجنس، ضحك ومضى يوزع بقية الأوراق، وحينما أنتهيت من التقييم، سلمت الورقة لأستاذي الذي رفع كلا حاجبية، لقد وضعت ذكر كما سبق وأن أخبرتة، سألني أية حياة تعيشينها؟ قلت للدكتور خالد، هي الحياة التي كنت أحلم بها!!
مد يده إلى وجهي ورسم شاربين فوق شفتي.. وقال لي، ها أنتِ الآن رجل، لكن قلبك سيظل يدق كأمرأة!!
وقفت نظرت إلى وجهي في المرآة، رأيت عبدالله يموت ضاحكاً علىّ، لكني ظللت لدقائق أنظر إلى شامتي وإلى فص الألماس الذي وضعته كالهنديات على طرف أنفي، إلى شفتي الممتلئتين، وفوقهما شاربي الذي صنعه لي الدكتور، أستدرت وقلت لهما، أحببت شكلي جداً، أشار الدكتور خالد إلى قلبه، وقال : مايهم هنا ياسارة هنا..إنتِ رجل حينما تريدين أن تكوني.. وأمرأة حينما لا تستطيعين أن تنجين من نفسك.. وتشعرين بالضعف..!!
كم مرة تمنيت أن اكون رجلاً، كثيراً.. كثيراً، وأكثر المرات التي أتوق بها إلى القيام بدور البطولة، ولأكن رجل ولو لمرة واحدة، حينما أهزم عاطفياً، لحظتها أحلم بأن اكون رجلاً طيباً ونبيلاً، فأحب كل النساء القبيحات والجميلات جداً، وأتزوج كل امرأة أحبتني من قلبها، وذراعها، ونبضها، ولونت لي أظافر قدميها، وقصت شعرها لأجلي، سأتزوجهن حتى لا تبكي واحدة منهن من ألم الفراق!
في ليالي طويلة كنت أعود بها إلى المنزل متأخرة، بت أقرب لأن أكون وحيدة أبوي، لا أحد يشاركني في المنزل الكبير ( الآن عاد أخي الصغير ليشاركني الحياة)، فصار الجميع لا يلوموني على تأخري، إنها تبحث عن رفقة، عن صديقات تسميهن شقيقات، أو إنها تبحث عن ظلالها حتى لاتغوص اكثر في وحدتها في البيت، هكذا أسمعهم يتكلمون، منذ طفولتي وأنا كل ما اسمعه عني لا أعيده أمامهم، بل لا أكرره مطلقاً، وأظل أتوجع وأتألم، وأزيل بقايا الشوك من على قلبي وقدمي، دون أن أصرخ ودون أن يشعر أحد بذلك، أجيد تمثيل دوري جيداً، فقدت حاسة السمع منذ زمن بعيد، كم مرة أصبت بتلوث بمعدتي حينما أسافر، لأتصل على استقبال الفندق الذي أسكنه، بعد منتصف الليل، يحضر الطبيب لي وأنا أتوعك، أتلوى، وأعتصر، وأفرغ كل مافي معدتي دون أن أفكر أن أدير رقم هاتف والديّ، لأخبرهما بمرضي الذي تعودت عليه كلما سافرت خارج وطني، بعد خروج الطبيب وبعد الأبرة التي أعتدت عليها في كل مرة أصاب بها بألم في معدتي، أغوص في نوم عميق، في اليوم التالي، أخبر عائلتي التي تكاد أن تصاب بالسكتة القلبية عن كل ماحدث في الليلة الماضية، هذه هي أنا، ولن أتغير، واتساءل إذا ماغامرت في الدخول في تجربة عاطفية، هل سأمارس مثل هذا الدور، الخوف من أن أصدر أي صوت يدل على ألمي، فأخشى عليهم أكثر مما أخشى على نفسي!!
أدخل إلى البيت وأمشي على أطراف أصابعي، واحياناً اطرق نافذة خادمات البيت المطلة على الحديقة، فيفتحن لي والضحكات تدغدغهن، لا أعرف مالذي يضحكهن، وأغضب لتلك الضحكات. أرمي عباءتي في أقرب ممر، وأتصرف كما أنني قد عدت منذ ساعاتٍ طويلة، أمسك علبة العصير وأشربها، وكأني أتيت من غرفتي إلى المطبخ، لأروي عطش حياتي، تضحك الخادمات وهن يرقبن تصرفاتي المحكمة، وأمي تقول لي إن ماينقصني هو شارب وعلبة دخان، كي أكون رجلاً، لكني لو كنت رجلُ يا أمي لأحبتني كل نساء الأرض!
عبدالله يتحدث عبر هاتفه الخلوي، فيدنوا دكتوري العزيز بجانبي، ويقول لي محركاً كتفي، هل من المعقول ياسارة ان تحلمي أن تكوني رجل، نعم يادكتور أتمنى ذلك، هل تعرف كم مرة طلبت من مبتهج زميلي بصف المسرح أن يعيرني قميصه؟ ولماذا قميصه؟ لا يمكنه أن يعيرني رأسه؟ ولماذا مابال رأس مبتهج رائعة ومدهشة. نعم لكنها مليئة بهاجس السرير وقمصان النوم، لذا أريد قمصانه لا رأسه؟ يهز كتفه بطريقة جميلة ليقول لي: كلنا هكذا.. حتى ونحن مع نساءنا نفكر بقمصان السيدات والآنسات.. هكذا خلقنا.. ليس لدينا مشكلة.
يغيب عقلي. ولكنها مشكلة بالنسبة لي، لأني لا أفكر بهذه الأمور، أشعر بأنها وقتيه، وأنا امرأة لا تهلكها رغباتها، قميص مبتهج يظل برأسي، ورائحة الدكتور خالد تدوخني، كم مرة تمنيت أن اكون صديقاً لا يغدر ولا يخون ولا يغار، هكذا هم الأصدقاء الرجال، مللت من غيرة الصديقات، ومن ضجر الآنسات، ومن الألم الذي يعصرني في معدتي كلما سافرت إلى خارج حدود وطني!
يوماً ما سأكون رجلاً.. وستحبني كل النساء.. وسأتزوجهن حتى لا يبكين على ألم الفراق!!
هكذا أقرر هذا الصباح.. حينما بكت على ذراعي ليلة البارحة ليلى!






















































28 ابريل, 2007 03:06 م