
التقيت بطارق صدفة في مكتب أسد القرشي، كان برفقته وعرّفني عليه، مررتُ على أسد لأخبره ببحث الجامعة الذي طلبة مني أستاذ السياحة، وأصّر على إنهاءه في أقرب فرصة، الوقت جميل، الشتاء قد بدأ ينفض أجنحته ليسافر بعيداً، بدأت أشتاق للحر، للصيف، للشواطئ التي تغسلني وأغسلها بقصصي التي لا تنتهي.
لم أكن أحب الصدف، وحينما التقيت بطارق أحببت تلك اللحظات، التي توقظ الماء في ثياب الصغار، فتخرج عن ألفة الظلال العشبية، وتخلق لنا ولهم عالماً آخر لنكتشفه، وتساءلت هل أنا محظوظة بلقاء شاب مثل طارق خارج حدود أطار قبيلتي، أم هو المحظوظ بلقائي، تحدثنا عن ربيع الثقافة الذي ستبدأ فعالياته في البحرين بعد أسبوع، اتفقنا على أشياء كثيرة، وأولها حضور حفلة مارسيل خليفة، قلت له لم يكن أسم خليفة يعجبني حتى أحببت فكر وغناء مارسيل، وبعدها أصبح لأسمه أمسية أحتفل بها كل مرة أسمع بها أهازيج حزنه القومي.
الأشياء الجميلة نلتقي بها سريعاً، كأن تبدأ الأشياء تربطنا ببعضنا البعض، كل الأشياء ذات التفاصيل الصغيرة، التي لا يتنبه إليها أحد، كأن تحصي حروف أسمك لتتطابق مع أسم الشخص الآخر، عدد السجائر التي يدخنها، والأحذية ذات اللون الواحد، وتتساءل إن كان مفتوناً بالسينما أو مشاهدة دوري بطولة التنس، وماهو طقس ضحكاته، إن كانت موسمية أم أنها تقع على خط الاستواء مباشرة.
أشترك مع طارق بأننا نرتدي بشكل مؤقت جهاز تقويم الأسنان، ونضحك حينما نحاول نزعه لنأكل، بينما ينغرز كعادته داخل لحم ألسنتنا، هل هذه كانت البداية، أم هي الأجواء التي صاحبت تعارفنا السريع، هل كان أسد يخطط لذلك، وهو اقرب الأصدقاء لي في الجامعة، بدأت أفكر بطارق أكثر مما أفكر بالامتحان، الذي عليّ أن أقوم بمراجعته، ولم يتبقى سوى يومين، وشعرت بالذنب وقليل من الأثم، بعد أسبوع من لقائي بطارق، بعث لي بمسج ليقول لي أشياء تضحكني، ضحكت على الرسالة الهاتفية ولا اعرف إذا ماكانت تستدعي الضحك أم إنني توهمت ذلك ( بعد فترة سأكتشف أن الرسالة كانت تسخر من قدمي أخ طارق الأصغر) ولكني أتذكر أنني سعدت برسالته، وبالتفكير بلقاءه في المقهى ذو الطاولات الخشبية، والستائر البنفسجية، الذي اعتدت الذهاب إليه برفقة زين كي نعلب الدمينو سوياً، كنت أكسبها وكانت هي تخسر، وحينما تخسر تكرهني، وأضحك أنا لقلبها الذي يستطيع أن يكره لمجرد الخسارة!!
بعد ساعة ونصف من انتهاء امتحان المنتصف لمادة التشريعات الإعلامية، ألتقيت بطارق في السادسة والنصف، في المقهى الذي أحببت كثيراً شاشاته التلفزيونية الكبيرة، التي تبث عليه أغاني منوعة، تسعدني احياناً الأستماع إليها حينما أكون وحيدة، وحينما لا اجد احداً يرافقني، لكني هذه المرة أتيت مع طارق، وتوقعت منه أن يسألني الكثير، عن البحرين وعن جامعتي، وعن الجسر الذي يهلكني المرور عليه، وعن حبة الخال التي تقع فوق شفتي، وعن أوقاتي الدراسية وربما عن ابي وأحوال صيف أمي، وشقتنا في بيروت، لكنه لم يسألني عن شئ، كان بحاجة لان يتكلم، كما أنه لم يتنبه للجارسونة التي بدأت ضئيلة الحجم، وظلت ترمقه بنظرات غريبة، لم يسألني عن أحوال الطقس، وعن الحذاء الجلدي الجديد الذي ورّم أصابع قدمي، بدا طارق مغايراً لما توقعته، حدثني عن اشياء كثيرة، وكأنه بذلك يحرر جسده من كل السموم التي تملئه، أرتشف قهوته رشفة واحدة، وبعدها ظلت قهوته ساكنة، حفظت قصصه تلك الليلة، شعرت بأن طارق سيكون قصة مهمة في حياتي، فلم اشأ أن أقاطعه عن سيرته التي وجدتها عادية، لكنه حينما تحدث عنها، لم يكن يراها مطلقاً عادية، بل كان مقتنع أنه يعيش حالة من عدم التوازن مع محيطه.
غيرّ طارق حديثه، سألني إذا ما كنت قد جئت إلى هذا المقهى من قبل، قررت أن لا أكذب عليه ، أن أخبره بأشياء أتسلى بالحديث عنها، لكنها لا تؤثر على حياتي، وربما لا تشكل علامة فارقة، قلت له أنني جئت إلى هنا برفقة أستاذي الذي درسني الفصل الدراسي الثاني "الصحافة المحلية"، وعلمني أن لا أخشى وحدتي، التي رافقت مع بداية دراستي بجامعة البحرين، شعرت بالكثير من الأنطواء الذي لم أعتده في وطني، لم أكن أريد أن أعقد صداقات مبكرة، سهلة وسريعة مع زميلاتي في الجامعة.
شغلني طول شعر الدكتور رشيد، وقميصة الأبيض المقلم، الذي اعتاد أن يلبسه مع اساور معدنية في معصمة، اكتشفت أنني اشبهه كثيراً، تفاجأ حينما جاء إلى الجامعة منذ ثلاثة اعوام، أنه لم يكن ليرى ذاته المتمردة في إحدى طلابه، تأثر حينما رآني احمل كتاب كلمات لسارتر، واسعده نقاشي عن حياته التي قضى منها خمسة أعوام في باريس متعلماً، وقبلها عامين في برلين، لم يحب أن يظل بعيداً عن "عروبيته" أو مهاجراً كما هو والده، واختار أن يأتي إلى البحرين محاضراً، وأحب البحرين منذ أن أخذه إحدى طلاب صفه إلى سوق السمك، قرر بعدها أن لا يترك البحرين، أخبرته إنني ايضاً أحب البحرين، رغم أني لم أزر سوق السمك الذي وقع في حبه.
تفاجأ طارق من صراحتي لكنه لم يكرهها مطلقاً، لم أكن أتكلم عن علاقتي بأستاذي رشيد بذلك القلق أو الخوف من الفضيحة، إنني أتكلم عن رجل أحببت أني اتفق مع رأسه ومع صباحاته السكرية.
فقط جئت مع أستاذ الصحافة رشيد؟
هذا سألني طارق، قلت له كنت مع زين قبل أمس، وتمنيت أن تكون معي بدلاً منها، فقد ظلت طيلة الوقت تمطرني بالنكات، والتعليقات الساذجة على فتيات المقهى، لم يكن يعرف طارق والذي سيكون لا حقاً من المقربين لي، أن الدكتور رشيد مرتبط بعلاقة عاطفية مع فتاة أحبها من أم فرنسية وأب تونسي، وانه لا يفكر كثيراً بأن يضغط على أمينة كي توافق على أن تلحق به حيث يكون، طلب منها الزواج قبل عامين تحديداُ، حينما اتي إلى البحرين مباشرة، شعر بان أمينة لابد أن تكون جزءاً هاماً في حياته، فلم يكن يتخيل أن يكون بعد المسافة مؤثرة به، إلى الحد الذي لم يعد يفكر أن تكون أمينة برفقة رجل غيره.
يتصل الدكتور رشيد ويطلب الزواج منها، بعد فترة تقول له أن عليها التفكير، فهي قد وجدت وظيفة جيدة في أحدى مؤسسات دور النشر الشهيرة في فرنسا، وظيفة جيدة وتليق بها، كما أنها تتناسب مع طموحها، وعليه أن يقرر إذا ماكان يريد العودة إلى باريس.
هل تريد العودة إلى باريس والزواج من أمينة؟
كنت اشرب قهوتي برفقته حيث كان يحدثني عن الوحدة والعزلة والقوة والصبر والنساء في برلين، ورحلته إلى براغ، وأمنيته أن يملك مسرحاً خاصاً به، ودار سينما، كان يحدثني ايضاً عن نفسي، دون أن يعلم، وكانت رأسي معلقة بأصابعه، أفكر بالوقت الذي سيرتدي فيه دبلة خطوبته، عرفت أنه يحبها، وكنت أنتظر أن يقول لي ذلك.
أشعر بأني الرجل المناسب لأمينة، وأنني قادر على أن اصنع لها تاريخاً يليق بنا، ربما لهذا طلبت منها الزواج؟ أنها تقتلني باللحاق بها، توقعت أنها من ستلحقني، وليس أنا!
بدا واجماً للغاية، شعرت أن العرق بدأ يتصبب من كل قطعة بجسده، وتساءلت كيف لأمينة أن تغلق عينيها عن قلبه. هكذا قلت لطارق الذي بدأ متحمساً لقصصي، وبدأ يدرك أن حياته التي حدثني عنها قبل قليل، لم تكن بطعم نكت زين أو قلب الدكتور رشيد.
التقيت بعد أسبوع بطارق في حفل مارسيل، وكان أسد قد سبقنا برفقة أصدقائه الكثر، في الحفل بدأت عيني تلتقط ظلال الدكتور رشيد، خلت أنني سأراه وكنت أريد أن أعرف مع من سيأتي، تورقني وحدته ويعشقها هو، أخبرتني صديقتي أنها رأت الدكتور رشيد، أتصلت عليه، وعرفت أنه جاء وحيداً، طلبت من طارق أن يسمح له بأن يقضي السهرة معنا، أكاد أرى صدمة طارق لم يتوقع أن تكون علاقتي بالدكتور رشيد بهذا التداخل العجيب والمتفرد، هل أحب طريقتي في الحديث معه؟ هل أحب قدرتي على وضع الحدود بيني وبينه؟ أم أنه خاف من جرأتي المبكرة، وخشي أن يبدو ضعيفا أمامي ( لاحقاً سأكتشف عكس كل ماتوقعت، طارق منفتح جداً في علاقاته مع الغرباء)، جاء الدكتور رشيد، متحرراً من كل مايظهره بأنه مجرد رجل أكاديمي، رأيته مجرد شاب يلحق أسرار حياته، ويريد أن يكشف قلبه، سّلم بحرارة جميلة على طارق، دفعت يدي بإتجاهه وسحبته ليجلس بجانبي، كنت أريد أن أحتويه في تلك الليلة التي غمرتنا جميعاً بالعاصفة الموسيقية، كلمات هامسة تجمعنا نحن الثلاثة، نضحك ونصيخ السمع لها.
أظهر الدكتور رشيد مدى رحابة روحه المرحه، غرقنا في الضحك أنا وطارق، وأحببنا وجوده، في لحظة واحدة غرق الدكتور رشيد في أحدى الأغنيات، وعرفت أن أمينة كانت هناك في قلبه، لم تغادره ولا لحظة واحدة، فصمت عن متابعة الحوار!
خرجنا بعد الأمسية الوقت بدا متأخراً، ترجلنا على أقدامنا قبل أن نعود إلى البيت، عشر دقائق أمضاها معنا، بعدها غادرنا حاملاً معه كل الأغنيات.. والزهور البيضاء.. وعتق الوطن.. وطحين خبز الأمهات، مد يده ليسلم علينا، أندفع بهدوء ليغمرني في حضنه، قائلاً:
شكراً لكما لقد نفضتما عني حزن طال أمده، ليبلغ ليلة البارحة ربع قرن، ومعكما شعرتُ بأني بدأت من جديد!
نظرت إليه وهو يحمل جسده بعيداً، هذه المرة أرى رجلاً آخر...
................................
.....................................




































09 ابريل, 2007 01:17 م