ألصقت على نافذة الكابينة التي أجلس بها، يمنع استخدام الهاتف النقال، وتدخين السجائر، عرفت ذلك من الأشارة الحمراء، وأغلقت هاتفي الخلوي. صغيرة أرتدي جاكيت جينز، وبنطلون قصير، وأمسك كتاباً باللغة الإنجليزية، عن الفنانة الهوليودية التي أحببت كثيراً أفلامها، كنت أعرف أنني أحتاج إليه خلال رحلتي في القطار، كان كتابها يتكلم عن علاقاتها الكثيرة مع الرجال، أنها تتكلم عن كل واحد عبر حياتها، وترك أثراً عميقاً فيها، أنها أيضاً تعبر عن سخطها من حياتها الشخصية في طفولتها، ومن التمثيل ومن الرموش الأصطناعية التي تضعهم دائماً فوق عينيها، ألم تقل في كتابها أن المنتج الذي أقام معها علاقة في عمر العشرين، كان يطلب منها حينما أحبها أن لا تخلع صندلها حتى وهي تنام بجانبه على السرير، وكنت هي تتلوع وتتألم ولكنها لم تكن إلا لتطيع رغباته الشاذة.
أحببت حديثها عن حياتها الخاصة، ورغبت أن اكون مثلها حينما أكبر، أن تكون لي تجاربي وأن لا أخشاها، بقيت أكثر في رأسي كفنانة جميلة، أرقب حضورها الدائم على شاشة السينما، وأتطلع لرؤيتها حينما تزور لندن في أستعراض لفيلمها الذي سيقرر عرضه قريباً.
كثيراً ماكنت أتمنى أن أكتب كتاباً عن يومياتي، التي بدأت أعتاد على سذاجتها، كنت أواعد شاباً كلما ضجر من حياته، أو أراد الهروب من موقف صعب، أستشهد بجمل من أفلام شاهدها، ووجدت الحياة مسليه معه، فكنت أحاول أن الجأ إلى هذه الطريقة بيني وبين نفسي الآن حينما كبرت وضجرت من تفاهة الصديقات.
كل تلك الصور تأتي كمشاهد سريعة، وأنا أجلس قبالة السيدة في القطار، الذي أقلني من المحطة العامة في باريس إلى مدينة رين، قطعت تذكرة درجة أولى، كي أستمتع بالهدوء بلا ضجر، وإكمال فصول سيرة الفنانة الهوليودية، أما سيدة القطار فأنشغلت بالغزل عبر سنارتين، كأنها تخيط قميصاً، أو ربما جورباً أو شالاً، شعرها غائم قصير يتدلى حتى كتفيها.
فتحت دفتري الجلدي الذي أدون فيه كل شي، عن الشاب الذي لم يتوانى عن تسليتي، وعن عشق كيمو صديقتي لأي شاب يملك سيارة حمراء سريعة، حاولت أن ادون كل التفاصيل الصغيرة عن هذه السيدة، التي كانت تنظر إليّ من خلال نظاراتها الزجاجية، كنت أرفع بصري تجاهها، وبخجلي المعتاد تجاه الغرباء، أعاود النظر سريعاً إلى دفتري!!
أستغرقت في القراءة، حتى شعرت بأني في لحظة سأتحول إلى فنانة، مصنوعة من ذراع الليل، ترتدي فساتين السهرة، وتغسل وجهها بالعطر، وتتحدث بلغة بطيئة. سمعت طرقاً جميلاً يحدثني، يعاتبني أو يلومني، إنها السيدة صاحبة الكور الصوفية، وأخيراً تكلمت، أخبرتني كيف لصغيرة مثلي، أن تقرأ مثل هذه الكتب، وأشارت بطرف عينيها إلى كتابي، الذي بدت أوراقه متسخة، كنت أقرأه وأنا أتناول غدائي وعشائي، وتساءلت إذا كان يحق لي أن أعبث برأسي بمثل تفاهات فنانات هوليود أم لا؟ تعجبت لأنها فرنسية وتتقن الحديث بالإنجليزية، ولو أنها ثقيلة، لكنها لم تخطئ في لفظ أي مفردة أو كلمة، أسرعت في الرد عليها، حتى لا تتوقف عن محادثتي، أخبرتها عن عشقي لهذه الفنانة، وعن أدائها الذي يسلب كل مشاعري، عن عينيها التي تعبر من خلالهما عن أدق مشاعرها، وعن إرتعاشاتي في بعض مشاهدها، حينما تركب دراجتها وتلاحق الهواء، قلت لها أيضاً أنه لا يهمني عدد الرجال الذين مروا في حياتها، كما يهمني أن أعرف كيف لهذه الفنانة التي سلبت مشاعري، منذ أن كنت في الثانية عشر، حينما مرضت أمي ذات يوم، وظللت أفرغ كل مافي معدتي، حتى خاف علي أخي الذي يكبرني كثيراً، كنا في البلد الأوروبي، وحاول أن يسري عليّ خوفي من مرض أمي، فصحبني إلى السينما، كي أخرج من كآبتي المبكرة، وهناك في صالة السينما اكتشفتها، وعرفت بعدها كيف تخرج الأسماك من فضاءها الواسع لتتكلم!!
بعد نصف ساعة من حديثها، عرفتُ أنها روائية وأن زوجها أمريكياً، ولكنه قبل سبعة أعوام قرر أن يترك نيويورك حيث كان يؤلف المسرحيات، بينما هي تكتشف شوارع نيويورك كل صباح في العاشرة والنصف، عبر باص أحمر مكشوف يلف بها كل طرق المدينة.
- لم أحب نيويورك مطلقاً!! هكذا أخبرتني وهي تزم شفتيها، شهقت.. من منا لا يحب هذه المدينة شديدة العصرية، قلت لها أني أحبها جداً لأنها تشبهني، وأني كثيراً ما أحببت التزلج يومياً هناك في سنترال بارك، وكنت أقول لصديقاتي دائماً، إنني سأقضي حياتي بها، حتى لو ذهبت إليها سباحة.
- كيف لم تحبي هذه المدينة؟ لقد وقعت في غرامها! رفعت حاجبيها، سألتني عن عمري، وكيف لفتاة بمثل عمري تقع في عشق مدينة مثل نيويورك!! قلت لها وأنا احاول أن امسح الروج من على شفتي، سبعة عشر.. عمري سبعة عشر، وعدلت طرف جاكيتي الجينز الضيق الذي أرتديته، وأكملت لها ذاهبة للجلوس عند صديقة لأمي، تعرفنا ونعرفها، ونعرف مزاجها ومزاحها وقصصها، ولون حقائبها السوداء، إن صديقة أمي لا تؤمن بأي لون للحقائب، تتساءل وهي تركض خلفنا أنا وأبنتها ليلى في فناء الفيلا الصغيرة جداً التي تسكنها مع زوجها رشدي المغربي، كيف يكون للحقائب ألواناً أخرى، أخبرتها ان السيد رشدي رجل رائع، وأحب فرنسا أكثر بعد حصوله على الجنسية، حكيت لها عن قصصي مع ليلى، التي طالما أحببت لون بشرتها وشعرها الأسود، وكثيراً ماضحكنا على خدوج أختها الصغرى، التي تعشق إرتداء الأساور الذهبية، في كل مرة أذهب بها إلى بيت السيدة إيزابيلا تمطرني بالقبلات وتقرصني بقوة، وأهرب منها وتظل تلاحقني طيلة الوقت، حتى خفت ذات مرة أن اكسر تلك المزهرية التي التقطت لي صورة مع ليلى ونحن نقف بجانبها، كانت ضخمة وجميلة يمكنك أن تتلمس زخارفها الجميلة، وضعت السيدة إيزابيلا صورتنا في صالونها الذي تدخل إليه الشمس.
أطيل النظر في وجه الروائية الستينية، تبدو شديدة الجمال حينما كانت صغيرة، بل لربما تكون مثيرة، تسألني عن هويتي، أحاول كأي فتاة في عمري، أن أختلق لنفسي شخصية أخرى، وقارة مختلفة، ولون من السكر لم أعتاده لكني رغبت فيه، إنني أجرب أن أكون شخصاً آخر، وطن زائف، وأسماً يتكأ على لحن قديم، أحب الموسيقى، وتصوير البط في البحيرة، ورسم قمصان البحارة، والتسكع عند بياعي الكتب القديمة، أخبرتها أن أسمي ليلي، كما هو أسم صديقتي التي سأصل إليهم، وبدأت في أختراع ماتبقى من الحكاية، حدثتني كثيراً من القصص الساحرة عن طفولتها التي عذبتني لأني لا أمتلكها، القرية الصغيرة في فرنسا، المدرسة والملابس القصيرة، وذهابها إلى العاصمة لحضور مؤتمر برفقة صديقتها، وهناك صديق صديقتها والذي كان على قدر من الطيبة، أمن لهما إمكانية الدخول لحضور مؤتمر للكاتب الأمريكي شارلز آريفنز، يأتي برفقته الشاب المسرحي النزق توم ديف هاك، فيعجب بها، ويقرر أن يمضي حياته معها، متجولاً، ساعياً، مكتشفاً ألف قارة وقارة، يكتب ويؤلف، وهي تغرف له الحب من الحديقة أو من الثلاجة، لم يرزقا بأطفال، ولم يفكرا ممن يكون السبب، لم ترغب هي بإجبار توم على ذلك، ولم يرغب توم بإيذاء مشاعر الروائية الفرنسية، والتي ستصدر ست روايات بعد ذلك، تحكي لي أدق التفاصيل الصعبة التي عاشتها في جنوب أفريقيا، حينما قام اللصوص السود بمهاجمة سيارة زوجها وإحتجازه في كيب تاون، وكيف أنها سقطت بلا وعي على الأرض وكادت أن تفقد حياتها، لكن الأمور عجلت في تحرير زوجها وذلك بعد تدخل سفارتي البلدين، وبعد إنتهاء الأزمة التي عبرتها، قررا أن يمضيا حياتهما لا يبتعدان أبداً.
تحدثنا كثيراً، أحببت أحادثيها التي تشبه السكر، كم أشتهيت أن اقص عليها حكاية أبنة عمي مشاعل، تلك الفتاة المجنونة، ربما ستجد أن سيرتها تنفع لكي تضعها في رواية جديدة، مشاعل ذات ليلة أتصلت بي لتقص عليّ آخر مغامراتها وهي تكاد تأكل نفسها من الضحك، أرتدت ثوب أخيها الذي يكبرها بعام واحد فقط، وذهبت برفقة أبنة خالتها التي تماثلها في العمر، وقاما بالأستيلاء على سيارة أب الأخيرة، وسياقتها في الشوارع الزراعية للقرية، وبعدها تمت مطاردتهما من قبل الشباب، الذين لمحوا بعض أعراض الأنوثة على الشابين الذين يقودان سيارتهما في وقت متأخر، حاولتا أن تتلثما، وقمن بسياقة السيارة بسرعة كبيرة، وهن يزرعن الضحكات، أسأل مشاعل هل خفتما، قالت لي، ولما نخاف؟ أنها تجربة وتستحق التضحية؟!
وها أنذا كل ما أفعله أن اجلس برفقة الروائية الفرنسية، أخجل من كتاب سيرة الفنانة التي أحبها، واظل أدافع عن غرامياتها، ورغبتها في الأنتحار طيلة حياتها، لماذا لا يترك الجميع لي حرية أن اختار الكتاب والفنانة التي أحب، وهاهي مشاعل في أقصى وطني، ترتدي ثوب أخيها، وتذهب لتمارس فعلاً جنونياً، وهي لا تخاف!!
تمنيت أن أقص على الروائية أحلامي الغريبة التي تأتيني كل مساء، أن اكون فنانة، أو صاحبة مقهى، أوزع الأبتسامات وازرع الورد على الطاولات، وذات مرة فكرت بحلم آخر، أن اكون جاسوسة، الصق شارباً أصطناعياً على وجهي، واعاكس الشقروات اللاتي يقعن في حبي مباشرة، من شدة غموضي ( لم أرى نفسي ولا مرة واحدة قادرة على إصطناع الغموض)!!
ماذا لو أنها سألتني أسئلة أخرى، لربما حظيت معها بوقت أجمل، من ذاك الذي تنتهي به على قراءة سيرة حياة فنانتي التي أحب!!














































20 مارس, 2007 11:50 ص