
اليوم الأربعاء 7 مارس، الوقت في ساعتي، الثانية وخمس وعشرين دقيقة، أجلس في صالة الضيوف، في المطار الخاص Privet aviation في مدينة الرياض، أستطيع أن أقول أنها تجربة مثيرة بالنسبة لي، أن أكون لأيام قليلة، في عاصمة وطني "الرياض". ما لذي يمكنني أن أضيفه إلى الرياض، أكثر من أن تكون مدينة الكباري، والسيارات المتنوعة، وأغاني "خالد عبد الرحمن"، وأصحاب مفتعلي الوسطية، ورواية بنات الرياض، والفيصلية وبرج المملكة، وسائقين التاكسي المنتشرين.
هل يمكنني أن أضيف شيئاً آخر إلى الرياض..!!
الجو ساخن، ومدينتي ترفح بالبرودة، أرتديت بلوفر أسود يسترني حتى رقبتي، قبلها أرسلت رسالة قصيرة إلى الصديق العزيز بندر، اسأله عن الطقس، لم أسأله سؤالاً آخر، اكتفيت بمعرفة أحوال الطقس، لم أكن ارغب في معرفة المزيد، أخبرني أن الجو يميل إلى الحرارة في النهار، ولطيف للغاية ليلاً، قلت وأنا تقتلني الدهشة، ربما أخطأ بندر في تقديرة، لم أبتلع ماكتبه بندر( مأساتي الشديدة دائماً تكمن في راسي)، في نهاية الأمر رضخت لعقل بندر، ووضعت قميصاً صيفياً لمجرد الاحتياط، وبلوفر آخر للمساء، في حال احتجت إلى المزيد من الملابس!
وصدق بندر.. لقد تفاجئت من الطقس الصيفي الذي سبقتنا به الرياض، يبدو أنها تستعجل الفصول.
في كل شارع كنت أعبره اسأل سائق التاكسي عن أسمه، شارع الملز، التخصصي، أم الحمام، والأربعين، كل هذه الشوارع سكنت رأسي بسبب رواية "ورده عبد الملك" الأوبة، فقد كانت في روايتها تتحدث عن الرياض، وأستغرفت في توصيف شوارعها بالتحديد، الم اقل لكم انها كاتبة بشوارب رجل، لكني فهمت الآن ما تعنيه في روايتها الغاضبة!
جئت إلى الرياض محملة بالخوف.. الشعور القاتم بالغربة فيها، الخوف من رجال الحسبة أو كما نسيمهم رجال الهيئة أو الشرطة الدينية، لذا اعتدلت في لبس عبائتي، خوفاً من القصص الكثيرة التي أسمعها، ولا أعرف مدى مصداقيتها!
في الرياض يراني الجميع بصورة مختلفة عن البقية، صغيرة في العمر، واثقة من نفسها، وتتحدث مع الجميع بلا خوف، الغربة والسفر المبكر، تزيح كرة الخوف من القلب، لا أشعر أبداً بالخوف من التحدث مع الغرباء، بل أنا مفرطة الثقة، لأن أتبادل الحوار دون أي شعور بالضجر، الذي يطمر مشاعر البعض.
أنا في عاصمة وطني، وأقول لنفسي، لو كنت في عاصمة أخرى، لما شعرت بهذا الخوف الذي يزاحمني، بالسؤال عن هويتي وعن وجود المحرم معي!
رغم أني كنت بصحبة أبنة عمي وأخيها، إلا أنه نظراً لصغر سنه، كنا نحن من نقوده بل وندفعه بكل ثقة ليتولى الكثير من المهام، حتى يعتاد على الرجولة الحقيقية، لا تلك الرجولة المزيفة التي تتلبس مع الكثير من رجالنا، الذي يجد أنه بمجرد السماح لزوجته لبعض حقوقها، أنها عليها أن تقدسه وتصلي لأجله، لأنه خالف البقية وأعطاها نصف الهواء لكي تشتمه!!
سألني مرة عبدالرحمن ضاحكاً وهو يقول لي مودعاً: سارة هذه المرة الثانية التي أسافر بها خارج السعودية؟ لست مثلك امرأة مسكونة بالسفر، أعترف أني أفتقده جداً بسبب سفره إلى تركيا. مازحته أكثر، وأنا أقول له: كم فقدت أشياء كثيرة يا عبد الرحمن!
رد عليّ بقوة الرجل الفخور بذاته: مثل ماذا؟
فقدت شعورك بالثقة في نفسك، دون الحاجة للأعتماد على القبيلة، أنت من تتولى مسئولية كل شئ يخصك، دون مساعدة أحد، وحتى خوفك الداخلي، فأنك تتقاسمه مع ذاتك وحدك، كل اللحظات التي تسكنك لا يمكنك أن تبوح بها، لذا تمجد القوة الداخلية فيك، وهذا ماحدث معي، بت لا أخشى شيئاً في السفر، أعرف المناطق الساخنة، والشوراع التي لا يمكنني أن اتواجد بها بعد العاشرة مساءً، الفنادق الرخيصة، والفنادق التي تلوم نفسك على دفع مئات النقود بها، الأشياء المهمة التي عليك أن تحملها معك، والأشياء التي يمكنك أن تجدها هناك، السفر مدرسة تعلمك التنظيم، ترتيب أولوياتك دائماً، اختيار أبسط وأسهل الأمور، وأخيراً يعلمك الصعلكة ليس فقط في الشوارع، وأنما الصعلكة الشخصية ايضاً.
حينما وصلت إلى الرياض، عرفت أهمية البحر، وأدركت سحر مدينتي البحرية، وحسدتُ نفسي طويلاً أني أسكن في مدينة بسيطة وجميلة، وساكنة باللطف والسحر معاً. فنادق الرياض كثيرة، وقريبة من بعضها البعض، وجدنا صعوبة في تأكيد حجزنا، فهي مليئة بالمؤتمرات والضيوف، وفي فندق الفيصلية تلقيت عروضاً كثيرة من الزوار الأجانب، كمحاولات كثيرة في دعوتنا كعائلة للجلوس معهم، والرغبة أكثر في التعرف علينا، وكانت معظم العروض من جنسيات لا تخطر على البال، يتحدثون اللغة الإنجليزية بصعوبة بعض الشئ، الشيء الذي تجده غالباً في كل دول الخليج البحرين ودبي الأغلب، كثرة الزوار من جنسيات أوروبية متعددة، وخليط غريب لا يخطر على البال، أن يكونوا هؤلاء سمعوا عن دول الخليج!
نصحني بندر وهو من أهالي الرياض، أن عليّ أن احضر معرض الكتاب، صديقي العزيز جداً د.مجد المسئول عن دار ورود كان هناك وقد عانى الكثير في معرض الكتاب خاصة بعد سرقة حقيبته، مما جعله في مزاج عكر وسئ، للقراء في أي معرض للكتاب أنصحكم بالتعرف على د.مجد فهي شخصية جميلة وفنان من الطراز الأول، وأخبروه أنني من دعوتكم للتعرف عليه!
لم أحضر معرض الكتاب، لأنني لم أكن أنا أو أبنة عمي نملك الوقت الكافي للتعرف على مدينة الرياض، والذهاب إلى السفارة الأمريكية للحصول على الفيزا بعد المقابلة، وهذا هو سبب زيارتنا إلى الرياض، ماعدا ذلك لم نكن لنقوم بزيارة الرياض!
في اليوم الثاني.. الأمر بدأ يسهل كثيراً، لم نجد أية مضايقات، أو معاكسات، أو حتى ملاحقة من رجال الدين، الأمور لا تزال طيبة وجيدة، ولكني كنت في زيارة إلى محلات "إيكيا" للأثاث السويدي برفقة أبنة عمي، حتى سمعت صبي صغير يقول لوالده وقد كانت رجل ملتحي، " والله العظيم يابوي يتكلمون زينا.. تراهم سعوديات"!!
عدم تغطية الوجه لم يكن امراً بعيداً عن بنات الرياض، لم نكن نغطي وجوهنا، ووجدت الكثيرات يفعلن ذلك، أما البقية فيبدو أنهن اعتدن على لبس البرقع المودرن.
الوقت يمضي سريعاً في الرياض، حتى أننا لم نعد إلى الفندق إلا في وقت متأخر من الليل، يمكنك أن تكتشف سحر الرياض بالليل، لكن غير ذلك فأنت لا تعرف شيئاً عنها، سوى من المتاجر والمقاهي ليس أكثر من ذلك، وكل الذين التقينا بهم في بهو الفندق لم يكونوا سوى اوروبين مندفعين بشكل مجنون للتعرف على المرأة السعودية، والجميل أنهم يقولون دائماً أن المرأة تبدو متفوقة على الرجل السعودي، وأنها بدأت تظهر وبقوة رغم كل الحصار على هويتها.
شيئاً آخر.. ألم يقل لكم أحداً، كم هم وسيمين شباب الرياض؟!
الشئ الملفت للأنتباه الأناقة الجميلة لشباب الرياض، والوسامة الواضحة، والسيارات الأنيقة، الصورة تركزت أكثر وأنا في بهو السفارة الأمريكية، حيث يحضر الكثير من الطلبة الحاصلين على بعثات إلى الولايات المتحدة للدراسة، الملامح البدوية الحادة مع بشرة فاتحة وشعر أسود غامق وطول فارع، هذا ما يتميز به شباب الرياض، لم أدخل في نقاش معهم، كل ماحدث تبادل التحيات، وطلب قلم لإكمال الأوراق والتوقيع عليها، والنظرات من "تحت" لتحت وبس!!
الهدف من زيارتي للرياض مع أبنة عمي وأخيها، هي إكمال إجرائتنا للحصول على فيزا سياحية، نظراً لأننا الوحيدين الذين تأخرنا في الحصول عليها، وكان لابد من سرعة إجراء المقابلة التي تطلبها السفارة من أي سعودي يرغب في زيارة بلدها، لذا قررنا أختيار موعد مبكر للغاية، قبل السفر الجميع أشار إلينا في أهمية الصور التي تطلبها منها السفارة، وهي أبراز الجبهة والشعر مع الأذن، لذا أخذت لنا الصور بحرفنه شديدة، وقد وجدت أعداداً هائلة تعود أدراجها من السفارة بسبب الصور، الملفت للأنتباه شاب صغير في العمربرفقته أما زوجته أو أخته، بدا منفعلاً وأحببت جداً قوة شخصيته المفرطة، حينما أصر على عدم إعادة الصور وقال لن أخسر ديني بسبب فيزا ولن تظهر( لم أتبين هوية من معه في حديثه) عن شعرها مطلقاً، وقال أريد أن اقابل المسئول، وتمت المقابلة وأخذت تشرح له، أن هذا نظام وهي لا تملك حياله إلا التنفيذ، بعد ربع ساعة من النقاش الحاد، رفض الشاب وتمسك برأيه، وقال الأذنين لا بأس، أما الشعر استحالة!
ومضى راجعاً..!!
السفارة الأمريكية جميلة، واسعة ومنظمة، وأحببت تفاصيلها وتنظيمها، أجريت لنا المقابلة، وأشاد المسئول عن مقابلتنا، أسئلة سهلة وبسيطة عليك أن تجيبها بثقة، سألني أحداهم هل سئلتِ عن 33 سؤال؟
قلت له: لم تتعدى الأسئلة العشر وكلها تتمحور حول مكان ولادتي، والمدينة التي أسكن بها، وما هو رأي بها؟!
تمت المقابلة بشكل سريع وجميل للغاية، الأمور في غاية التنظيم والترتيب، والناس تبدو مندفعة للسفر إلى امريكا، رغم كل ما قيل وما سيقال عنها؟!
الشئ الأكثر جمالاً، أنني حصلت على أعجاب شخصية هامة في السفارة، وقد أعطاني كرته الخاص وطلب مني أن لا أتردد في حال أن رغبت في أي مساعدة سواءً هنا في السفارة أو في أمريكا.... J
أخذوا جوازاتنا كي يضعوا التأشيرة بها، وستصل إلينا بعد أسبوع من تاريخ تسلمهم إياها!
وها أنذا أتهيا للعودة إلى مدينة الخبر، أكتب ملاحظاتي عن الرياض، التي خلتها مدينة أكثر من جميلة، وتنافس دبي في تطورها، ووجدت أن مدينتي هي من تنافس دبي لا الرياض والتي من المفترض أن تكون عاصمة تنافس عواصم الخليج!!
عليّ أن أعترف أن مملكة البحرين أكثر جمالاً من الرياض، وأكثر عصرية، وأكثر شعوراً بالتمدن رغم صغر مساحتها، إلا أنها عبارة عن مملكة ستكون يوماً ما، أجمل من قصور علاء الدين، يؤلمني رؤية المباني والشوارع النهارية بهذا الكم من القدم، أنها تحتاج إلى "عصرنة" سريعاً، والخروج من دائرة الجفاف!!












































13 مارس, 2007 08:09 م