
نجم والي..
روائي عراقي..
يعيش في المانيا..
قرأت له روايته "تل اللحم" وظللت أبحث عنه عاماً كاملاً، حتى اسأله عن بعض تفاصيل شخوص روايته!
حينما أقرأ تدخل حياتي في تفاصيل الكتاب.. وحينما أعيش داخل هوس الكاتب.. أبعثر تاريخي على عتبة أبطاله.
أفتش في رؤوس الكتاب والقصاصين والشعراء عن مايخبئونه تحت أنسجة كلماتهم.. ووالي واحداً من هؤلاء الذين وجدت ما أبحث عنه في كتاباتهم.
نص لوالي أعجبني.. ربما لأني أحب "نجم والي" وأحب مايكتبه!
لشبونة في نهاية كانون الأول (ديسمبر)، وفي أيام أعياد الميلاد بالذات تفوح برائحة دكاكين الحلويات، برائحة محال بيع القطن، برائحة مياه نهر التاج الرطبة. رطوبتها العسلية تصعد حتى الطرق الوعرة لحي «الفاما» حيث محال العِطارة الصغيرة، ومكتبات الكتب الرخيصة، وأكشاك بيع اللحوم والأسماك المملحة، التي تمتزج روائحها بروائح أخرى مختلفة. عبر الشراب اللذيذ، وعبر رائحة القهوة المحمصة، من الممكن، فجأة، أن تخطر في البال ذكرى قديمة، أو أسماء اختفت عادة في زوايا القلب الولهان، فتكتشف حينها في نفسك ذلك الطفل الذي كان يلعب في ميدان صغير، بعيد، هو الآن، شبيه ميادين هذه المدينة الساحرة. ربما هي الروائح التي يبعثها محل بيع التبغ، أو تلك التي تبعثها ورشة تصليح الدراجات، أو تلك التي تأتي من محل لبيع الفحم، تحملك على تذكر حب نسيته في مكان هو الآخر منسي. ليست هي المرة الأولى، في كل رحلة تكتشف رائحة ما خاصة، تشمها أنت وحدك، بين كل تلك الروائح التي تلون فضاء مدينة ما، هناك رائحة ما تعود إليك فقط، تظل عالقة في أنفك، مع مرور السنوات. نعم رائحة تعود إليك فقط، مفترضاً أنها شكلت روحك، قطعة، قطعة، على رغم أنها في معظم الأحيان حلوة جداً، وفي مرات عديدة أخرى مميتة.
أتخيل، كيف أن هذه المرأة الجالسة، المرأة المشلولة الحركة، جاءت وحيدة إلى لشبونة. وإذا كانت واقعة في حب فيرناندو بيسوا (من يستطيع مقاومة غوايته، من يجرؤ على رفض حبه؟)، فأنها زارت بالتأكيد أيضاً مقهى «مارتينو دار كادا»، حيث كان الشاعر العاشق، الذي أتعبته الضغائن والأيام، والذي أضنى قلبه المريض رفض مواطنيه «البرتغاليين» له ولما يكتبه، يشرب كأساً، تثمل حتى الهزال كي تبث في نفسه الحماسة (فقط حينها) ليتجاوز يأسه، وليبدأ بكتابة ما يُثقل صدره، أو ليملي ما تبقى عنده من عذاب على ذواته «المنقسمة» الأخرى، أصدقاء الروح: ريكاردو رايس، البيرتو كائيرو، الفارو كامبوس، فيرناندو سواريش، أنتونيو مورا، بيثنته كيديس، الكسندر سياج وسواهم... كي ينسى ولو للحظات قليلة وظيفته المملة (مترجماً في مكتب للمراسلات التجارية)، وليحلم بنفسه مثل أمير أزرق يرحل ليلاً عبر طريق مدينة «سينترا» البحرية، جالساً امام مقود سيارة شيفروليه، يحصل عند مرروه على قبلة طائرة في الهواء من فتاة «أضناها الوجد» هي الأخرى تحلم به (من قصيدة لبيسوا).
أقول لنفسي: لماذا لا تكون المرأة الجالسة عند بيسوا، امرأة آتية من بلاد يعرفها الله وحده (من غير المهم من تكون)، قد جالت أمس، أو اليوم عبر شوارع لشبونة وأزقتها من دون هدف معين، وأحست بين كل روائح الأعشاب والبهارات رائحة تصعد فجأة إلى أنفها، رائحة جسد عار و «عرقان»، يسكب الحب قطرة قطرة، جسد برز للعيان من عمق البنسيون حيث عاشت منذ زمن قديم حباً كبيراً نهايته دموع وداع. وهي رائحة بيسوا التي تغلف هواء المدينة، مدينة لشبونة، جعلتها تفيق إلى نفسها مرة أخرى، وكمن احتسى شراباً حلواً قوياً، مثل ذلك الذي كان يشربه بيسوا، فائدته تُمنح فقط لصفوة مختارة قليلة. استطاعت المرأة، وقد ساعدتها رائحة بيسوا التي تغلف فضاء مدينة المدينة، على العودة الى الحياة من دون أن تنتهي بتحطيم نفسها عند شرفة المقهى البرازيلي، كي تظل هنا بعد تحولها إلى تمثال، وحدها معه، مع فيرناندو بيسوا، عيناها مفعمتان بالميلانكوليا. «الواقع ليس في حاجة اليّ». في شكلها الذي اتخذ شكل التمثال البرونزي للشاعر تبدو المرأة جالسة وهي تفكر في كلمات بيسوا تلك.




















20 فبراير, 2007 09:49 ص