
حضر المخرج البولندي إلى البحرين، ليومين فقط، أتصل بي، لم أكن على علم بوصوله، وربما لم يعلم هو بسير رحلته، لكن المخرج الذي شاهدت له عرضاً مهيباً في لندن عام 2004 ومن يومها وأنا آلاحقه، وأحب هو أن تلاحقه فتاة شرقية مجنونة مثلي، أكتب له رسائل من كعب الآنسات الصغيرات، اللاتي يتعمدن الدلال على ساحة الحرية، أغرقها برائحة الوطن المعبأ بسكر اللغة، ونشيد الصباح، بصوت وأجراس مساءات الليل العربية، بطعم القهوة، وفستان راقصة ذهبي اللون، نسيته على طاولة فندق صغير، في التاسعة والربع من كل مساء أنتظر رسائل بريدي الوارد، وساقاي تضربان الكرسي من قلق الأنتظار، أتحسب لثغة جنونة، فهو حينما يبدأ في الكتابة لا ينتهي، يعرج الطرقات، يخرج من حديقة رأسه، سماوات زرقاء، وأحذية بلون البنفسج، صغيرة وكبيرة، وفراشات تولد للتو على أصابع كفيه، أنه يشبهني.. أنه أنا في كل الأحوال!.
التقيته مره في باريس وأمضينا وقتاً جميلاً، حدثني بلغة أنجليزية ركيكة، حاول مراراً أن يبتلعها، بشطارة تلميذ في الصف الرابع، عن عالمه المسرحي، يشرب سجائره بطريقة شديدة التميز، يمزها من طرف شفته اليسرى، وينفخ الهواء ويغلق نصف عينه، فتسمع صوت خشخشة صدره بينما الدخان يخرج منه، يرتدي اربطة جميلة يعلقها على يده اليسرى، قمصانه مفتوحه حتى منتصفها، وسلسلة من الفضة يعلقها على رقبته، هذا الرجل البولندي تاريخاً حاولت تفصيله على مقاس جنوني، فكان أكبر من كل خيالاتي وتصوراتي.
أبديت قلقي عليه، وفزعت من سريري، أضئت الأباجورة، وقررت أن اجلس على طرف سريري، أفكر فيه وبصوته، وبجنونه، وبكل الكلمات التي أكاد لا أستطيع سماعها، فهمت منه، أنه متعب ومرهق ولكنه سعيد أن يسمع صوتي، سكت وأشفقت على آلمه، أعاد عليّ أن كان قد أزعجني بهذا الوقت، برر ذلك، انه لم يكن يأتيه النوم أن لم يتصل بي ليطمئن على جنوني، ويتأكد أنني لازلت في مدينتي، لقد جاء فجأة على الأقل بالنسبة لي، وأنه لم يكن يتصور أن لا يخبرني بذلك ولكنها الظروف، وسمعت صوت آه بعيدة، يكاد يعصر بطنه من التعب والمرض، صوته كان دافئاً للدرجة التي لم اكن أريد بعدها أن يتوقف عن الحديث معي، أنني استريح على نبضه وعلى شعوره الذي يغرقني.
أمضيت ساعة كاملة معه، قرر أن يخرج بصحبة بعض رفقائه الذين جاءو برفقته، أقرب أصدقائه وهو "ليخ رجل أعمال حضر أيضاً معه، ولديه الكثير من الأعمال التي عليه أن ينجزها في البحرين، لا يعرف Boroviec إذا كان هذا البلد الصغير، قادر على رؤيته من شرفه نافذة فندق ميركيور الذي يسكنه، أخبرني انه سيبحث هذه الليلة عن اعلى بناية، ويذهب برفقة بابلوو تريرا إليها وينظر إلى البحرين، من خلال منظاره المكبر الذي كان برفقته منذ أن كان في عمر السابعة، كان جده قد أهداه إليه، وحينما ينظر فيه، فأنه لا يرى فقط المشهد الذي أمامه، أنما يرى صبياً أشقراً يقفز ببنطلونه القصير، وقميصه اللطيف، محلقاً تجاه السماء، يتذكر مورينو أنه ذات مرة قرر أن يتسلق الشجرة ليصل للقمر، ينام هناك لليلة واحدة، لم أكن طماعاً ايتها الفتاة الشرقية، كنت أريد أن أنام لليلة واحدة ستكون كافية بالنسبة لي، لم أجد رجلاً بمثل جنونه، ولا مثل حسن مظهره المسرحي، كان جميلاً وحذاباً وحنوناً وقليلة هي أحلامه رغم جنونه، أبطاله لا ينامون في مسرحه، إنما هم يمثلون النهار كله، ويعملون الليل كله على خرق أنسجة عقول المشاهدين، فكّر مرة أن يقوم بعرض مسرحية، ينام فيه الأبطال كلما أحبو، وكلما نبتت في الحقل أغنية، أو كلما ضربوا موعداً مع عشيقاتهم، كان يحكي قصص مسرحه، يسألني عن ذاك النص وتلك القصة، يحكي لي دائماً ويبعد ناظرية عني، التقيته مرة بترتيب في القاهرة، وجن بها كما لم يجن مرة واحدة في حياته، ذهبنا إلى قهوة الفيشاوي، ولم يشعر ولا لحظة واحدة بالغربة أو بالخوف، أخبرني أنه لم يكن أكثر سعادة، مثل هذه اللحظة التي أمضينا الوقت فيها في خان الخليلي، الساعة تقارب الواحدة والنصف، طلبنا شاياً ونعناعاً وشيشة دخنها وقال لي سارة أنا الليلة حر.. أنا الليلة عربي جامح، مجنون بفتاة نصف شرقية ونصف أوروبية، أنا اليوم بوطن ويمكن لأبطالي أن يناموا، التقطنا صوراً، اشترى طربوشاً ولبسه، وأشتريت أيشارباً ووضعته على رأسي كان ذلك في نيسان الحادي والعشرين من عام 2005 الجو كان لطيفاً ورائعاً ومذهلاً، أخبرت الجرسون المصري الذي تعود على لقاء المشاهير، حتى لم يعد يفزع حينما أشرت إليه وقلت له هذا الرجل هو أهم مخرج أوروبي ( هكذا كنت أتصور، وهذا ماكنت أراه)، أشار إلى رجل لم أرى سوى نصف وجه، وقال لي: هذا الذي تشاهدينه أهم رجل في صناعة الموسيقى في سويسرا، يأتي في العام أربعة مرات إلى هنا، كي يدخن الأركيلة ويشرب شاياً وقهوة فقيرة.
إذا أنت لا تبهرك الصور كما تبهرني أنا.. ولا يبهرك هذا الأوروبي لأنك مللت من مصادقة المشاهير..ولكني أنا أتعذب من هذه الصور ومن هذه الألوان.. ومن الخروج المؤقت من قبيلتي، لأستقبال ضيف خارج عن حدود تخيل بنات عمومتي، الساكنات في قريتي البعيدة والتي لم تعد الآن قرية!!




























13 فبراير, 2007 01:34 م