وبت أتساءل..
هل ما عدت سارة التي تستطيع أن تحرك الكرة الأرضية بأصبع قدمها الصغيرة؟
هل فقدت حماقاتي والحب على أيقاع التانغو، وضحكاتي الزرقاء التي لا افقه كيف لي أن أعلنها بطريقة صحيحة، هل فقدت فعلاً بكارتي الأولى والثانية، وماعاد لي أي بكارة أستطيع أن انفضها من جديد!!
عرفت من سكرتيرته التي لم تدمن القهوة المُرة يوماً، لكنّ المفكر أعتاد على وجودها فوق طاولته في التاسعة صباح كل يوم، حتى وأن لم يتذوق طعم النوم في الليلة السابقة، وجود فنجان القهوة فوق مكتبه في الوقت المعتاد، يجعله يشعر بالنشوة الكبيرة وهي تتمدد داخل أوردته، التي حكى عن أنها دماء مسيحية. ذات دهشة طرق بقبضة يده الضئيلة على طاولة مكتبه الخشبية، وقال: ألم تتمعني مرة في أسمي، ولتسألي كيف أستطعت الحصول على مثل هذا الأسم إلا ليكن جدي مسيحي؟! خشيت أن أقول له انني لم أتمعن يوماً في أسمي، حتى استدل على مسميات حياتي، فلماذا أتمعن بأسمه وأنا أكتفي به، به فقط في حياتي دون أحد آخر!
لماذا كل الذين يدمنون على السجائر يصبحوا فلاسفة، أريد أن أكون مثله دون وجود شارب ولحية كثيفة مهملة على ذقني، أريد أن أكون فيلسوفة فتكرهني صديقاتي لأني بت أمنطق كل الأشياء، وأمي تصبح تبحث عن مقرئ جيد، كي ينفخ في صدري ويطرد كل الشياطين التي تعبث برأسي، وأصبح معقدة ومفرق شعري ينضخ بالبياض، وبعدها أفقد عقلي. كانت لدي صديقة مجنونة، لم ينقصها سوى أن نكتب على قميصها هنا العصفورية، كانت أمنيتها أن تكون أبنة رجل فرنسي، ذو أنف ضخم، وشعر أشقر، ويأكل الجبن الأبيض مخلوطاً بالنبيذ. صديقتي هذه تعشق السيارات الحمراء السبورت، وكانت لديها فلسفة غريبة تجاه السيارات الحمراء ومن يركبها، لكنها وللأسف كانت تخشى ركوبها، وكلما مرقت سيارة حمراء سبورت أمامنا في الطريق، تقص الكثير من القصص عن راكبها، حلمه وأمنياته، وتصر دائماً على أن راكبها يفتقد إلى وجود حب حقيقي في حياته، ولكني لم أملك في حياتي سيارة، وكنت أخشى أن ملكتها تكون حمراء، حدثتها مرة عن المطربة الشابة ذات الأنف اليوناني، كنت مغرمة بها وبفساتينها القصيرة التي ترتديها في حفلاتها الصيفية على شاطئ البحر، كانت شهية دائماً وهي تغني من قلبها، وأصبح الجميع يتنبأون بأنها ستموت مبكراً، إذا ظلت تعطل قلبها بالغناء به، وحينما طلقت الفنانة لمرتين، عرفت بالمصادفة أن الفنانة تركب سيارة حمراء سبورت، بكت صديقتي، وأمضت أياماً وحيدة في غرفتها، تتعلم فيها كيف تنفخ السجائر من صدرها، حينما أنتهت من بعثرتها، كانت قد أصبحت فيلسوفة، دون وجود سيارات حمراء، رغم أني من كنت مغرمة بالفنانة!
لكني هذه المرة أريد أن أكون مثله، هذا الذي أنتقل لخمسة أشهر إلى بيروت، ولم أعد أعرف طقسه ونصوص حياته، إلا من خلال الجرائد والصحف التي تكتب عنه، بعثت له برسالة قصيرة، لأنه لا يحب قراءة الرسائل الطويلة، قلت لها فيها "ألا تخاف على بيروت أن تتلوث أكثر من سجائرك، نحن أحق بتلويثها"، كنت أغازله بطريقتي، وكانت تدمع عيناي وأنا أنقر على الكيبورد، هل جربت أن تغازل رجل، دون أن تصرح له ما تشعر به في حقيقة مشاعرك!
البارحة .. بعث لي بمسج عبر هاتفي فشممت رائحة دخانة، وتذكرت قميصه الأسود، وتساءلت إذا ماكان يرتديه وهو يكتب لي رسالته، أنني أفكر بكل شيء، حتى بخاتمه الألماسي الذي يرتديه في أصبعه البنصر، هل كان يرن جرس شقته، وكان ينظر إلى الباب الخشبي، هل كان خوليو ينشد أغنياته بلكنة إسبانية لم تضيع رائحتها القديمة، هل كانت قدميه حافيتين أم انه يغطيهما بجوربه القطني الرمادي!
قرأت رسالته.. وكنت أنتظر صديقتي سارة التي تعرفت عليها مؤخراً وشعرت بالحظ السعيد، كانت تتحدث مع صديقها الذي تتباهى كثيراً بمحبته العميقة، وبأن قلبها عرف كيف له أن ينبض في مكانه الصحيح، منذ أن التقت بثابت عن طريق المصادفة، حينما كانا يجلسان متجاورين في سينما السيف، كان ثابت ينتظر صديقه، وكانت سارة تأكل نفسها في إنتظار أبنة عمها، كلاهما كان ضائعين، مغفلين بنكاية الأصدقاء، وأخيراً سقطا في الحب في آخر مشهد من الفيلم. كنت أرى ظلال ثابت لكني لم أتأمل ملامحه، كنت مشغولة في قراءة الرسالة التي وصلتني، وكدت اسأل سارة إذا ماكان ثابت يعرف أن التدخين يصيب الرأس بكثير من الحكم والموعظة، لكنها كانت مشغولة بترتيب قميصه، وبقطع خيط بدا بارزاً منه، ورأيتها وهي تشد الخيط الضئيل وتضعه في فمها، وتضحك.
" الحياة في بيروت جميلة، وأنا أبحث عن الجمال ربما لأني أفتقده، كوني دائماً رئتي النظيفة، فرئتي مدمرتين، أنها حرب قاسية، أنا أحتاج لأن أكون في بيروت أكثر من أي شيئاً آخر".
عجزت أن أرد على رسالته القصيرة، وبلعت ريقي الذي صب دفعة واحدة في فمي، خلت أنه لا ينتظر مني رداً، وأني أنا التي أحتاجه أكثر من بيروت التي أصبحت تغدر بالآخرين، تترك ثابت ثابت وتسير نحوي، وأنا أبلع ضيقي في أن يكون لسارة رجل، وأنا لا أملك إلا التفكير بصديقتي الفيلسوفة وسياراتها الحمراء، والمفكر الذي ترك وطنه لاجئاً بعلب سجائره إلى وطن لا يريد لاجئين غيره.
سارة التي قصت لي قصة ضحكت لأجلها، وقلت لها إذا لم تمانع أن نمر على أقرب سوبرماركت لنشتري علبه واحدة نتشارك بها، ضحكت مرة أخرى، أما أنا فتساءلت إذا ماكان تدخيني لسجائر تشبه سجائر المفكر ستدفعني لأن أتسلل من حياتي إلى حياة أخرى!









































18 نوفمبر, 2007 11:58 ص