وهو في ذات الوقت أخيها من الرضاعة. في القرية يلجأ الناس لرضاعة أبناء الآخرين، دون وعي ودون تقدير لمعنى الرضاعة، أنهم يرضعون الأطفال حينما يبكون، ويرضعونهم حينما يشعروا أن الأم لا تملك كفاية من الحليب، فتصبح القرية أخوة وأخوات، فيلجأو للزواج من القرى الأخرى، لكنهم يصابوا بالخيبة دائماً، إذ أنهم لا يريدون ذلك، يريدون أن يبقوا أخوة وأزواجاً أيضاً، فكرة المصاهرة من خارج الطين تشتتهم، تسلبهم حق المفاخرة والمباهاة بنسلهم، وكل قرية تظن نفسها وطناً آخر لا يشبه أحد، تماماً مثل فساتين العيد، من النادر أن تجد فستاناً يشبه الآخر، وكل فستان له قصة وحكاية، وكأن من أخاطه قصدك أنت بالذات ليكون لك وحدك!
وأمي حينما مات أخيها الذي يقاربها في العمر تماماً.. بكته من قلبها وكأنه ولد من رحمها..
صباح الثلاثاء أستيقظت حتى أصلي الفجر، لم أكن قد دخلت في غيبوبة النوم، كنت أشعر بالشفقة على جسده وهو موضوع بالثلاجة، وتساءلت هل سيشعر بالبرودة أو بالخوف من المكوث بها، " سألت مرة طبيبي في مرحلة ما من مرضي، إذا ماكنت أستشعر البرد وأنا في غيبوبة"، طبطب على كتفي وقال: تشعرين بالبرد والحر.. وستسمعين أصواتنا وكأنك معنا. تيبس لوني، جعدت أبتسامتي، قلت له وأنا ألجم بعثرتي: "لكني أخشى البرد يادكتور"!!
سمعت صوت أمي الباكي، ينشد أفضاله ويتغنى بصفاته، دون أن تعرف أنه فارق الحياة هذا المساء، جررت قدمي بصعوبة، وذهبت إلى المكان الذي تصلي به، كان من يقودني إليها حزنها البطئ، وتفكيري بالثلاجة والهواء البارد. ما أن رأتني حتى ووضعت يدها على قلبها، وقالت بصوت أشبه بالنحيب: هل مات؟!
نظرت إلى النافذة الكبيرة التي تقع خلفها، وقلت لها: لا.. لا يمكن أن يموت دون أن يستأذنك في الرحيل!
وطفرت الدموع من عينيها، أخذت تهذي وتتكلم بلا وعي، تماماً كما هي الأبرة التي تعطى لك، في حالة خلع أسنانك الخلفية، تشعر بكل المرارات المالحة، وخيانة الأصدقاء، ووجع الوقت وهو يداهمك دون مبرر، وحينما تكون كل الأشياء ضدك، وأنت تريدها أن تكون بقربك، وتذكرت حينما أصابت الحمى أمي قبل عامين، بدت جميلة جداً، توردت خديها وذابت كما هي الآن، تصلي لكنها غير واعية لما تقوله، إذ أنها من الحمى كان قلبها يفطر بين يديها، ولم نعرف سبب الحمى حتى الآن، إنما جاءتها على عين غرة، فاجأتها وهدمتها وعبثت بها لأيام. وهاهي الحمى تصيبها، الخوف من فقدان الأخ يقتلها يفتتها. سحبت قدمي منها، وعدت إلى فراشي، وغطيت رأسي كله وبكيت، فالأموات حينما يذهبون لا يعرفون مقدار الألم الذي يخلفونه بعد رحيلهم، أنهم يغادرونا لكن الألم يبقى لنا وحدنا.
أستيقظت على المنبة الذي أعتدت أن يكون مرتبطاً بإذاعة إف أم، خرج صوت المذيعة التي تدعي أنها طيبة وجميلة وكريمة مع مستمعيها، وأنها تحبهم كثيراً، وهي تستعطفهم بأن يتصلوا وأن يتركوا أعمالهم ودروسهم، لكي يتصلوا بها ويدلوا دلوهم في قضية غبية، تشبه ضحكتها وهي تنطق الأسماء المستعارة لمستمعيها.
فزعت من فراشي، وتذكرت أن أمي لم تعرف بعد، أن أخيها الذي رضع معها مات ليلة البارحة، أخذت كتبي وحقيبتي الكبيرة وغادرت المكان على عجل وكنت أنظر للساعة، وتساءلت أي الأوقات ستعرف أمي أنه مات؟ وهناك في الجامعة كنت أتصور شكل أمي، وهي تتلوع من الألم، وأتذكر حزنها الصباحي، وهي تعلن هزيمتها وحدادها. سألني الأستاذ عبد الغفور، إذا ما كنت أستطيع أن أفسر المعنى الذي قاله قبل دقائق، نظرت إليه، كان طويل وأصلع، ويرفع النظارة فوق رأسه، ويمسك القلم الفلوماستر بيده بعصبية، ويهز ركبته، بدلته رمادية وقميصه أبيض، لم يزرره بشكل جيد، كان ما ينقصه رائحة عطر، تشبه عطر أخي الصغير، الذي يصر على التطيب به بيروت، وكانت رائحة عطره تدوخني، وتعذبني في ذات الوقت، كنت أحلم برجل يضع نفس هذه الرائحة، لأقول له كم تبدو جذاباً، وكم تؤلمني رائحتك لو أفترقنا بعدها؟
الرائحة لها مصدر كبير في تحسن العلاقة بين الرجل والمرأة، وأستاذ الكتابة الإذاعية ينقصه أن يضع العطر كي أدوخ في وجود أنبساط ظلاله، دمعت عيناي، حاولت أن أحرك شفتي، حاولت أن أدفعه عني، لأقول له أمي يا أستاذي ستعيش بعد قليل لحظات صعبه، هناك دبيب من النمل سيجتاح جسدها، ألم تقل لي مرة وهي تفر من غرفة لغرفة حينما تذكرت والدتها، أنها تشعر أن النمل يسكن في شرايينها، حينما يهبط الضغط يصبح الجسم بحاجة إلى قوة دفاعية كبيرة وعميقة، لذا يبدأ الجسد في التنميل، وهو ما كانت تقصده أمي!
وأنا الآن حائرة، أنه يتكلم، يزبد، يرعد، يمطر، يتأفف، يشتمنى، يتهمني بالتقصير، وبأني بليدة وأهوى معاكسته في كل مرة اضع بها حقيبتي على الأرض، حتى إذا مامر يأرجح قدميه يتعثر بها، ولم أكن أفكر بذلك، لم أفكر أن يكون ولو لمرة واحدة، أن يكون محط أهتمامي أو حتى ينشغل تفكيري به، ولم استحسن التفكير إذا ماكان أستاذ جيد أم سئ مثل البقية، كان أستاذ تقليدي فقط، وكنت أنا طالبة لا أهواه ولا أخشى حضوره أو وجوده، أني أحاول أن ابعد جسدي عنه.
لم أسمع بقية ماقاله، أعطاني ظهره وخرج، أدركت بعدها أني كنت أبحلق به، وطفرت كل الدموع من عيني، عاد ومعه علبه كلينكس، وضعها على طاولة الكرسي الصغيرة البيضاء، والتي تفنن الطلبة في الكتابة عليها، أحنيت رأسي ومددت يدي بصعوبة لكي اسحب منديل واحد، وتساءلت هل يعرف أمي، أم يعرف خالي الذي غادر الحياة سريعاً، كان يمشي وبعدها أثقل في خطواته، ذهب زائراً المشفى، ليبقى فيها ويموت النهار الثاني، دون أن يكون أحد حوله، توقعت زوجته أن يأتيها في اليوم التالي، فطلبت من السائق أن يشتري الخضار، لتطبخ له البامية التي يحبها، وأنا أيضاً أحب البامية، وكنت أتصل على والدتي في طريق عودتي إلى البيت، حين اتأخر بعض المرات في الوقوف على الجسر، وأقول لها أريد ان اتغدا بامية؟! فتقول لي ضاحكة: تشبهين خالك؟
والآن لم يعد هناك من يشبهني أو أشبهه!
أنتهى الدرس.. ورفضت البقاء وقررت أن أمضي إلى البيت..
وفي الطريق أتصلت لكي أطمئن على والدتي، أخبرتني أبنة عمي وهي تبتلع دموعها أن الألم كان قاسياً مثل كل الناس الذين يرحلون عن حياتنا فجأة ودون تذكير، كان ألم والدتي كبيراً وعميقاً.
وماذا فعلت..؟
خرج صوتي يبحث عن نفسه، كنت لا أزال أحتفظ بالمناديل التي سحبتها من علبة الكلينكس التي وضعها الأستاذ عبد الغفور، مسحت دموعي التي خرجت من كل مكان، من أصابع يدي، ومن رأسي، وعيني، وحتى من روحي..
- لقد أنشدت شعراً يا سارة؟
مشيت طيلة الطريق أفكر بالحزن الذي بدأ يتعلم كيف يغتالنا، وبأمي التي أصبحت شاعرة، وبالأستاذ عبد الغفور، وبالبامية التي لن أعد أحبها.
اليوم الجمعة..
الساعة الواحدة وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل..
تأتي أمي من بيت أخيها، منكسة الرأس، تمر علي، وأرفع رأسي لها، لا أفتح فمي، وجهها أحمر ملئ بكل أنواع الألم، توقفت قليلاً وبعدها غادرتني إلى غرفة، أتخذتها مكاناً تبكي به وحدها دون وجود أحد، أنها تقابل غرفة مكتبي التي أجلس بها الآن أدون بها حياتي وتاريخي، وغداً سيأتي وسألتقي بصديقاتي في الجامعة، وبالأستاذ غفور، وسأبدا تدريجياً في نسيان الرجل الذي أشترك معه في حب البامية، أنها الحياة، مغامرة قصيرة لا أكثر، مثل المكائن التي قضيت بها ساعات في لاس فيغاس دون أن أتحرك.
غداً سيأتي وأمي لن تتحرر من رائحة أخيها الذي رحل !

















































05 نوفمبر, 2007 08:58 ص