
اليوم: الأربعاء 24 يناير..
قبل أن يدخل الدكتور وبرفقته مساعده لمراقبة قاعة الأمتحان، كنت قد ملئت القاعة بالسعادة، وزعت ضحكاتي على الجميع، وعلقت نجوماً صغيرة على أطراف قلقهم الفاحش، خربشت على أوراق الطلبة، الذين طاردوني بالشتائم ضاحكين، عبثت بعباءات الفتيات، أخذت قلماً ملوناً ضخماً، وبدأت أشخبط على أكفهن، ضاحكة، زاعقة، متفجرة بالأمل، مثل غيوم الشتاء.
الجميع منكب على المذاكرة ماعداي أنا، أقضم آخر ماتبقى من لوح شوكلا أشتريته منذ لحظة خروجي من المكتبة التي امضيت بها ساعات طويلة، أقاوم النعاس في قراءة آخر صفحات الملزمة التي عليّ مراجعتها. قرأتها وقاومت أشياء كثيرة، كأن أتحدث مع صديقتي غالية، أكثر الصديقات فتنة بعلم الأحلام، أزعجها برواية خيالية لحلم لم أحلمه، لكني أخترعته وأنا أضغط بأصابعي على رقم هاتفها، أعبث معها، ألون سكون صوتي الغارق في فضاء القصة، تفسر لي الحلم على حسب مزاجي أو مزاجها، ترددت في أيقاظها من قيلولتها المعتادة، أفكّر بأن أكمل قراءة كتاب "حب في السعودية" لإبراهيم بادي، لم يعجبني الكتاب، فهو عبارة عن فيلم جنسي مكتوب على ورق، أهتمت السيدة رنا أدريس مديرة دار الآداب اللبنانية للنشر، أن تعرف رأي في الرواية، أتصلت عليها لأتحدث معها في بعض الأمور، وحدثتني عن كتب الدار، وبالأخص كتاب "حب في السعودية"، يبدو أن الجميع مهتم بالمجتمع السعودي، أكثر من أهتمام أفراد مجتمعه به، أتحدث مع السيدة "رنا"، والتقط الكتاب ما أن أسمع أسمه، بدأت في قراءة بقية الرواية، التي وجدتها عبارة عن يوميات شاب أعزب يطارد الفتيات، أو هن يطاردنه لغرض البحث عن المتعة، بدت الرواية تسحقني وتلكمني بقوة في بعض مشاهدها الغارقة في الوحل الإنساني، كرهتها وقررت أن اكتب شيئاً لإبراهيم بادي، أو أن أتحدث معه عبر الهاتف، أقرر ماذا أقول له، فأتذكر أن علي أن اكتب كل ما أريد أن اقوله في ورقة صغيرة، وبعدها أرتب رأسي، وأرتب نهاراتي، التي بدأت تقذف نفسها من مظلات السيارات المارقة .
أتصّور حضور شياطيني في تلك اللحظة، وأنا أسوق الليل معي، حاملاً كل خيالاتي على دراجة صديق قديم، في طريقنا لجنتنا التي لم تعرف، أحفظ الطريق وكأنه أسمي وأسم أمي، أحفظ ملامحه، نبياً .. جميلاً..أرعناً..مختالاً..!!
بدأ الأمتحان، وبدأت أتلكع في قراءته، مرة ومرتين، كأن الأسئلة وضعت داخل وعاء كبير، أستحذيت ماتبقى مما علق بذاكرتي، لكني وجدت نفسي أنظر لشجرة تملئها تفاحات فاسدة، لا بأس.. تعيقني بعض المصطلحات الإعلامية، لكني أتذكرها، أسحبها سحباً من مآء ذاكرتي، وأوقعها في فخ الأجابة، تجلس على يميني طالبة لا أعرفها، لكنها تذكر أسمي، بس .. بس.. سارة .. سارة، توشوش لي، فأتجه صوبها، السؤال الأول المصطلحات، أجيبها : أي رقم ؟ كان عدد المصطلحات المطلوب تعريفها كاملة عشرة، وعليها أن تخبرني برقم المصطلح إذا أرادت مني مساعدتها.
- ستة .. رقم ستة ياسارة!!
انظر إلى وجهها حزينة، تسقط منها ورقتين، تبدو قلقة جداً، وأنا أعصر رأسي، أنظر إلى ورقتي، وأعاود النظر إليها، أبتسم لها، وأتذكر لاعبّي الورق، صراخهم ورذاذ أفواهم المتطايرة، رائحة العرق والأظافر القذرة والكلمات النتنة، أتذكرها شكلاً ( جيد بدأت أستعيد ضوضاء ذاكرتي)، لم أكن أعلم أنها تعرف أسمي، ولكن وقت الأزمات، نبدأ في تذكر كل الأسماء التي تخطر برأسنا دفعة واحدة، شعور جميل يغالبني وأحبه، أن يعرف البعض أسمي وأن يطلبوا مني مساعدتهم، وبعد أنتهاء الأمتحان يتجمع الطلبة حول بعضهم، مذكرين بالأسئلة التي غشوها من بعضهم البعض، ضاحكين كلُ على طريقته في الغش، أو في نقل إجابة السؤال، أقول لتلك الزميلة الأجابة، وأنا أكاد أن أنفجر من الضحك ( وقت الأزمة ترادوني دائماً رغبة عظيمة في الضحك)، الأصوات تتعالى ما أن يخرج دكتور المادة، وتصمت بفعل سحر حضوره، والخوف من طرده، نعاود النظر لبعضنا في لحظة خروجه السريعة، الكل يبحث عن أجابة لسؤال ملكع معه، وقفت أنا أمام السؤال الثالث، أكتب عن الطريقة التي تنشر بها خبراً في الصحيفة، رأسي بدأت تلف، هناك week 10 وأيضاً week 11 وتقريباً كلاهما يحتويان عن ذات الموضوع، نظرت إلى صديقتي "هدى" وجدتها تكتب بلا توقف، الآن جاء دوري.
- بسسسسس.. بسسس.. هدى ..هدى .. السؤال الثالث!!
كنت أمسك ضحكاتي، شياطيني، عفاريت رأسي، وقلبي، وجنوني الذي أعبده، أرتعاشات صنارات الصيادين لحظة الخروج، وجه هدى يصفر أكثر، تفتح ورقتها وتهمس كعادتها، week 11 ياسارة!!
الأجابة لم تكن كافيه، نظرت تجاه دكتورالمادة، والذي بدا مشغولاً في الحديث مع مساعده في المراقبه، يتحدثان طويلاً، وأنا أمسك ضحكاتي من أن تفلت، وكلما نظر إليّ الدكتور البحريني، فتحت له فمي مبتسمة، أبتسامة الكاذب العابد في محراب الصدق، وأتذكر أفلام الكارتون، خاصة الصبية اليابانية "موروكو"، كانت بطلة كرتون مختلفة جداً، مغايرة عن كل البطلات الجميلات، فقد كانت بجانب شيطنتها اللامعقولة، طفلة كسولة، عكسي تماماً، لكني تذكرتها الآن، لأنها مثلي شقية جداً، وأظن أني تجاوزتها كثيراً،ً فأنا على ما أظن أشقى طالبة أعلام، كما قال لي الدكتور البحريني، مؤنباً لي ذلك اليوم، حينما علقت على أحدى مواضيعه، فأنفجر الصف في الضحك، ولم يتوقف الجميع عن الضحك حتى بعد أنتهاء الدرس، كنت أؤنب نفسي، إلى متى سأظل بهذه الشيطنة المفرطة، ولكنها على ما أظن شيطنة جميلة كما كان الجميع يخبرني، فأنا رأس وعقل وثقافة، لكني كثيرة الأحتداد والمزاجية، وكثيرة التعليقات الضاحكة، خاصة إذا لم أجد ممناعة من قبل الدكتور المحاضر.
تقتلني هدى بخوفها اللا معقول، وأنا أقول لها:
- لا .. لا أذكر أي شيء هدى، تكلمي، أي واحد من الأجابات هي.. ؟؟
قررت بعد خوف هدى الواضح، ومرور المراقبين إلى وضع رأسي في أوراقي، وبدأت في الكتابة، أنتهت الساعة الأولى من الأمتحان/ وبقيت ساعة واحدة فقط، حينها بدأ الجميع في رفع اصواتهم، ولم أجد نفسي إلا ورأسي في ورقة "هدى"، وضعت رأسي ولم أزيحها مطلقاً من على الورقة، إلا بعد أن نقلت السؤال الثالث كاملاً، كتبته بلا خوف من عيون المراقبين، نقلته حتى بإخطاءه الأملائية وقمت بتصويبها قبل خروجي من قاعة الأمتحان، لا أعرف الشجاعة التي غمرتني، ورأسي لا تتحرك من ورقة أمتحان "هدى"، التي بدأت تنكمش من شدة خوفها أن يقع علينا الرقيب، والذي بدا غاضباً، لكن كل ذلك لم يمنعني من أن أنقل من ورقة صديقتي.
وأنتهيت.. أظن أن الجميع تعاونوا في هذا الأمتحان بالذات، دون أية أستثناءات، أحببت كثيراً تلك الهمهمات وسؤال الأصدقاء مع بعضهم البعض، لا أعرف من قال أن الغش أمر يجب تجريمه ومنع حدوثه، بالعكس أنه وسيلة جيدة للتواصل مع بعضنا البعض، ووسيلة فعالة في التعارف ومشاركة الأفكار، وفي أسترجاع المعلومات المتراكمة في رؤوسنا، التي تتلاشى فجأة بفعل الضغط النفسي، أعترف إن أجابة السؤال الثالث نقلته من ورقة صديقتي التي تجلس بقربي، وسعدت كثيراً لأنها سمحت لي بذلك، سعيدة لأني أضفت الكثير على السؤال الثالث، وكان بودي أن أكتب تحت إجابة السؤال، بمشاركة صديقتي العزيزة، ولكني أعرف أن ذلك سيسبب لي مشاكل كثيرة، هل من المعقول أن تكون هناك إجابات مشتركة!!!
خرجت من قاعة الأمتحان، وأنا في كامل نشوتي، لحقني الدكتور صائحاً، سارة .. سارة..!! أدرت رأسي تساءلت هل كشفني؟ هل علم أنني كنت ألكم ضحكاتي خوفاً من أن تفضحني؟ هل عرف أن رأسي ظلت لأكثر من خمس دقائق تقيس خارطة ورقة صديقتي؟ تلك التساؤلات المالحة أنتهت بمجرد أن قال لي الدكتور بحنان مبالغ فيه، من خوفه على طلبته من الأستعجال في أنهاء إجاباتهم:
- سارة هل أنت متأكدة من إجاباتك كلها؟ لازال هناك بقية من وقت؟
أبتسمت وأنا أكمل بقية الشوكلا، نظرت إليه وقلت:
- متأكدة جداً... وسعيدة لأني أشعر بأني أنجزت!!
- والسؤال الثالث .. ألم تقولي أنك نسيتِ إجابته..!
- لكني تذكرتها لا حقاً..!!
نظرت إلى "هدى" كانت جميلة كعادتها، لكن مرضها وقلقها حولها إلى "ليمونة"، أبتسمت للمرة الثالثة، وسلمت على الدكتور، وقلت له:
- شكراً على تهنئتك لوصول المنتخب السعودي ( لاحقاً خسرت السعودية أمام نظيرها الأماراتي بواحد صفر).
.........................
خاتمة
حصلت على النتائج ليلة البارحة ... كانت لا بأس بها، هذه المادة حصلت بها على B تذكرت أن هناك سؤال آخر لم يحالفني الحظ بنقله من أحد، أو بطلب المساعدة من صديق أو صديقه، كنت قد أكتفيت ببعض الأنجازات ولم يهمني أن أنجز أكثر مما ينبغى!!






























29 يناير, 2007 02:33 م