
قبل الحافة :
لا تتركوا أغصانكم تواجه الصوت بمفردها ..
يمسكون بأوتاد قلوبهم .. يجعلونها تتلوى من هذيان يصبغها بالسواد .. هذا السواد ذاته الذي كتبنا به على جدار وهربنا .. كلما قلنا : وليس الفارُ كمن حضر .. قالت قلوبنا : في الجنة متسع لأصواتكم .. !!
أخبرتهم أنني على عجلة من قلبي .. وكلما صنعت طائرة ورقية من الوقت .. التفت الصغار إليّ .. وهددوني : سنخبر أمك أنك تعبث بالوقت وتطيره !! كيف لي أن أقنعهم بعد كل هذه السنوات أن الوقت التهمني .. وأنني أكتب الآن من جوف الوقت .. حيث رائحة الفراغ تسبقني ، ولا فرار !!
من الذي أمسك بخاصرة الشيطان وقال له : دعنا نلوك ضحكتك مرة في الصباح وأخرى في المساء ؟ كيف تبدو لكم ضحكة الشيطان .. ؟ من الذي يصنع طاحونة من الهدنة ويقدمها لنا كلما أغرانا الصباح بالاستيقاظ .. الشوارع مكسوة ببصمات لغرباء قبضوا أجورهم عن زرع الورد في الشفاه .. زرعوها هكذا كيفما اتفق .. لم يدركوا أن الصوت خليفة اللون ، وأن اللون خليفة الفراغ ، وأن الفراغ حقيبة عين تحمل منشارا في أهدابها وتوصل القبلات بالمجان .. !!
كلما استندت إلى جدار ، استيقظ الطين في داخلي وقال : أتعبتني !! من الذي يحرك الطين في أرواحنا ، إذا لم ندرك أن الصمت لا يشبه الطرقات ، والطرقات لا تشبه الصمت .. غير أنني كلما سألت نفسي السؤال ذاته : من الذي أيقظ أدخل صوتك في غيبوبته ؟ أرجع وأقول : وليس كل الصوت لون تسرقه الشياطين !!
أسير في الطرقات .. لا أحب أن يحاذيني أحد .. هكذا فراغ .. يحاذي فراغ .. لا أدري متى كانت المرة الأولى التي اكتشفت فيها أنني فارغ .. أدخل يدي في جوفي .. فأراها تتحرك في فراغ .. من الذي يفصلني عني .. لا شيء .. من الذي أطلق هذه التسمية الذكية : " لا شيء" ..
أسير في الطرقات .. صامت كلون .. أفتش عن الحروف التي سألني إياها غريب فلم أعطه .. أفتش عن الذين حركوا العظمة من مكانها .. أشعر أحيانا أن أطرافي بلا عظام .. لا أدري متى كانت المرة الأولى أيضا التي اكتشفت فيها أن جسدي لا يحتوي على عظام .. وأن تلك الأشياء القاسية في أطرافي هي أغصان يابسة دستها أمي في جسدي لأقوى على السير ..
كل صباح أتفقد جسدي .. وأتساءل هل ستستحيل الأغصان في جسدي عظاما يوما ما .. ؟؟
لست أدري ما الذي يخيفني من أن جسدي ليس به عظام .. ؟؟ ما الذي يضيرني في أن تقوّم الأغصانُ جسدي.. ؟؟ لا شك أن هناك أمر ما يجعل هذه المسألة مقلقة بالنسبة لي !! بالتأكيد ليس السبب الخوف من أن يتحول جسدي ملاذا للعصافير ، تبني أعشاشها وتطعم صغارها هناك .. !!
يصعب عليّ أحيانا أن أرى غصنا يئن من العزلة ، أو أن أرى غصنا يتقاسم الفوضى مع أصوات المارة ، أو يخبئ كذبات الأطفال غير المدبرة في جوفه .. يخيفني أن أرى غصنا يتلوى على الرصيف ، أو يميل بينما الأرواح تصفع قلبه كريح ..
..
قلت لقلبي .. من الذي علم الغصن أن يميل ..؟؟ قال .. وليس الغصن من يميل .. قلبك هو من أمالته الريح ، وعلمته كيف يمضي العمر كله مصفوعا من الجراح .. !!
على الحافة :
أمي تقول : " حينما يميل الغصن ، لا تسقيه ، حينما يميل الغصن أحضنه "
منير 24 -1 1427
كتاب يستحق القراءة .. "جاهلية" للروائية السعودية ليلى الجهني
مدونة تستحق القراءة.. محمد فاضل "البحرين".. "طريق الفراشات"


























25 يناير, 2007 01:58 م