
لذكرى ألم دينا وزواجها.. أكتب قصتك كما طلبتِ..
منذ أن تقاعد من عمله، بدأ يتغير، بدأ يكبر، ويشيخ أكثر، مضطرباً في مشاعره، مضطرباً في رواية قصصه وحكاياته، لم يعد هو ذاك والدي الذي عرفته، خجولاً حتى من ظلاله، درس في مصر، وحصل على البكالوريا وليسانس الحقوق، لكنه لم يصبح محامياً كما رغب والده، فقلبه ضعيف، ومشاعره لا تقوى على مجابهات المحاكم، وقضايا الناس، قلت له وهو يخبرني بحكاياته القاهرية، يا بابا أنت تشبه د.غازي القصيبي هو أيضاً درس مثلك في القاهرة، ضحك بحنان بالغ ليرد عليّ، لكنه أصبح وزيراً، وأصبحت أنا أباً لك فقط!!
لم ينجب والدي سواي، أنا دينا ابنته الوحيدة، سألته مرة، لماذا لم تنجب يا بابا أكثر، كي يكون لدي قبيلة من الأخوة، أعاد عليّ ابتسامته البيضاء ليقول لي، طلبت من الله مرة، ولم أطلب منه ثانية، حرك كتفيه وقال رضيت!!
وأنا أيضاً رضيت أن أكون وحيدة أبوي، وتأقلمت على هذه الوحدة، ولم أجدها صعبة إلا حينما أحببت "طارق"، حينها تمنيت أن تكون لدي أخت قريبة مني، كي أتسلى معها بقصص حكاياتي مع طارق، وتعذيبه عبر إغلاق هاتفي لأيام دون مقدمات، وعن الكتب التي يتركها لي أمام البيت في ساعات متأخرة من الليل، مزاجنا الموسيقى المضطرب، حيواتنا المختلفة ولكنها تميزنا، لم أجد ولا صفة واحدة مشتركة بيني وبين طارق، سوى أني أحبه كما أحب الله، عرفته صدفة، وبعدها أدركت أنه سيكون رجل حياتي، لم أكن لأتورط فأقص عاطفتي لأحد من الصديقات، كنت أخشى عتبهن، نظرات التساؤل التي ستلاحقني طيلة عمري، وكنت أخاف أكثر، حينما أعيش فشل التجربة، وتبقى ذكراها موجودة في رؤوسهن، وقتها سألت الله، لماذا لم يسمع طلب والدي، حتى وإن لم يقولها صراحة في دعائه اليومي له!
أعترف أني أحزن كثيراً لأني وحيدة، وأسقط في حزن فيروزي خاصة في الليالي الصيفية، حين أزور بنات عمي، بإلحاح من والدي، كي لا أدرك قبح بشاعة الوحدة مبكراً، أطرق سماواتهن بخجل الصغيرات، فأجدهن ملتفات في تلك الليالي مع بعضهن البعض، يتقاسمن مشاكلهن ولغتهن تبدو دائماً أغنية ترسم على كراسات المدرسة، لا يمكنك أن تسمع نغمة نشاز في علاقتهن، رغم وتيرتهن الحادة معظم الوقت، لكني أبقى مفتقدة تلك الحميمية، وذلك الشعور الفاتن الذي يستعذب مشاعرك المترفة، بحب العائلة وهي تتكوم حول بعضها البعض.
تقاعد والدي، ورفض أن تقام له حفلة كبيرة، كما هي عادة الشركات الكبرى، كان من كبار الموظفين، لكنك ما أن تراه إلا لتسأل نفسك، هل خجله وانطوائه الدائم حول نفسه، جعله لا يصعد للنجاح في الشركة بالأسانسير، واكتفى بتسلق السلم المعتاد، عرفت والدي بلا طموح، وكأنه ترك طموحاته الواسعة لي أنا، فأنا طموحة لأبعد حد، ولأبعد مما ينبغي لأي فتاة في وطني، وهو يسألني دائماً من أين آتي بسور النجاح وفواتحها، وبشبقي الشديد للحياة، في المقابل أسأله دائماً، لماذا رغم دراستك الجادة، لم تحاول أن تكون شيئاً كبيراً يوماً ما؟ يرد علي كعادته بتلك الطيبة التي تجذبك وكأنها صلاة في بداية الحلم، اكتفيت من حياتي ولا أطلب الكثير!
سألته مرة واحدة عن رفضه حفلة التقاعد، وبررت رفضه لأني أعتدت عليه رجلاً خجولاً ومنطوياً وتقريباً بلا أصدقاء، كم يحزنني أن أقول ذلك عن رجل عاش طيلة حياته لي، ولم أجد منه مايضجرني منه، أو يعيق تجاربي اليومية، فقد كان أباً يمكنك أحياناً أن تشفق عليه، يخاف المغامرات، وأقسام الشرطة، أو حتى المرور على سيرة الناس، ويخاف من الحياة الواسعة المنطلقة، ويخشى أن يتمازج مع أي كائنات أخرى، بالأخص تلك التي تقع خارج إطار حياته!
وتقاعد..
يوماً بعد يوم، بدأ والدي ينطوي أكثر من اللازم على نفسه، بدأ يفتقد شعوره الروتيني بالعمل، وإحساسه الكبير بي بدأ يختفي، لم أحرك ساكناً، لم أندفع باتجاهه، كنت مشغولة بحياتي الجامعية، وأمي مشغولة بتكملة نهاراتها برفقة صديقاتها، شعرت بحزنه الذي بدأ يغسل فصول أيامه، بدا صوته يرتجف حينما يسألني أين كنت ؟ ومع من خرجت؟ بدأت أشعر أكثر أنه يخنقني، اشتكيت لأمي وبدورها شكت لي أيضاً، بدا يطلب منها ولأول مرة، أن تقلل من مجئ صديقاتها إلى البيت، ويطلب منها أشياء لم تعتاد عليها، رغم ذلك، حاولت أن تكون قريبة منه، ولكنه بدأ يمرض أكثر من اللازم، وتحول الحمل الوديع، إلى نمر شرس، يريد أن ينهش بي وبوالدتي طيلة الوقت، طلبت منه مرة أن يأخذني إلى الجامعة، بدل جلوسه وحيداً قابعاً أمام شاشة التلفزيون، يلاحق الأخبار في كل المحطات، شاتماً وزاعقاً كل الأنظمة، وكل الحكومات الوطنية والعربية، كنت أريد منه أن يخرج من القوقعة الضيقة التي يعيشها، ولكنه صرخ في وجهي قائلاً إذا كنت أظنه سائقاً من شرق آسيا، حتى أطلب منه ذلك!!
أحزنني والدي، أحزن انكساره اللامعقول بنفسه، لم أكن أتصور أبداً أن يتحول كل هذا التحول بسبب تقاعده، وتساءلت إذا كان أحداً من أعمامي يستطيع الحديث معه، لكنه رفض استقبال أصدقاء عمله، وسدّ أذنيه عن أحاديث أعمامي معه، وظللت أحلق كطائر يكاد يفقد حياته وهو يرى قناصه يصوب بلا هدف، ووالدي كان القناص لكنه بلا عينين، فقد تحول إلى كومة من الكآبة وحزن القصائد المهملة، لم أراه بذات الحزن، وهو يفقد أمه، ظل ملتزماً بحزنه الداخلي، تدمع عيناه، حينما تأتي بسيرتها، لكنه يمنعك بلطفه عن أن ينقل إليك هذا الشعور البغيض!!
بعد أشهر من تقاعد والدي، سافرت خادمتنا إلى بلدها بحجة مرض والدتها، وبعدها بدأت والدتي تشتم بعض الروائح منه، أنها يخونها، مكالمات ليلية، إهماله عن السؤال عنها وعن أحوالها، بدأ يصبغ شعره، ويلبس ملابس لا تليق بعمره، وأستخرج هاتفاً نقالاً جديداً، بدأ يقطر في إلتزاماته، لم يعد يعطي البيت حقه، ودائماً يردد على مسامعنا، أنه مضطر لذلك فلديه مشاريع مستقبلية، كان تصرفه حرباً في وجه والدتي، التي لم ترى أي داعي لهذه الحرب الساخنة، وبدأت تنشب المشاكل يوماً بعد يوم، ووالدي يهتم باختيار أشيك أنواع الأحذية، وأفخر العطور، بدأ يتخلص من خجله، ويتحرر في رفع صوته بشكل دائم، ولم يكن هناك مايستدعي الصراخ.
عدت إلى البيت ذات ظهيرة، وجدت أمي في حالة يرثى لها، وبرفقتها أبنة عمها نوال، بدأت أمي في حالة هستيريا من البكاء العنيف، اندفعت إليها، أهزها من أكتافها، صارخة، زاعقة، مولولة، أسألها هل أصيب والدي بمكروه؟ كان قد سافر منذ عشرة أيام، ولم يتصل بنا خلال هذه الفترة، وقد أغلق جهازه الخلوي، ولم تنفع محاولاتنا في البحث عن أي وسيلة تصلنا به، لم تجبني والدتي بشي، أكلمت صراخها ونحيبها الذي مزقها بشكل عنيف للغاية، فهمت أخيراً من السيدة نوال والتي كانت هي أيضاً حزينة جداً ومضطربة، لأن تنقل لي الخبر الصاعقة، لكني سمعت الخبر كرجل لا كامرأة ضعيفة وحزينة، لقد تزوج والدي من خادمتنا الصغيرة، وقرر عدم العودة، والاستقرار في أمريكا برفقتها.
عامان مرا الآن على هجرة والدي وزواجه..
مدونة تستحق الزيارة الصديق أحمد خيري " قلب في غرفة الكلمات"


































18 يناير, 2007 11:06 م