
إلى سوسن فريدون.. ذكرى قلبك ذو السابع عشر الذي يشبه دوماً قلبي ..
أعترف أنني أسعد امرأة يمكنك أن تراها على ظهر الأرض، وإنك لن تجد امرأة سعيدة مثلي، سوى فتاة المجتمع الهوليودي "باريس هلتون"، فأنا أراها على الدوام ضاحكة، مشتعلة بالفرح والمغامرة، إنني لا أتكلم عن عقلها، يقولون عنها تافهة، لكني لا أطلب منها أن تكتشف الذرة لي، كما أني لا أطلب من الآخرين، أن يكونوا بمقدار ذكائي، جميعنا لدينا مشكلة عميقة، إننا لا نستطيع إلا أن نرى أنفسنا في غاية الذكاء وربما الدهاء، وفي الحقيقة ربما نكون غير بعيدين عن تفاهة الآخرين، أعود لباريس فأنا أشعر بالسعادة الحقيقية، حينما أرى تلك الابتسامات الغافية على الأوجه الجميلة، لم يحب أحد رزان مغربي في برامجها سوى المراهقين، وقالوا أن هناك صلة بين ما ترتدية وبين رأسها، لكني كنت أرى في رزان صورة طبق الأصل من سارة، فأنت ترى السعادة في عينيها، وها أنذا أيضاً في الحقيقة لا على شاشة التلفاز، فإذا كنت تشعر بفرط التعاسة، كل ماعليك أن تنظر إلى عيني رزان مغربي، لتكتشف أن الحياة أصغر من أن تضيعها في حزن طويل لن ينتهي، في قصة "السيد إبراهيم وأزهار القرآن"، كان يطلب الشيخ إبراهيم العربي البقال في شارع بلو، من مومو الصبي اليهودي أن يتعلم الابتسامة،
- لماذا لا تبتسم أبداً يامومو؟ سأله السيد إبراهيم
كان هذا السؤال صفعة حقيقية، ضربة في الصمميم، ولم يكن مومو مهيئاً له.
- الابتسامة شئ لا يفعله سوى الأغنياء ياسيد إبراهيم وهو شئ لا أقوى عليه، هكذا أجابه مومو.
ولكي يغيض السيد إبراهيم مومو راح يبتسم.
- إذاً هل تظن أني غني؟ هكذا رد عليه
فتعلم مومو اليهودي أن يبتسم، لكي يرى معنى السعادة الحقيقة، التي يقولها له معلمه العربي البقال، وأنا تعلمت الابتسامة قبل أن يقولها السيد إبراهيم لمومو، لأني كنت أريد أن أرى سعادتي في وجوه الناس، رحت أبتسم لهم قبل مومو اليهودي، والذي أسلم على يد هذا الشيخ الذي تبناه لكي يكون له أبناً، ويرث بقالته من بعده!
وأنا سعيدة .. بل سعيدة جداً، رغم أني لا أملك أية إنجازات كثيرة أتباهى بها، لكني أشعر بتلك السعادة الطاغية التي تملأ قلبي، لتشعرني بكثير من الطمأنينة التي لم أعد أخشاها كما كنت في سنوات مراهقتي، وأنا صبية طرقت رأسي، صديقة أختي الكبرى وقد كانت صديقة حكيمة للغاية، وقالت لي: كم أتمنى أن تخرسي هذا الرأس من العمل، لتشعري بالسعادة، لا تفكري كثيراً، فقط تعلمي كيف تستمتعين بكل التفاصيل الصغيرة التي تملئ حياتك، استمعي إلى جسدك، أفهميه، تعلمي كيف تحبي ضوء النهار وهدنة الليل، وحينها سيرتخي عقلك وتبدئين بتذوق فاكهة السعادة على أصولها!
أعترف أني تأثرت من هذا الحديث المقتضب، وأني حاولت كثيراً أن اخرس هذا الرأس عن العمل، وعن انتصاب وانتزاع الأفكار والشخصيات، أخبرت مرة د. خالد أستاذي في المسرح، إنني لا أقوى على الدخول، في أكثر من شخصية على المسرح، فعقلي لم يعد يستطيع التمازج بتكرار الشخصيات، كما أنه بات يخدش راحة عقلي الصغير. أحتاج إلى الكثير من الهدوء في حياتي، وها أنذا احصل عليها الآن، أعترف أني لم أنجز أي شئ خاص لسارة، لا ممتلكات تخصني وحدي، وكل ما أملكه قابل لأن يضيع في لحظة، ماعدا قلبي فهو مفعم بالحياة، ولن يستطيع أي كائن أن يغرز السكين فيه، أو أن ينصب له ساحة إعدام في "الكاظمية" مثلاً، وأعترف أني أحببت سارة الآن، أكثر بكثير قبل أعوام، أحبها الآن وهي تتساهل في ارتشاف الأمور، أو حتى وهي تحاول التخفيف من عثراتها وحتى من محنة إنجازاتها، لم أنهي دراستي الجامعية، وكان من المفترض أن أنهيها أبكر بقليل من هذا الوقت، لكني سعيدة وأنا امضي الوقت برفقة الطريق ومشاهدة زملاء الجامعة ومعاكستهم، ورسم أحذية ورؤوس أساتذتي المختلفة، اكتشفت أن رؤوسهم تبدو غريبة ومختلفة، كما هي أحذيتهم، سعيدة لأني اختار كل يوم حقيبة جديدة، لكي أظهر بها في الجامعة، لون الروج وظلال العيون، لم أتزوج حتى الآن، ولم أعش تفاصيل قصة حب، أدت بي إلى الزواج، لكني سعيدة بقصصي وعثراتي العاطفية التي عشتها، ولم أفكر ولا لحظة واحدة أن أكون نادمة عليها، إنها عالمي، وأنا من اخترت الوقوع بها، لم أقع في قصة لكي أكون بطلة بالمصادفة، وجدت معاناة كبيرة في رسم شخصية "وجود" أو "هند" بطلة روايتي التي لم أجد لها أسماً حتى الآن، والسبب لأنها عاشت معاناة قاسية وصعبة، قبل أن تتزوج وتترك قبيلتها بلا عودة، كان عليّ أن أكون "وجود" طيلة الرواية، حتى أنجزها كما ينبغي، وكان صراعي معها قوياً وعنيفاً، كنت ممتلئة بالحياة، أما هي فقد رأت بعينيها كيف تنطفئ الحياة، وتشتعل في غمضة عين، عانيت في رسم شخصيتها رغم واقعيتها وألمها الفج القاسي، وكثيراً ما تحدثت معها عبر الورق، كنت أهبها الأمل كعادتي، وتهبني هي القصة.
مغرمة بالنجوم الإعلامية منذ طفولتي العذبة، أحببت كل النجوم التي رأيتها على صفحات الجرائد والتلفزيون، وفي عمر السادسة عشر قررت أن أحب الطيب صالح، لكني وقعت في حب أستاذه، وأول مرة قابلت فيها الروائي العظيم السوداني، كان ذلك في إحدى مجمعات لندن، أتصل بي صديق للعائلة ليخبرني أن الروائي برفقته يتناول الشاي معه، قفزت السلالم المتحركة قفزاً، وكان الصديق يقف منتظراً وجودي ليقدمني للطيب صالح، جئت له كالرعد كالمطر كحلم الصبيان، أمطرته بالقبل الكثيرة، في رأسه وفي يده وباطن كفه وكتفه، ضحك الروائي وسألني هل تقرئين لي ياصبية؟ سألني بتواضع الكبار، قلت له متلهفة أحدثه ببطئ وكأني أقيس الكلمات، كل ذلك لكي أشبع من رؤيته، نعم ولازلت أبحث عن مصطفى سعيد بطل روايتك "موسم الهجرة إلى الشمال" فقد أحببته ولم يفارق رأسي حتى اللحظة، وأحببت بنت مجذوب ومحجوب وكل أبطال رواياتك ، عرس الزين، ضو البيت، بندر شاه، مريود، بدا مذهولاً جداً، سعيداً كما هي أنا، أخبرني أن لديه أبنه جميلة تشبهني اسمها أيضاً "سارة"، سألني الروائي إذا كنت أحب أن أكون نجمة، قلت له بسرعة عجيبة: لا .. حلمت مرة واحدة أن أكون فنانة، بعدها اكتفيت بحب النجوم أمثالك!
وقتها أخبرت صديقي الذي رتب لي هذا اللقاء، أن لو الحياة توقفت عند هذا الحد برفقة الروائي السوداني الطيب صالح، فيكفيني ماحصلت عليه، قال لي ببلاهة جميلة أحبها حينما تأتي منه: هل لهذه الدرجة أنتِ فقيرة في أحلامك! لا أعرف هل كان يسألني أم كان يبحث عن عنوان يضيفه إلى سارة ليل الجمل، هل أحلامي فقيرة، أم إنني متواضعة في رغباتي، كل ما أذكره عن سارة منذ لقائي بالأديب الكبير، وحتى لقائي الآن بغيره، إنني لم أكن اطلب أكثر مما كنت أحتاج إليه، لكني في الحقيقة كنت أحصل على كل الأشياء، التي حلمت دوماً أن تكون لي، أذكر جيداً هدايا جدتي لأبي السيدة "وضحى" حينما كانت تأتي لنا من الحج كل عام، كنّا صغار، آتي دائماً متأخرة، حينما لا يتبقى شيئاً من الهدايا الجيدة، كنا قبيلة من الأطفال والمراهقين الكثر، فيأخذ الكبار معظم المقتنيات الجميلة، وتتبقى بعض العقود والخواتم التي ترفضها الصغيرات، فتكون دوماً من نصيبي، أسعد بها رغم ضئالتها، بل أنني كثيراً ماقلت رغم صغر عمري وقتها، أنها تكفي أن تكون من جدتي، حتى لو لم أحصل إلا على البقايا، اكتشفت جدتي هذا الأمر، وكانت حينما تأتي لزيارتنا في لندن، تجلب الهدايا، وتخبأ أغلاها لي أنا، لم تنسى تلك السيدة الرائعة رحمها الله، أنه لم يأتي يوماً واحداً، أخبرتها فيه أنني لم أحصل، على أجمل هداياها كما هن البقية!!
هكذا كنت .. وهكذا سأكون، في شقتنا في القاهرة، حي الزمالك بالتحديد، كانت أجمل أوقات طفولتي وأسعدها، خاصة حينما كنت أجلس مع والدتي وجدتي لأمي، التي أهدوني أسمها لكي أكون بمثل جمالها المفرط، في البلكونة حيث كانت طائرات الورق، تسبح في راسي لا في بركة الماء التي نصنعها، تداعبني ذكريات الماضي وأنا أجلس على كرسي الخيزران، أتأرجح بين نغنغة أخي الصغير في حجر مربيته السمراء أم إبراهيم، وبين كاس الشاي الزجاجي الذي يقدم لي، ولفحة هواء القاهرة، فأعيش داخل عالمي الصغير، وكل ما أحلم به أن تأتي أبنة عمي التي أحبها جداً، لتشاركني هذه المتعة، وقفت مرة وضربت بقدمي على أرض البلكونة، وقلت لأمي وجدتي تنظر إلي بقلق، حينما أموت يا أمي أريد أن أدفن هنا، وأشرت بالبلكونة، غضبت جدتي، إذ كيف أذكر الموت وأنا في عامي السابع فقط، بالنسبة لها كان هذا الأمر فأل سوء لي، لكني ضحكت وقلت، هنا أريد أن ادفن ..هنا.. وضربت بقدمي مرة أخرى، أنا سعيدة ولن أجد مكاناً أكون سعيدة فيه سوى هنا، نظرت جدتي لأمي وقالت لها: سارة أبنتك حينما تكبر ستصبح أسعد امرأة على وجه الأرض، فأبسط الأشياء تغمرها بالفرح!
والآن اكتب وتتجلى صورتي ورائحة القاهرة وأنا أطل من سور البلكونة، لا أتكلم إلا مع نفسي، لم يكن هناك من يقاربني في العمر، اشرب الشاي وآكل الكعك، وأريد أن احدث كل المارين من تحت البلكونة، أنني سعيدة حتى لو لم يكن هناك من يفهم لغة الصغار!!
وصدق حديث جدتي وأصبحت امرأة سعيدة، بلا انجازات، ولكني املك أجمل تاريخ ولا يمكن أن تضاهيني امرأة في مثل عمري، بمثل تاريخي، كثيرة هي خيباتي، فأنا إلى الآن رغم عدد الصديقات في حياتي، لم أحظى بصديقة جيدة، وآخر صديقة أحببتها بحرينية معي في الجامعة منذ دخولي بها، اكتشفت بالمصادفة قبل أشهر، أنها تقوم بإرسال رسائلي الشخصية، عبر الهاتف النقال إلى صديقها، وتكتب تحت رسائلي بعض التعليقات "الغبية"، اكتشفت ذلك مصادفة، حينما قامت بإعادة إرسال الرسالة لي خطئاً، وصدمت مما كتبته، فقد كانت صديقتي ولم تكن شيئاً آخر، أعترف أني غضبت لأيام، وبعدها لم أفقد الأمل، لازال قلبي مفتوحاً، ومفعماً بالحب للصديقات، رغم مدى بشاعة مايقترفوه عني، لكني حتى هذه اللحظة، أعطي أعذاراً كثيرة لهن، أبرر أخطائهن في حقي، وأسامحهن وأمضى أعيد صياغة سعادتي من جديد، اشتريت اليوم لاب توب جديد، سيكون لدي أثنين الآن، اشتريته لكي اكتب به روايتي، فهو يمتاز بأنه سهل الحمل وخفيف، فأنا اعشق الكتابة بالسيارة أثناء ذهابي إلى الجامعة أو العودة منها، وسألني البائع إذا كان هذا أول جهاز اقتنيه؟ قلت له: لا لدي آخر وهو موجود بالسيارة؟ امتلئ وجهه بالتعّجب، أردف قائلاً: لم أجد فتاة سعيدة مثلك بما أشترته، حتى أنني شعرت بالسعادة في قلبي، وتوقعت أنك ستحتفلين به، لأنه أول جهاز تمتلكينه، لقد رأيتك تقفزين من الفرح، وأنت تتفحصينه، حتى أنني تمنيت لو أعطيتك إياه بالمجان، فقط لأنك أهديتني هذه السعادة التي أحتاجها الليلة، قلت له: لا تخف سأحتفل به، فأنا أحتفل بكل الأشياء الصغيرة في حياتي، فحياتي تجربة لن أعيد تفاصيلها إلا بالذاكرة، وأنا أريد أن أعيشها كما أريد، فلا شئ عندي سواها، كنت أعني بذلك تاريخي الشخصي الذي أصنعه!
هل هناك شيئاً آخر يميزني، أحببت النجوم كثيراً، تلك الأسماء البراقة، وحينما اتصلت بي مذيعة لبنانية قبل يومين لتخبرني أنها تقرأ مدونتي، وهي سعيدة بي كثيراً، سألتها سريعاً دون حتى أن التقط أنفاسي لأني أسمع صوتها، هل تتوقعين أني سأكون نجمة مثلك؟ قلتها ببلاهة صديقي الذي أحببته يوماً، لأني تعلمت منه أشياءً كثيرة، حينما كنا نمضي غربتنا باختيارنا في لندن، وكان هو أكبر مني، وكنت أنا أسعد منه، قالت لي: أنت من الآن نجمة، ولا تحتاجي لأن تحلمي أن تكوني!






























09 يناير, 2007 11:09 م