
وأخيراً اختليتُ بنفسي في غرفتي , حيثُ أختلي بروحي بين ردهاتها , وأخاطب ذكرياتٌ مضت , ولربما تآكلت مع صدأ الزمن ..
اليوم , وبعد سنينٍ من شقائي وكدحي , بعد أنات الليالي , أسترجعُ مقتطفاتٌ من أرشيف حياتي ..
" .. وانطلقتُ مسرعةً أعدو في مهبِّ الريح .. خصلاتي كانت تتطايرُ في الهواء , لا أعرفُ إن كانت تمارس الرقص على أصوات الرعد وأضواء البرق المرعبة , أو كانت تعبّر لي عن استثارتها لما قد سمعته من سخرياتٍ متكررة , اعتدتُ على سماعها ..
" تنحي جانباً ؛ هذا التمرين يتطلب مجهود كبير وقوة أكبر .. ولا أعتقد أن جسدكِ الضئيل يتحمّل ذلك ..! "
رسمتُ بسمةً زائفة حين قالت ذلك , لا أعرف إن كانت تلك الابتسامة مكابرةً مني , أو رداً صامتاً على سخرياتٍ اعتدتُ على سماعها ولم أجرؤ يوماً الرد عليها , أو التفوّه ولو بكلمة أستعيد بها مكانتي أو ربما كرامتي ..
فكثيراً ما كنتُ أخلط بين مشاعري وكرامتي .. وبين ضآلة جسدي وفشلي بأداء التمارين الرياضية .
كم أكره الرياضة , بل وأمقتها , كما يمقت النمل المطر , حيث يعيق عمله ويحدّ من نشاطه .
كم أكره يوم الثلاثاء , كما يكره إبليس يوم الجمعة , أكرهه لأنه يهبني الكثير من الطعنات الطاغية والنظرات الساخرة , ولاشيء سوى أن ينزع دموعي من مقلتاي .. وهي لا تكاد تسمع سخريةً هنا أو هناك حتى تقفز تعبيراً عن ألمي ..
لا أعرفُ حقاً أهو ذنبٌ أن أكون ضئيلة الجسم , شاحبة الوجه , فاشلة حتى في داء أبسط التمارين الرياضية ..! أم هو ذا قدري ..؟
وإن كان .. ماذا يمكن أن أفعل ..؟
سئمتُ الصمت , والكثير من الابتسامات الخادعة , سئمتُ السخريات وثرثرات الناس ..
سئمتُ نعتهم لي بــ " التفاحة الصفراء " ..!
ولربما تتجرّد ذاكرتي من أوراق الطفولة – ولا شيء سوى الطفولة يمكنني استذكاره – ولكن محالٌ أن أنسى ما قالته إحدى زميلاتي الحمقى .. محالٌ أن أنسى ذلك .. البتة ,
" رملة .. أنتِ اسمٌ على مسمّى , فالرملة صغيرة الحجم وأنت كذلك حقاً ..!! أرأيتِ تشبيهاً بليغاً كهذا !؟ "
وقتها كنتُ في السابعة من عمري , واليوم أنا في السابعة عشرة من عمري .
إلهي ؛ كم من السنوات قد مضت ؟ تمضي كما تمضي الثواني بطرفة عين !
ومازلتُ لعهدي هذا أذكر كلامها , وكأنها للتوّ تخبرني به . كم هي سخيفةٌ حقا , كانت تقول لي تلك الكلمات التافهة وكأنما تستطلعني على اختراعٍ جديد !
.. توقفتُ أعيد صياغة حياتي من جديد .. وكأنني أسرد تاريخ حياتي كحكايةٍ من حكايات ألف ليلة وليلة .. وأعتقدُ أنها الليلة الأولى .. حيثُ ذكرى ولادتي .
ولدتُ – وليتني ما ولدت – ومازال هناك سؤالٌ عالقٌ في ذهني لا يتزحزح , ولا يتبحبح من خلايا دماغي الصغيرة أبداً , ربما لأنني لم أجد له جواباً ينفيه من تلك الخلايا !
" كيف نرثُ الأحياء ..!!؟ "
حقاً ؛ كيف نرثُ الأحياء ..؟
ورثتُ " الأنيميا " عن أمي وهي لا تزال حيةُ تنبضُ روحها بالحياة .
لو كنتُ على علمٍ بما قد يحلّ لأيامي هذه لطلبتُ الموت , ولاشيء غير الموت يمكن أن ينتشلني من قعر اليأس , هذا الذي أعيش فيه , وأتعايش معه بكل التفاصيل .
تركتُ قصة ولادتي جانباً , وأخذتُ أفكر بالحياة وبسؤالي المغبر ذاك .. " كيف نرثُ الأحياء ..؟ " يا له من سؤال .. يحمل بين دفتيه عجائب الزمان ..
لم أجد أي إجابة تشفي غليلي , ولذا عدتُ إلى ذكرياتي مجدداً ..
عندما انطلقتُ من الصالة الرياضية – وكان الجو ماطراً – لحقت بي إحدى زميلاتي , بإدّعاء المواساة ..
كم أكره المجاملات وكثرة الكلام العابر , وتلك الكلمات المنمّقة والمختلقة من وراء قضبان تلك الأفئدة العفنة , تلك الكلمات المدجّجة بالكثير من الأحاسيس المجوّفة !!
تركتُ زميلتي , وكأن أحداً لا يلحق بي ..!
مضت فترةٌ طويلة على ذلك الحدث .. ولطالما يتكرر .
وقد وصلتُ إلى قناعة بحياتي وواقعي , ربما اختلقتُ تلك القناعة فقط من أجل إرضاء نفسي ؟
فكثيراً ما كانت تتزعزع في داخلي تلك القناعات التي تصدّق بقناعتي تلك .. وهي " الجواهر لا المظاهر .. تلك حقيقة البشر " .. ولكن للبشر قناعات مختلفة .. أغلبها ينفي تلك الحقيقة !
اليوم ما عدتُ أهتم لما يُقال وما يمكن أن يُقال , ربما هي تلك نظرية التعود ؟
حيث اعتدتُ على " القيل .. والقال " .. وكثرة الكلام .
أكادُ لا أصدق كيف تستوعب آذانهم كل تلك الجمل ..!؟
أيوجد إشارات مرور للكلام ..!؟ كي لا تُصاب الجمل بازدحام أثناء مرورها من أفواه المتحدثين إلى آذان المتلقين ..! ربما هي أيضاً نظرية التعود , فقد اعتاد الناس على الكلام , ولاشيء سوى الكلام , ربما لتفريغ ما بدواخلهم من هموم .. ولكن ماذا عني ..؟
ماذا عني .. ؟
أنا التي اعتزلتُ الكون .. وانطويتُ بنفسي .. ؟
أنا التي اختصرت العالم بغرفتي الكئيبة .. ؟
أنا التي آثرتُ الصمت على الكلام .. وآثرتُ لغة الدموع على لغات الألسن ..؟
ماذا عن همومي المكبوتة ..؟
ربما تكون " خزعبلات " سخيفة .. لكنها كثيراً ما تجرحني وتجرّحني .
ربما تكون مجرد كلمات عابرة هنا وهناك .. لكنها تطعنني في الصميم .. وما من ضمادٍ يمنع النزيف ..
لا أعرفُ لماذا يستصغرون آلامي , وكأنه لا آلام لي , ولا فؤاداً يحوي هموماً أخفاها الزمن وتضاريسه الرمضاء الكاوية ..
ربما أكون بنظرهم " مجرد رملة " .. ولستُ مخلوق أو كائن بشري ..
وربما تكون نعمةً حقاً أن أكون رملة في نظرهم , أفضل من كوني مخلوقاً بشري يهوى السخريات , والتسكع على مواجع الناس , والتهام البشر بأفواه نتنة مليئة بالكلمات الحقيرة والكثير من الاستهزاء ..
توقفتُ قليلاً .. وأخذتُ أفكر بحال البشر , وكنتُ أضحك كمن سمع نكتةً لأول مرة بحياته ..
كم هو مضحكٌ حقاً أمركم يا بشر ..
يا أولي الألباب ..!
حمداً لك إلهي أنني " رملة " ..!
قلتِ ضئيلة إذا ..؟
حسناً أيتها البلهاء السمينة , ذات الوجه المحمر , القادرة والمقتدرة على أداء كل التمارين الرياضية ..
نظرتُ لوجهي في المرآة وأخذتُ أسأل صورتي المنعكسة :
أحقاً أنا أتحداها ..؟
يا إلهي .. أتحدى من ..؟
وبماذا أتحداها ..؟
أتحدى تلك السمينة المتعجرفة ..؟
بضآلتي , وشحوب وجهي ..؟
أم بملابسي ..!!؟
فتحتُ خزانة ملابسي , واسترسلتُ في التفكير ..
ملابسي .. آهٍ كم تعاني ملابسي من كثرة الإبر والخيوط .. من كثرة العمليات الجراحية !!
أنا في السابعة عشر من عمري , ولكني مازلتُ أرتدي ملابس التاسعة ..!
تبدو وكأنها قد صُمِمت خصيصاً لي , ولا أحد سواي .
رملة ترتدي ملابس ..!! رائع .. رائع ..
كم ضحكتُ يومها , حين رجعتُ من السوق , وكانت قوايّ خائرة , كنتُ متلهفة لقياس فستاني الجديد , فالعيد يطرق أبواب الزمن ليعلن عن قدومه .
و ارتديته أخيراً , كان فضفاضاً , يكاد يخفيني لولا فتحة الرقبة لغُمِر رأسي في داخله ..!
تلقيتُ أول ضحكة من أختي : أهو فستان أم خيمة ..!؟
اجتاحتني رغبةٌ جامحة في البكاء , لكنني صمتُ وكأن أحداً لم يضحك .
ولذا اضطررتُ لإجراء الكثير من العمليات التجميلية للفستان , لإخراجه بالصورة التي تناسب قياسي .
بالطبع لم تكن المرة الأولى التي أشتري فيها ملابس واسعة , حتى اعتادت خياطتي الخاصة على زياراتي لها , وكل الزيارات من أجل تضييق أو تقصير الملابس .
وبينما أنا مسافرةٌ عبر تروس الزمن , توقفتُ قليلاً ..
ثم شرعتُ بكتابة تلك الحادثة , وعنوّنتها بــ " العيد .. الفستان الواسع .. عمليات تجميل " ..!!
وأخذتُ للتوّ أفكر , كم هو محرجٌ حقاً أن أصف معاناتي على الورق , يكادُ القلم ينفلتُ من بين أناملي ليأخذ قسطاً من الوقت يقضيه في الضحك .
أو ربما يرتدي وشاح أمي , وينفرد معي للغناء على سمفونياتها المعتادة ..
" اللحم مفيدٌ بنيتي لبناء خلايا الجسم , فهو يحتوي على البروتين المهم لنمو الجسم . ولا تنسي الكبد , الكبد ثروةٌ عظيمة للحديد , وهذا ما يحتاجه جسمكِ .."
والكثير الكثير من محاضرات التثقيف الصحي , على مدار أربعٌ وعشرين ساعة ..!
حتى تمرّ ن عقلي على تلك المعلومات الصحية , ولا أكاد أسمع كلمة " الكبد " حتى أربطها بالحديد .. والأنيميا ..
الأنيميا .. يا وجعي .. يا مرضي .. يا فؤادي الطريح . أنتِ يا من ورثتكِ عن أمي , وورثتُ عنكِ الهموم والشحوب , والكثير من سخريات الناس , حتى باتت كالخناجر المغروسة في كبدي .
وفوق كل ذلك أُمنع من شرب الشاي والقهوة ..
" الشاي والقهوة يحتويان على الكافيين بنيتي , والكافيين يمتص الحديد الموجود في الدم , ولا أعتقد أنكِ بحاجة لنقصانه ..! "
آهٍ أيها الحديد .. أراك في الشوارع قطعٌ صدأة مرميةٌ دون اكتراث , وفي جسمي لا وجود لك , وإن تواجدت سرعان ما تقتنصك كبدي الصغيرة ..
كبدي .. يا كبدي الصغيرة , أنتِ يا من عانيتِ معي الكثير الكثير من ليالي السُهد في المستشفيات , حيث الملل قابعٌ في كل الردهات.. وذاك السرير البارد .. بأغطيته البيض الرتيبة .. , وأنابيب الدم تكتسح الغرفة .. تلك الأنابيب المتصلة بذراعي الضعيفة .
كم أكرهها , وأكره حتى من اخترعها , اخترعها ليظفر بالشهرة والأموال , في حين نحن المرضى نكابد المواجع على نار هادئة ..!
في بوتقة الألم , بين مطرقة الآهات وسندان الصراخ ..
والدماء .. كم أنا بحاجة إلى الدماء , إلى قطرات منها , وإلى الحديد .. ذاك العنصر الغبي الذي أودى بحياتي , ولا أعرف ماذا يريد أكثر ..
تركتُ القلم , مزّقتُ أوراقي , أسرعتُ إلى المرآة :
أيها الحديد لن تهزمني أبداً ..
أيتها البلهاء , و يا من تنعتوني بــ " التفاحة الصفراء " .. لا يغرّكم شحوبي ومظهري الهزيل فبداخلي الكثير من الطاقات ..
أيها الزمن .. انتظرني فالشفاء آتٍ لا محال ..
المبدعة الصغيرة:
"رملة عبدالجليل" – البحرين
مدونة تستحق الزيارة "نون النساء"
































05 يناير, 2007 10:55 م