ويلومني هو على أسبابٍ كثيرة!! لا أعرف لماذا لازلت أحمل له هذا اللوم الغبي حتى الآن، والذي يبدو لسبباً ما قد بدأ يعتاد عليه، ولم يعد يزعجه كما كان في السابق. بدأت اشعر بذلك، وخفت من الهزيمة، خفت أن اهزم أمام هذا الرجل السينمائي.
لم يبقى له أحداً في البيت سواي، تلاشت كل القبيلة، لأبقى أنا قبيلته الوحيدة، وأنا اليوم من دونه، أركض تجاه وطناً آخر وتاريخاً يباغتني، لأبني لي قبيلتي الأخرى من غير وجوده السينمائي، ولأنني أحبه جداً، فأنا ارسم صورة قبيلتي، ولا أرسمه وسط الصورة كما تعودت، ضاحكاً، زاعقاً، ملوناً، قاصاً لي كل حكاياته، وهو الشهير بلعبة القطارات المتحركة!
أفتش ذات يوم في غرفة مكتبه عن رائحته التي تقتلني، كنت أريد أن اموت ليلتها، شعرت بأن الثلج يسقط متكوماً أمام غرفة نومي، خفت أن افتح الشباك، كي لا تطير العصافير وتموت، خفت أن أخلع الزورق من على عيني فلن أعد أراه كما أعتدت، جدران غرفة مكتبه داكنة الحمرة، وهو الرجل المغرم باللون الأحمر، والكراسي الفخمة، والسجائر الكوبية، الماء يتأرجح من فوق أكواب الكريستال، فأجد له صوراً قديمة، جميعها برفقة أصدقائه، أو وحيداً حالماً، لكن تلك الصورة التي استوقفتني، كان جالساً على الطاولة، في سهرة مسائية، حوله أصدقائه معظمهم أعرفهم، أما البقية فيبدوا أنهم إما ذهبوا لحياة أخرى، وإما أن هاجروا أو استكانوا لأنفسهم. المطربة شادية تغني على المسرح، تلبس فستاناً لامعاً جميلاً بفتحة واسعة من الأمام، شعرها قصير و أشقر، أكاد اشعر بنعومته من خلال الصورة الجميلة، التي المسها الآن بيدي، تغني وهي تنظر إلى والدي، الذي بدا كما هي عادته وسيماً جدًا كما هم نجوم السينما، ضاحكاً لها، وربما مطلقاً لشادية غمزه لم أستطع أن أتبينها من خلال الصورة، استعدت تاريخ والدي الطويل بكل تلك الصور القديمة التي أحتفظ بها، في علبتة الخشبية، محفوراً على أطرافها وشماً أندلسياً قديماً، رائحتها قوية نافذة، أهي رائحة تاريخه، أم سجله العاطفي الذي كان معروفاً عنه، حينما كان شاباً صغيرا نزقاً ومترفاً،ً يدرس في القاهرة ويمضي الصيف برفقة أصدقائه على شواطئ الإسكندرية، أو متجولاً عبر القطارات المعدنية بين مدن أوروبا، يرتدي أرقى وأفخم القمصان القطنية والحريرية، ويتعلم الطيران وقتما يقع في حب نجمه أخرى تضاف إلى نجوم حياته!
يحبني للدرجة التي يقسوا بها عليّ في غيابه، فأتساءل عما يفعله من دوني أو من دون أمي، التي تعتبر أن حرية الرجل أمراً مقدساً لا يجب المساس بها، لم تسأله في حياتها كلها، لماذا تأخر؟ ولماذا غاب كل تلك الأيام؟ ولماذا أشترى لها الكثير من الهدايا؟ ولماذا كان سعيداً حينما عاد من تلك الرحلة؟ ولماذا عاش بائساً في فترة ما من حياته، وكأنه فقد حبه الأكبر؟ أنها لا تسأله لأنه تصدق أكثر مني، بحرية أن يكون للرجل حق اختيار التحليق في السماء، ومن ثم البحث عن عشه الدافئ والعودة إليه!!
لكني دائماً اسأل عن غيابه، وأتصل على هاتفه الخلوي، عشرات المرات، بل أحياناً تصل لحد إزعاجه وضجره مني، وأكتب له رسائل طويلة عبر الخلوي، أقص عليه يومياتي الجامعية، خناقاتي مع زميلاتي ومع سائقي الخاص، ضحكاتي مع مدرسيني، ومع بائع الأحذية الذي يفقد صبره معي، والصور التي التقطتها ولم ترضني، كما وكأنه يعيش معي، احياناً يرد على رسائلي وأحياناً وأنا متأكده من هذا الشعور الذي يزعق بداخلي، لا يرغب في الكتابة لي، لأنه سعيداً بها هكذا دون أن يكون له الحق في أن يغير من هوية سعادته. وحينما عبرت في علاقتي الأخيرة مع "أسامة" شعرت بأنه لمس شيئاً خاصاً بي، ولم يحدثني، ولو حدثني لما كذبت، ولو قلت له الحقيقة، فإن هناك شيئاً ما سيتغير في قلب هذا الرجل السينمائي، الذي لا أعرف إذا كان يريدني لرجلًُ آخر، أم يريدني أن ابقى تلك الطفلة التي تكبر كل يوم، لكنها لا تطول!!
حينما تركت أسامة، بعد أن سافر إلى جنيف حيث جامعته واصدقائه وشقته الرائعة، مبتعداً عن إشتياقاتي وإلحاحي الكبير ان يبقى هنا في السعودية معي، وكأني بأسامة أطرد بكل وسائلي أشباح البعد والفراق والسفر، وجدني في غرفتي أقصقص صور المجلات القديمة، وأعيد ترتيبها كأقرب إلى فن الكولاج، إنها عادتي الجميلة حينما أفشل في الاستمرار في تجربة عاطفية صاخبة، يأتي ليرتب معي الصور، دون أن يتكلم معي، نظرت إلى عينيه مرة ووجدتهما غارقتان بالمطر، تساءلت إن كان والدي أحب امرأة عمياء كما فعلت، وربما هو يبكي الآن معي!!
أحياناً لا يخبرنا بموعد عودته، والدتي تسأله حينما تشعر أنه يريد ذلك، ترغب بأن نكون في انتظاره، يذهب مباشرة إلى مجلسه الكبير في الجانب الآخر من بيتنا، أصدقائه يزورننا حتى لو كان هذا النجم غائباً أو مسافراً لآخر الدنيا، كما فعل مرة حينما سافر إلى اليابان وخلته أنه نسينا، لم يتصل بي كثيراً،ً ولم يسأل عني كما فعل في سفرياته الماضية، وكنت كلما ألم بي الشوق له، هرعت أفتح كتبه التي أحضرها لي من إنحاء العالم، لاجا لتسليمة نسرين، عمارة يعقوبيان، ليرننغ إنغلش لرشيد ضعيف، الحب عن بعد لأمين معلوف، وملامح لزينب حنفي، وأخيراً ذاكرة الجسد بطبعتها الأولى، وبتوقيع خاص من الروائية "أحلام مستغانمي" يتوسط صدر أولى صفحات روايتها، إهداءاً طيرني من الفرحة ومن الخوف معاً،هل هي أيضاً أحبت والدي!! كتبت لي " إلى أبنة الرجل السينمائي، عيدك مطراً، وسلماً من قسطنطينة"، أقرأ اهداءاته لي وأنشغل في البكاء خلسة دون أن يراني أحد، فأقرأ بخط يده الكبير، وهو الذي لم يتعود طيلة حياته أن يكتب باللغة العربية، إلى أبنتي التي أحب.. أو إلى أبنتي التي هناك.. وإلى أبنتي المشتاق إليها..و أخيراً إلى ابنتي التي تكرهني دائماً..!! يآلهي منذ متى يشعر إنني أكرهه، هل لأني أخبرته قبل أشهر منتحبة بالبكاء الطويل، حينما أشتقت إلى أسامة ولم أعرف كيف الوصول إليه، وكان هو جالساً على سجادة الصلاة، كملك ترك تاجه جانباً، وأنشغل في تبجيل خالقة، كنت أشعر بأنني وحيدة وبأني أحتاجه جداً، أندفعت إليه وصرخت وبكيت وشتمت نفسي وقلت له، أنا لا أريد أباً سينمائياً، أريدك أن تكوني أباً لي أنا!
والدي الذي كان منذ صباه نجماً سينمائياً لفرط وسامته، أتألم كثيراً لأنه لا يشبه أحداً من الآباء الذين التقيهم مع أبنائهم حينما أخرج برفقة صديقاتي، ولكني أحبه أباً حنوناً يحتاجني بقربة، لا رجلاً تعشقه نساء العالم، أخبئ رأسي داخل كفيّ، كلما تطلعت صديقاتي إلى صوره التي أعلقها على جدران غرفة صالوني الخاص، صورته وهو في اليابان كانت أجملهم كان سعيداً للغاية، وهو يقف بين أربعة من اليابانيين ببذلته الفخمة، وساعته الألماسية، ولون بشرته التي يغلب عليها اللون الأحمر، بشعره الأسود المصبوغ، وبارتفاع قامته، تلك الإبتسامة الساحرة، التي تحب أن تصورها وتبقيها أمام عينيك دائماً، حتى تظل تتذكرها وتتخيلها دائماً، شعرت وأنا انظر إلى صورته، أني رأيت امرأة أخرى في حياته، هناك في عينيه وجدتني أنا أبنته أتماوج بيني وبين المرأة الأخرى، كم كرهت رحلته إلى اليابان، وغيابه الطويل هناك، وشغفه بكل ماهو ياباني، أفكر حينما يغيب بعيداً عن البيت، أن ارفع صوره حتى يشعر بأنني بدأت أثور عليه، وإنني أفكر بأن يكون لي أباً آخر.
صافي ابنة عمي تتباهي كثيراً بوالدي، ولكني بدأت لا أتحدث عن معنى لوجوده كما كنت في السابق أفعل، أتذكر جيداً تفاصيل رحلتنا إلى بيروت في شهر سبتمبر الماضي، لم أكن اعلم أن لوالدي ذلك الحضور الملكي الذي أغرمت به صافي، من غير أن يحظى والدها "الأب العادي"، بتلك القيمة النبيلة التي عايشتها مع والدي النجم السينمائي. عرفت مطعم "منير" في برمانا عن طريق والدي، الذي حضرنا إليه بناءاً على طلبه، كان قد أشتاق لي كثيراً، جاء ليقلنا أنا وصافي بسائقة الخاص إلى المطعم، بسيارته الواسعة الكبيرة والتي تدل على مدى أهمية وجوده في بيروت، ذهبنا برفقته إلى المطعم الفسيح والذي يقع وسط الجبل، كان الجو بارداً أتذكر أسناني وهي تصطك، وأتذكر أكثر حينما وقفت لأخذ صورة شخصية مع المذيعة اللامعة "كوثر البشراوي" بناء على طلبها، وقف هو بجانبي ليحضنني أمام صديقه المذيع الشهير، الذي أبتسم بعذوبة إلى والدي، شعرت بالخجل، لا بل شعرت بأني أحب والدي أكثر من أي وقتاً مضى، نظرت إلى أصدقائه الذين بدأت أتعرف عليهم مجدداً، وخفت أن تكون هناك الصديقة اليابانية التي لا أعرفها وربما توهمتها، تجلس بجانبه، ويعود لا يعرفني.
نظرات صافي تقتلني فهي تريد زوجاً نجماً كما هو والدي، تتحدث عنه أمام صديقاتها فهو العم المثالي، وأنا كل مايشغلني هو والدها عمي "جابر" كنت كلما غضبت من والدي، حينما أحتاجه ولا أجده، أضع ثلاثاً من بيجاماتي في حقيبتي المخصصة لهذا الغرض، الهروب المؤقت، واذهب إلى بيت عمي، هناك حيث أفكر بقصصه وتفاصيل ملامحه التي تدل على ثرائه، خاصة حينما كان يماثلني في العمر، واقفاً أمام المذياع في إيطاليا مجرباً أن يكون مذيعاً شديد الوسامة، لا يسقط صريعاً أمام محبيه من النساء الحسناوات، بقميصه الأبيض، ذو الياقة العالية، وشعره الممسد إلى الخلف، تلك الابتسامة الشفافة، التي ينظر بها إلى غريمة كوريني فاستوو، أشهر مذيع في الإذاعة الإيطالية، واضعاً يده حول كتف والدي، مبتسماً للصورة. البارحة قررت أن أهرب من ذلك الأب، الذي علمني الغربة، منذ أن كنت أحبو في سنوات طفولتي الأولى، الأب الذي عودني على غيابه أكثر من حضوره، يغيب كثيراً، ولا تغار أمي من غيابه، لأنها تريده أن يكون سعيداً، وتريده أن يكون حراً، وتريده أكثر أن يعيش كما يشتهي، لا كما هي تشتهي، تقول لي دائماً بلهجتها الثقيلة التي أحبها، "إذا تزوجتي،،، لا تقتلي زوجك بالحب، إنما اقتليه بالثقة"، أدخل إلى بيت عمي، لأجد عمي مرتدياً ثوبه الأبيض البيتي، يقف فوق كرسي خشبي جميل، ممسكاً بالمطرقة وواضعاً الكثير من المسامير في فمه، يحاول تعديل الصورة الملونة على جدران البيت، سلم علي مرحباً كعادته بسعادته المفرطة، مسكت بيدّي على الكرسي، وشددتهما عليه كي لا يقع، عمي الذي لا يبدو ابداً نجماً، إنما هو ذلك الأب العادي الذي لا تحبه صافي، وأشتهيه أنا....
هل جربت مرة أن تتذوق مرارة شعورك المالح والفاقع تجاه والدك، أن تجرب أنك تبدأ تفتش عن كل أحاسيسك المختبئة، التي كانت تنعش أنفاسك وذكرياتك السبعة، كل ذلك حدث وتفجر حينما رآني أخرج مع صديقاتي من حفلة مرسيل خليفة في قلعة عراد، ضاحكات ممتشقات لسلم الفتنة، كنت قد كذبت عليه أو كذبت على نفسي لا يهم، المهم هو الشعور الذي اختلط عليه وعليّ، أن يكون والدي الذي بات غريباً عني، ممسكاً بسياط الأسئلة والعتاب والصراخ، لأني كذبت عليه ولأني ذهبت أتسكع برفقة المجانين لأرى مجنوناً آخر، كرهته تلك الليلة، ورغبت أن يغادر البيت سريعاً، وفي الصباح شممت رائحة عطرة، في ممر البيت المؤدي إلى الخارج، ودمعت عيناي، كنت قد عرفت أن والدي سافر مرة أخرى.
والدي النجم السينمائي كم أفتقدك...
































27 سبتمبر, 2006 10:55 م