بيني وبين النار سلماً من حديد.. هو ذاك الأيشارب الذي لابد له أن يغطي شعري، فأحلم أن أبقيه، وأن أتمسك به، بقوة المرأة التي بداخلي، وأن لا أقوم بنزعه طيلة حياتي. أعبث بشعري، شعري طويل، يغطي كل ظهري، بني اللون بسبب كثرة الأصباغ التي لونته، أذكر لونه جيداً قبل سنوات، حينما كان طبيعياً، ألتقطت أيامها صوراً كثيرة، أجملها حينما وقفت أمام أهم اللوحات التي أشتراها والدي حينما كان في معرض ببلجيكا، ووضعنا أجملها في صالون البيت الكبير، وصلت إلينا بعد أسابيع طويلة من ملل الانتظار، والخوف من فقدانها، بدا والدي فخوراً بمعظم اللوحات التي أصرّ على الحصول عليها، حتى أنه كان مهتم بإزاحة الغبار عليها وتلميعها!!
وقتها طلبت من صديقتي التي كانت برفقتي ذلك المساء، أن تأخذ لي صوراً عديدة وأنا أقف أمام اللوحة الفنية الكبيرة، والتي غطت نصف الجدار، كان لون شعري غارقاً في سواده، ألبس فستاناً ملوناً قصيراً وبلا أكمام، أسدلت شعري الطويل على ذراعي، صوري هذه أحبها جداً، كلما سألني أحداً عن لون شعري الطبيعي، أخرجت له صوري من درج غرفتي، كم كرهت لونه بعد حين، فبدأت أرتب بكيفية الاحتفال بتغيير لونه كل شهرين، تماماً كما تفعل معظم الفنانات الصغيرات!! وأنا لازلت صغيرة وجميلة، وأريد أن أكون كل يوم صورة أخرى لأحدى هؤلاء الفنانات، ذات مرة أقسمت إلا أن أكون شقراء، فصبغته، وارتديت عدسات زرقاء، وطلبت من الجميع أن ينادوني بكيت، على أسم الممرضة التي كانت تهتم بجدتي قبل أن تموت.
التقيت بصديقتي ريم التي طلقت قبل أشهر، قال لها زوجها مفسراً سبب رغبته في طلاقها، أنها تسرق الهواء من الشقة، وأن الهواء بدأ ينقص تدريجياً، حتى أنه أستيقظ ذات ليلة مخنوقاً، ليكتشف إنها وهي تغط في نومٍ عميق قد سرقت كل الهواء الموجود، أكتشف ذلك بالصدفة، لم يكن يخطط لذلك أبداً، فطلقها!!
سألتني مرة واحدة منذ أن طلقت، هل هناك سبباً أقوى من أن تكون سارقة، وسارقة هواء لكي يطلقها زوجها؟؟ ولم أجبها، وإنما نظرت إلى صدرها، لربما كنت أريد أن أحاسب رئتيها عن سبب فشل زواجها المبكر، وبعدها لم تعد عليّ السؤال، رغم إنني لم أتذمر، ولم أطلب منها أن تصمت بسبب وجع ذكرى طلاقها، لكنها تيقنت من دون أن اخبرها، أن حياتها لن تتوقف بسبب هواء شقتها!!
كنت قد اتفقت معها على أن التقي بها، في مقهى كوستا كوفي الواقع في الحي الدبلوماسي، يبدو هادئاً معظم الوقت، أخبرتني في الطريق، أنها ستقرأ لي شعراً جديداً كتبته ليلة البارحة، وتريدني أن أقول لها رأي، أجلس معها وأفكر بالأيشارب الذي وددت أن لا أخلعه، وأن أبقيه اليوم على الأقل فوق شعري، تنزلق الطرحة الحريرية السوداء من على رأسي، وتبقى ساكنة على كتفي، تأتي النادلة الكينية "سميرة"، تضحك في وجهي، فتخرج أسنانها أحاول أن أقوم بعدهم، تبدو أسنانها لطيفة وصغيرة، كما هي سميرة التي تلبس إيشارباً على رأسها، فيغطي كل شعرها، أشعر بالامتعاض، وأتذكر كل رغباتي التي تجعلني، أخاف من تلك العقبة الواسعة التي تذكرني بالنار!!
الساعة الآن الثامنة وأربعين دقيقة، وريم تفتش عن أصبع الروج في حقيبتها، أسمع صوت خشخشة أصابعها وهي تعبث في حقيبتها، صوت مفاتيح البيت وهي تصطك بمرآتها المعدنية، لم يكن سوانا في المقهى وسيدة أوروبية ذات شعر أصفر، تجلس بجانب شباك المقهى، تطلق من شفتيها دخاناً كثيفاً اشتم رائحته فأدوخ، لكني أحب رائحة القهوة في المكان أكثر منها، تضرب بأصابعها على مفاتيح اللاب التوب الجديد، والذي بدا جذاباً بصغر حجمه، المكان هادئ، أحب صوت ماكينة القهوة، ورداء العاملين به، وتلك المريلة بنية اللون الطويلة، التي يلفها الجميع حول خصورهم، سميرة تقف خلف زجاج الطاولة، عند انتقاءنا لإحدى الكعك المعروض، أنها مثل السكر فلماذا نشتري سكراً على هيئة كعكة لكي نلتهمها!!
ريم لا تنزعج لأنها مطلقة، ولكنها بدأت تيأس من اختراع كل يوم سبباً وجيهاً لطلاقها، تجد نظرات التشفي في عيون محدثيها، تحب الحديث مع الجاراتِ كبيراتِ السن، خاصة حينما يبدأن في شتم زوجها السابق، تحصي كل يوم عدد الشتائم التي تحصل عليها، وتكتبها كما أخبرتني، وتفكر أحيانا بجنون امرأة مجروحة، أن ترسل هذه الشتائم إلى طليقها، وتكتب تحت كل شتيمة أسم من قام بشتمه، لتقول له: كم هو رجلاً بائساً ذاك الذي يخسر امرأة دافئة مثلها!!
ولكنها بدأت لا تهتم بمسألة طلاقها، تسألني بحماس عن موعد زواجي، أهز كتفي لأخبرها، إنني لا أفكر في مشروع إتمام زواجي في الوقت الحالي، تضحك لتقول ولكني أريد أن اتعب لأجلك، أريد أن اهتم بفستان فرحك، وأن أطير معك في يوميات شهر العسل، وأن أرتب أثاث شقتك الجديدة، أحبت شقتي وسعدت لوجود أكثر من نافذة كبيرة فيها، كنت قد أخترت الشقة بعد عناء طويل، فقد كنت أبحث عن طراز فرنسي عتيق أحبه وارغب في العيش بداخلة، كامرأة فرنسية تقرأ الصحف وتأكل الكروسان بالجبن كل صباح، يآلهي كم هي طيبة، أنها لا تخجل من فكرة إتمام زواجي والذي بات قريباً، لكني لا أريد أن أزعجها باحتمالات، بدايات حياة جديدة بعيداً عنها، إن الزواج مسألة بها الكثير من المجازفة، هكذا أقول لها، أتذكر تلك الكلمات التي رتبتهم في حضور صديق إماراتي يقاربني في العمر، كنا ندرس سوياً في إحدى الصفوف الخاصة بلندن، أسمه أحمد يعشق سباق السيارات وأنا أخافها، قال لي إذا كنت ستقدمين على الزواج، فأنتِ امرأة قوية ولا تخافين، فكيف تخشين أن تركبي معي لتجربي ولو لمرة واحدة طعم السرعة وقتل الخوف، وأهمية نصف الثانية لكي تربحي!! أتذكر حديث أحمد محارب كثيراً، يطرق رأسي كمطر بنت الجيران، خاصة حينما يبعث لي بمسجات ليخبرني عن حالة، أنه يعجبني جداً وأظن أنني أعجبه، لكننا نخجل في البوح، التقيته مؤخراً هذا العام، في سباق الفورميلا في البحرين، شجعته كثيراً، رأيت الفتيات يرمقنه باستحسان، كان وسيماً جداً ببذلة السباق الحمراء، التقط الجميع معه عشرات الصور، أما أنا فقمت بتصوير سيارته، مسك بذراعي ودفعني للركوب بها، وقال لي: إذا كنت لا تخشين الزواج، فأمر ركوب السيارة برفقتي هو أسهل بكثير منه، قبل أيام اتصلت به، ظهر لي صوته عبر الأنسر ماشين، سألته بأي دياراً هو، ولا أعرف لماذا غنيت له أغنية كنا نتشارك بها للسيدة فيروز، راجعين ياهوى راجعين.. على دار الهوى..كنا نغنيها في أولى غربتنا، وتدمع عينانا فقد كنا نبكي غربتنا، وإحساسنا إننا سنفقد الكثير من ذكريات مراهقتنا، لأننا سنكون بحكم الغربة مختلفين في ذكرياتنا عن أبناء عمومتنا!!
أتذكر أحمد محارب، لأني أجلس برفقة ريم لكي نضع احتمالات طويلة لحياتنا لتبقى بلا ضجر، تخرج ريم كثيراً، وتكتب قصائد رائعة للغاية، أطلب منها في كل مرة، أن تعيد لي قصائدها المترفة بالياسمين وأبراج حمام طفولتنا القديمة، تهتم بشئون والدتها، حتى أنها تقوم بالنوم عند قدميها، كي تدفئهما لها، وتكون حاضرة لها لو تحركت، فريم هي ملاذ كل الباكين والخارجين عن القانون!!
تطلب لي قهوة مثلجة، وتقص عليّ قصصاً قديمة لطفولتها، قبل أن تقرأ لي قصيدتها الجديدة، تهديني خاتماً فضياً لم أتوقعه، وتطلب مني أن البسه، أنظر إليه فأجد أسمي محفوراً عليه، أتمنى أن اشتم زوجها، لأنه طلق امرأة رائعة مثل ريم، صغيرة وجميلة وتهتم لأن تلون أظافرها، ولكن في قرارة نفسي فأنا مملؤة بالسعادة، لأنها أصبحت قريبة مني، وقريبة أكثر من عالمها وأحلامها، وهي الآن معي تترجم كل هواياتها، إنها مثل أحمد لا تخاف الحقيقة، ولا تخاف مرارة التجارب، ولا سباق السيارات.
تأتي سميرة تمسح الطاولة، أنظر إليها فتبتسم لي، أقول لها: كم أنتِ جميلة بهذا الأيشارب، وأتحسر على شعري الذي لا أعرف متى سأغطيه!!
















































24 سبتمبر, 2006 05:09 ص