أكثر من صيغة لموت واحد
موجود هكذا، بفطرة الآباء والأمهات القديمة.
لو أنني غير ذلك، فقط عكس الفطرة، أخرج من ثقب في جدار، أو من صوت حيوان أليف، أو من مساحة صغيرة في جريدة فرنسية، لو أنني أخرج من كعب يطأ لأول مرة ببهجة امرأة في العشرين قاعة رقص، أو من إضاءة تشغل اثنين فوق سرير ضيق، لو أنني أخرج من جاكيت ينفتح عن نهد إيطالي متواضع، أو من مزاج طارئ لعازف بيانو، لو أنني أخرج من يد وأسقط في آلة شراء، لو أنني أخرج من آلة شراء وأسقط في كف ملتهبة، لو أنني أخرج من كف أخرى وأسقط في حاوية، لو أنني أخرج من حاوية وأسقط في أخرى، لو أنني فقط عكس الفطرة، أخرج من كف أمي وهي نائمة، أو من قدمها وهي تنزل الدرج، لو أنني استطيع إيقافها، وقبل أن تنتبه تدهسني ولا أموت نكاية بأم أخرى لم تنجبني!!
كتبها: راشومون
أختي الصغيرة
كانت تشاهد حفل ملكات الجمال على شاشة التلفزيون، تركتها ومضيت لكي أنام، ظلت هي تلحق الليل على شاشة التلفزيون، ترسم إحدى لوحاتها على ورق أبيض، بشهوة قلما رأيتها، منذ كبرت قليلاً ويداها طيلة الوقت ملطختين ببقايا الألوان، أعرف شخصيتها وتدهشني، أحاول احياناً أن أتوقف عندها، فأخجل، لأني أجد نفسي ضئيلة جداً أمام ماتملكه من مواهب، فهي سريعة البديهة، تلقي نكت سخيفة، لكنها تضحك طوب الأرض، تلقيها بطريقتها الخاصة، تحرك حاجبيها، وتقف هادئة ومنتصبه، تشعر بأنها ممثلة مسرح، لديها شخصية ساحرة لابد أن تحبها، إنها أختي الصغيرة، صاحبة الفساتين القصيرة، والصوت الهادئ الذي لم يكبر بعد، أحلم لها دائماً بعالم مجنون مثلي، وبأغاني طويلة تشعرها بالحب، وأن تكبر وهي لا تنتظر رجل أحلامها كي يصنع لها تاريخها البطولي.
تلك الصغيرة تخترع النكت دائماً عن والدي، كلما أشترى شيئاً جديداً ولبسه، تكتب النكت في دفترها كي لا تنساها، تكتبها بخط غريب، أكاد لا أعرف لغتها الطفولية بعد، تضع ساعة سواتش على معصمها، وتحلم أن تكبر كي تعطي ساعتها لصديقتها، وتشتري هي ساعة للكبار، تشبه ساعة مدرسة الفنية بمدرستها، في الصباح قبل أن تذهب إلى مدرستها التي تبعد شارعين عن بيتنا الذي نقطنه منذ أعوام، في منطقة هادئة جداً، بجيران تحب هذه الصغيرة أن ترسم أقدامهم فقط!! إنها تتخيل دائماً شكل الأقدام وأصابع اليدين، وحينما ترسم وجهاً، ترسم لغة غريبة أشبه ببيكاسوا، وتضع دائماً شامة سوداء، تحب شامتي التي تقع فوق شفتي، منذ سنواتها المبكرة وهي تصعد فوق كرسي غرفتي وتحاول أن تمسحها، وحينما لا تستطيع، تنظر إلى يدها بإستغراب.
تلقي عليّ كل يوم نكتها التي ترسمها، تظل طيلة الليل تخترعها، تقتلني دائماً من الضحك، أقف عند باب غرفتي، تصطادني قبل أن أذهب إلى الحمام، شعري منكوش، أحاول أن امسده بيدي، بيجامتي مقلوبة كالعادة، في الليل حينما أعود من مشوار الجامعة الطويل، ترتبك الألوان عندي، فأكاد لا أستطيع فتح عيناي من شدة تعب الطريق البحري، تضحك قبل أن تلقي نكتتها، وما أن تنتهي منها، حتى أضحك وأعرف إن صباحي سيكون بنفس لون بهجتها.
في صباح ذلك اليوم الممطر بالحب وخشخشة صوت مواء قطة البيت، ما أن سمعت صرير باب غرفتي يفتح، حتى جاءت إليّ، تحمل كتابها الكبير الذي أحضرته من لندن، في آخر رحلة لها مع والدتي، يبدو أنها كانت تقرأه قبل أن تنهض من فراشها، تحفظ دائماً الرحلات التي لم أشاركهم بها، أمام صديقاتي تخترع أية أحاديث وردية لكي تخبرهم أنني لم أسافر معهم إلى ذلك البلد، تحاول أن تظهر للجميع بأنها بدأت تكبر، وأنها أصبحت تسافر من غيري، تخبرني بكثير من المتعة، إن الملكة التي فازت هي من أعجبت بحديثها، حدثتني بكثير من التفاصيل، كيف أنها حينما سألت إلى من ستمد يد المساعدة، لو رأت على الطريق شيخ كبير أم طفل صغير، فأجابت ملكتها التي فازت، سأمد يدي إلى الطفل الصغير، لأقوده إلى الحياة، أمّ الشيخ، فهو يعرف الطريق بنفسه، ولا أظنه يحتاجني!!
كانت سعيدة، بل أكثر من أن تكون سعيدة في ذلك الصباح الشتوي، وهي تعيد إجابة ملكتها، كانت كالمطر يغرق قلب مدينتي البحرية، وتمنت بعد تلك الإجابة التي لامست قلبها أن تفوز الملكة، وأنا في داخلي كنت ايضاً أتمنى أن تفوز الملكة، لأن أختي الصغيرة قد أحبتها، ولأنها كانت سعيدة ومتلهفة ومترقبة لمن يفوز من الملكات الحسناوات، ولأنها ظلت طيلة الليل تقترب من الفوز.
ظللت طيلة صباحي الجامعي افكر في الملكة، أفكر بتاجها، وفستانها الذهبي التي وصفته لي أختي الصغيرة، شعرها، غمازاتها، عيناها، لقد لونت صباحي، لقد أخذت واحده من فرشها التي تغمسها في الألوان، وغمست كل الألوان دفعة واحده، ولونت وجهي، وتاريخي، ومسائي وقلبي الذي تعب من الحب، وربما بقية حياتي القادمة. ظللت أفكر كيف تستطيع أختي الصغيرة، أن تقتنص كل تلك الأشياء الصغيرة، وتحكيها بطريقتها، كيف تحفظ النكت وتلقيها علينا، كلما أجتمعت عائلتي على طاولة الطعام، بمناسبة طاولة الطعام، ذات مره جاء أبن عمي لأخي الصغير، ليقول له، هل صحيح أنكم تأكلون فوق الطاولة؟؟ أجابه اخي نعم وأنتم؟ رد عليه بخجل الصغار حينما يحلموا بأن يكبروا سريعاً، كيف لكم أن تأكلوا كما هم المصريين!!
بعد أيام قرر التلفزيون اللبناني إعادة حلقة برنامج مسابقة ملكة الجمال، وقررت أن اقضي على كل مشاغلي التافهة لكي أشاهد البرنامج، ولكي أحب الملكة كما أحبتها أختي، ولكي أتمتع بكل كلمة ستقولها الملكة، والتي عرفتها من الصور التي خرجت في اليوم التالي، شاهدت البرنامج كاملاً، وأجابت الملكة الفائزة على كل الأسئلة، كعادة كل الصغيرات الجميلات اللاتي يحلمن بالشهرة، وبالوصول إلى العرش بسبب جمالهن لا لأسباب أخرى، يغتال الجميع اللغة الأم، الفكرة الخاطفة، لم أجد واحده منهن مهضومة، أو حتى مسلية، أو قابلة لأن تشدك من يدك لتجلس صريعاً أمامها، والملكة الفائزة لا تتميز بأي شيء عن أي واحدة منهن، وحتى تلك الإجابة التي قتلت أختي، وغيرت صباحاتي كلها، قالتها بإرتباك وكأن هناك شبحاً من بعيد، يلقنها الكلمات.
أشعر بالأسى على سارة، أشعر بكثير من النقص، أمام موهبة أختي التي بدأت تتشكل لتتخذ لها شكلاً متميزاً، إنها تستطيع أن تنتقي حتى إجابات ملكة عبيطة، لا تعي شيئاً، أنك أمام أجساد، لا أمام شيئاً آخر، وحينما تتكلم الملكات أشعر بالغثيان، وأشعر إنني أمام كائنات عبيطة وتعسه حتى من أحلامها، كائنات لم تكبر بعد. لكني لأجل تلك الصغيرة، قررت أن أحب الملكة العبيطة، ولو لمرة واحدة!!





































22 سبتمبر, 2006 01:07 ص