إرث السمك والديناصور
في الماضي البعيد، حينما كنت أشرع في تقبيل صبي صغير، قلبي يدق، يدق أكثر، أخال هذا الحدث فعل فاضح في الطريق العام، او فعل في خلوة غير شرعية، حينما أشرع في تقبيله، أخاف من هذا الصبي أن يفهم قبلتي البريئة إليه خطأ، أخاف من هذه الجناية التي أقرأها على صدر صفحات الحوادث، قلبي يدق لأني أريد ان اعرف إنني أقبل صبي في الثامنة، وليس رجلاً بلا شوارب!! لم أجلس مع طفل أتكلم معه، إلا ويتلبسني الخوف، كما في قصة "أصوات" لسليمان فياض، حين تكالبت نساء القرية على السيدة الأجنبية المبتهجة بالحياة، عزاء لأنفسهن. كان خوفي يتعاظم من ان يكون هذا الطفل، رجل نسى ان يطول كثيراً، ورفض ان يغامر بترك لعبة وأشيائه وملابسه، أرتعب من هذه الفكرة، أعني فكرة رجولة الطفل، هذه فكرة ليست خرافية أو مقطع من رواية "حكاية مدينتين"، ولكنها حقيقة. كان قلبي يفضح تفكيري، حتى أصبحت أتحاشى الحديث مع هؤلاء الرجال الأطفال، مرات كثيرة تطرأ على رأسي، ان اسأل واحدا من أطفال العائلة في السابق البعيد وليس الآن، إذا كان له رأي خاص في السياسة الخارجية لأمريكا، وحركة حزب الله، أو له فكر ومفهوم خاص في توظيف الشباب السعودي، وسوق الأسهم وأسعار العملات، شيئاً ما في داخلي يزعق بي، أن أعترف بصراحة الوضع ومواجهة كل شئ!!
في الماضي كان الأطفال يكبرون بسرعة، أننا أكثر من يساهم في رجولة الأطفال المبكرة، في السابعة ونعلمه فضل الرجولة، أن يكون بمقدار الكلمة التي تخرج من فمه، أن لا يشرع فمه للبكاء، إنما لقول الحق، أنت رجل كيف لك أن تبكي أو كيف لك أن تخاف من ظلك!! بالرغم من أن كل المشاعر التي يعيشها الصغير، لهي امراً إعتيادياً لمن كان في عمره، لكنّ أهالينا السابقين عمدوا على غرس الثقة المبكرة في نفوس الأطفال، والتي كانت تلك الأنفس الذهبية على أستعداد لأن تتشرب أي شيء، أنه ليس تغييراً للهوية، أنما هو إستعجال الفطرة النفسية لفهم قوانين الرجولة، وليس الأستبدادية كما يظنها البعض، أشعر أحياناً إننا حينما نحاول أن نضيف لعمر الصغارأعواماً أخرى، وكأننا نخاف من شيئاً ما، نخاف على بناتنا البكر وصغيراتنا ذوات الجدائل، من غزو غير معروف، لمطر سيطرق بيوتنا لتتهدم، لحرب تأخذ الرجال بلا عودة، لنار تتدافع في ثياب وأجساد رجال العائلة، ونحتاج دائماً لرجال يخلقوا صغارًا ليكبروا حولنا وليقوموا بحمايتنا، لايعرف أهالينا كيف يدللوا صغارهم بالحب الفاضح المكشوف، كأن يملئوا جيوبهم باللوز والسكر وحفنة من الريالات، ولكن ولأنهم يحبونهم جداً، بطريقتهم الخاصة التي تميزهم، فهم يريدون منهم أن يكبروا سريعاً، وأن يكونوا فرساناً وشيوخاً ورجالاً أطول من سيقانهم، يخلقوا الفرص لكي يشعروا أنهم بدأو يكبروا ويذوبوا مع صفوف الرجال بلا خوف من السقوط بسبب صغر العمر المبكر، يرسموا الشوارب على وجوههم البضة الجميلة، ويسخّروا المنطق لهم، ويعّدلوا هاجس الصورة الملونة الأخرى، يأتوا بالرماد ويدعكوا جلودهم ووجوههم كي تخشن، إنهم بذلك يقلدونهم منطق الرجولة.
ياترى مالذي يدفع أهالينا السابقين لفعل كل ذلك، والذي كنا نراه أمراً معيباً، إذ كيف لنا أن نجرد الطفل من طفولته، مالذي نخافه، ومالذي نريده، ولماذا نشعر بالمرارة حينما نرى الصغار يمارسوا دور البغاية والضحك والثرثرة وتعليق صور اللاعبين على جدران غرفهم، ونسعد حينما ندعهم يتعاركوا مع أبناء الجيران، وأبناء الحي المجاور، نضعهم في الشارع، ونقول لهم، هذه هي الحياة، صعبة وقاسية وشديدة السخونة والحرارة. إن أجمل منظر لم يفارقني منذ طفولتي وحتى مراهقتي التي قضيتها بعيداً، هو منظر الصبية الصغار، وهم يأتون من مدارسهم مبكرين، يرمون بكتبهم على ناصية الشارع، ويربطون أثوابهم على خصورهم، يضعون أحذيتهم الصغيرة، كي تكون هي شبك المرمى، ويبدأون اللعب، كنت أنا الصغيرة الجميلة، شديدة الترتيب والنظافة والزهو، أتلصص عليهم من شباك غرفتي، وحينما تسمح لي مربيتي، كنت أجلس على حافة درج البيت الرخامي، أستمتع بأصواتهم، بضجيجهم، بسعادتهم المفرطة، بأثوابهم القذرة، بالأحضان التي يتحلقون حولها، حينما يصيب أحدهم هدفاً خطيراً في شباك منافسه!!
كان الشارع يصنعهم، كان الصغار يتجاوزوا كل مشاكلهم دون اللجوء إلى الأب أو الأم، أنهم خلقوا كباراً، وخلقوا لكي يعرفوا الحياة بطريقتهم الخاصة، ومن بصيرتهم التي تخطأ وتصيب. حينما كنت أشعر بالوحدة والحنين إلى الوطن، أتذكر صدى كل تلك الأصوات القديمة، التي تأتي من بيوت الجيران، ومن عزوز وحمودي ودحومي وعبادي وحمني، الذين كبروا الآن، وأصبحوا أكبر مني، شواربهم تغزو وجوههم، وأرقام البنات تنبض في جولاتهم، والنقود تصرف على المقاهي والسفر إلى دبي ولبنان، وشراء ساعة غوتشي، ونظارة كريستيان ديور وعطور من أفخر الماركات، قبل أسبوع أتصل شاب يطلب مكالمة والدي، وأخذ والدي في الحديث معه، وهو مبتهج للغاية، ووالدي حينما يسعد، يحك رأسه، فتتساقط قشرة رأسه على طرف ثوبه، فأتلذذ بممارسة دور الأبنة أمد يدي فأمسح قشر رأسه، لكن والدي لا يعيرني أهتماماً، فهو مشغوول بمشاغبة الفتى صاحب الصوت الرخيم، يغلق والدي الهاتف ويخبرني ضاحكاً ألا تذكريه؟؟ أنه عبدالرحمن أبن جارنا سعود، عبدالرحمن أحك رأسي، يقتلني والدي بكل تلك التفاصيل الصغيرة عنه وعن عائلته وأعمامه وأصهاره ومن يدخل معه في عرق نسبه، ونسي والدي أنني قضيت أعواماً هنا وأعواماً هناك، فكيف لي أن أتذكره، في لحظة خاطفة تذكرته أنه الولد المملوح، الذي ينظر إلينا نحن البنات بنصف عين، من شدة خجلة، أنه دحومي!!
يالله،، يابابا قوول دحومي حتى تعاود ذاكرتي نشاطها؟
لا تقلي عبدالرحمن، أشعر بأنه يكبر مع أسمه، يكبر مع صوته الذي أنتشيت وأنا اسمعه، كما هي كوكو بطلة شنغهاي بيبي!! حينما تقول يابابا عبدالرحمن، اشعربأنك تقصد فتى آخر، غير ذلك الذي يسكنني هو وشلته.
أتخيل شكل دحومي قبل أن اراه، أو لنقل عبدالرحمن وهو يكبر أكثر ويطول كظل والده، سيسافر إلى كندا بعد أيام، ليكمل دراسته العليا، هل كان لهذه الدرجة طالباً مجتهداً، أم أنه يريد أن يجرب أن يكون بعيداً عن الحي الجميل الذي تربى فيه وكبر!! ليكون بعيداً عن سيارة الكززس السماوية، وعن رطوبة الصيف، وشغب خادمات البيت، وإشارات المرور التي تحتاج إلى صيانة، هل يريد أن يغير من جدول يومه، كأن يكون بعيداً عن جسر البحرين الذي هلكه من كثرة مشاويره، مبرراً ذهابه إلى هناك لمشاهدة آخر الأفلام التي تعرض في سينما السيف وسينما الدانة، يضع الجل على شعره الأسود الناعم، ويملئ جسده بافخر العطور، مثل عطر بربري أو بلغري، ويلبس القميص الذي اختارته أخته نوره يعجبه ذوقها فهي فنانة وكم مرة أقترح عليها أن تنشئ محلاً لبيع القمصان والسراويل الرجالية والصنادل، سيدر عليها ربحاً وفيراً، خاصة إن شبابنا مساكين لا يملكون الذوق في أختيار ملابسهم الأوروبية، تبدأ الألوان في الشجار مع بعضها البعض، وكلما قرر السفر، كان يتودد إلى نوره بكثير من الأغراءات والهدايا، لكي تذهب معه إلى البحرين أو إلى أي مجمع لكي تشتري له قمصاناً ملونة، تختارها بعناية شديدة، فيزهو بها أمام أصدقائه، يلبس الحذاء الرياضي الذي جلبه له أبن عمه هاشم من آخر سفره له إلى جنيف، لأنها مدينة مفعمة بأجمل الأحذية من جميع الأصناف!!
أبناء الحي القديم يكبرون،، يأتي صوت دحومي لينقلني إلى فضائه، كيف سيكون لون نبضه حينما يصل إلى تورنتو، سيموت من البرد والخوف وسيشتاق إلى نوره ونوف وسيبكي على فقدانه لأمه، وسيحاول أن يبكي في الحمام، أو حينما يسمع أغاني محمد عبدة أو رابح صقر، "لا أعرف سر تعلق الشباب بأغاني رابح صقر"!! وسيتصل بأمه كل أسبوع، ليكذب عليها ويقول لها: يمة تراااااني مررره سعيد وطاير من الفرحة وقاعد أذاكر مع واحد، كان صديق ولد خالي عبودي اللي بالرياض، وهالحين بيمر عليّ، يممه،، وحشتيني بس لا تخافين عليّ ولدك يمه ذيب! وسيغلق سماعة الهاتف، ويدخل في نحيب لا ينتهي، خاصة لو أتصل يوم الجمعة وسأل عن والده، لتقول له والدته، إن اليوم يوم جمعة، وسوف تسأله كعادة كل الأمهات، أنتو عندكم جمعة زينا أو لا؟؟ أبوك ذهب إلى المسجد للصلاة، ايقظ أخوك أحمد وذهبا، سيتذكر كل تلك الأيام التي كانت والدته فيه تكسر الباب من كثر الدق، حتى يقوم ليلحق بباقي أخوته الكبار ووالده، وكم مرة فاتت عليه صلاة الجمعة، وأقسم لوالده أنه لن يفعلها من جديد، سيندم الآن على كل لحظة، لم يكن يلحق بوالده ويتمسك به، يدردش معه عن كل شي يفهمه أو لا يفهمه، حتى يصلا إلى المسجد، رائحة دهن العود في ثوب والده، تعتقه إلى الجنة، أما إذا كان سيء الحظ وأتصل في موعد حضورر غداء الجمعة، سيسمع أصوات العائلة تتداخل، وسيشعر بأن كل مايحدث هي جناية في حقه، لماذا لم ينتظروه، لماذا يجتمعون من غيره، لماذا لا يبكون عليه، ولماذا لا يطلبون منه المجئ، ولماذا يكتفون بالضحكات معه وعليه، ويقولون له، ها عاد لا تفشلنا ذاكر كويس، مو تصيع هناك وتنسانا، ويكملوا ضحكاتهم، ويحترق دحومي، لماذا لايقولون له، كم أشتقنا لك، تعال، خلاص أنسى كندا أو غيرها، وتعال مكانك بيّن خالي، كرسيك لم نرضى أن يجلس عليه أحد، حتى أحمد أخوك الصغير، رغم عراكما معاً أشتااااق لك، ويقول لك، لن يسرق سيارتك مرة أخرى، ولن يأخذ العشرات من الريالات من جيبك، ولن يقضي على علبة الجل ويتهم الخادمة أنها أسقطتها سهواً على مغسلة الحمام، بس تعااال، عبدالرحمن ينتظر هذه الكلمة، ولكن الجميع فرحين له، بالثلج والبرد، والأحساس بالغربة والولع للأهل والأصدقاء وأغاني راشد الماجد في شارع كورنيش الخبر، والأرجيلة في أرخص المقاهي الشعبية، والبحرين كل أربعاء لمشاهدة فيلم أو معاكسة البنات في مقهى ستار بووكس، وتبادل الأرقام معهن، صراخ بنات أخته الكبرى، جنى وجوري وجمانه وهن يحاولن أن يأخذن السماعة من امهن، محاولين السلام عليه، وحكي قصص ستبكيه طويلاً ،، طويلاً ما أن يغلق سماعة الهاتف، الصغيرة ستقول له، عن السيكل "الدراجة" الذي أشتراه والدها إلى أخيها زيادوا، ولم يسمح لها بأن تركب خلفه، إلا بعد أن جاءت الماما لتضربه، وتخبره أن يسوق بها قليلاً في حديقة البيت وعند المطبخ، لكي تراها الخادمة الفلبينة!!
صغار الحي يكبرون، ليصبحوا رجالاً، وهم خلقوا لكي يكونوا كباراً، جرب ان تتكلم مع واحد منهم، لن تتخيل إلا وكأنك تتكلم مع أخيك الذي يماثلك في عمرك، ذاك الذي كنت تتصارع معه طيلة الوقت، على أشياء تافهة لا قيمة لها، الآن بالتأكيد تراها فقط تافهة بلا قيمة، لكنك كنت في النهاية أنت من يربح، مهما يكن مقدار ضئالة هذا الربح والانتصار، والذي تشتاق إليه الآن كثيراً، أكثر مما تتخيل وترغب. أطفال الحي كبروا، يشاركوني حياتهم من بعيد، وأنا اختلق لهم القصص والحكايات والروايات، كم أشعر بالمحبة لرجولتهم المبكرة، ولحياتهم القادمة، كتبت هذه المقالة، لكي أقول لهم، إنهم جيل لن يتكرر، أنهم صنعوا مستقبلهم قبل أن يقوم هو بصناعتهم.





















02 سبتمبر, 2006 10:45 م